يعيشُ لبنانُ منذ سنواتٍ طويلة في حالةِ اللّادولةِ. هي حالةٌ تتجاوزُ ضعفَ المؤسّساتِ إلى تفكّكٍ كاملٍ في البنيةِ التي يُفترضُ أن تُنتجَ القرارَ وتُطبّقَه. تحوّلتِ الدّولةُ إلى هيئةٍ شكليّةٍ تُدارُ بمنطقِ تقاسمِ النفوذِ لا بمنطقِ الخير العامّ، وتراجعت قدرتُها على فرضِ سيادتِها، وحمايةِ مواطنيها، وتأمينِ أبسطِ مقوّماتِ العيشِ. في ظلِّ هذا الانهيارِ، بات اللّبنانيّون/ات أسرى منظومةٍ تتقنُ لعبةَ تدوير الزوايا، والتّعطيلِ، وتعيشُ على المحاصصةِ، والزبائنيةِ، والتأقلم مع السلاحِ غيرِ الشرعيّ، ما أدّى إلى شللٍ عامّ ضربَ الإدارةَ، والقضاءَ، والأمن.
مع ذلك، فإنّ لحظةَ اللّادولةِ ليست قدرًا محتومًا، لأنّ التحوّلاتِ الجيو-سياسيّةَ الإقليميّةَ-الدوليّةَ فتحت أمام لبنان نافذةً نادرةً لإعادةِ بناءِ الدّولةِ. المشهدُ الإقليميُّ-الدّوليّ يشهدُ تبدّلاتٍ جوهريةً، وإعادةَ رسمِ أدوارٍ، وتراجعَ سطوةِ محاورٍ تقليديّةٍ، وتصاعدَ مقارباتٍ تربطُ الاستقرارَ بالإصلاحِ، وتعزيزَ موقعِ الدّولِ القادرةِ على إنتاجِ الشرعيّةِ والحَوْكَمةِ السّليمة. في هذا السّياقِ، يمتلكُ لبنان إمكاناتٍ سياسيّةً، وديبلوماسيّةً، وأمنيّةً، واقتصاديّةً، واجتماعيّةً، يمكن أن تشكّل قاعدةً صلبةً لقيامِ دولةٍ سيّدةٍ قادرةٍ وعادلةٍ. إنتخاب الرّئيس العماد جوزاف عون مع خطاب قسم استثنائي فتح ثغرة. تسمِية القاضي الدّكتور نوّاف سلام رئيسًا للحكومة، إلى بيان وزاريّ إستثنائيّ، ذهب إلى أفقٍ وطنيّ سياديّ إصلاحيّ. لبنان أمام فرصة لن تدوم، وهو يمتلك كلّ المقوّمات للإفادة منها على أكثر من مستوى.
على المستوى السّياسيّ والديبلوماسيّ، لا يزال لبنان يتمتّع بشرعيّةٍ دوليّةٍ واسعة تستندُ إلى علاقاتٍ تاريخيّةٍ مع العالمِ العربيّ والغربيّ، وإلى بنيةٍ دستوريّةٍ راسخة. هذا الرَّصيدُ يسمحُ له، إذا توفّر القرارُ السياسيّ، بأن يعودَ مؤثِّرًا فاعِلًا إيجابيًّا في محيطهِ، خصوصًا وأنَّ المجتمعَ العربيّ-الدوليّ بات مقتنعًا بأن استقرارَ لبنان ضرورةٌ لإقليمٍ مضطربٍ. ثمَّ إنّ وجودَ كتلةٍ اغترابيّةٍ واسعةٍ يمنحُه فرصةً حقيقيّةً لتفعيلِ ديبلوماسيّةٍ عامّةٍ مُبادِرة. على المستوى الأمنيّ، يمتلك الجيشَ اللّبنانيَّ والأجهزةَ الشرعيّةَ ثقةً داخليّةً ودوليّةً، لكنّ دورَهم يبقى ناقصًا ما لم تستعد الدّولةُ وحدانيّةَ السّلاحِ، وتُنْهِ الازدواجيّةَ الأمنيّةَ التي تُعطّلُ فاعليّةَ المؤسّساتِ الشرعيّةِ. أمّا اقتصاديًّا، فيمتلك لبنان رغم الانهيارِ فرصًا حقيقيّةً للنهوضِ، قطاعًا خاصًّا لا يزال نابضًا، ومواردَ واعدةً، وموقعًا جغرافيًّا استراتيجيًّا، واغترابًا قادرًا على الاستثمار الإيجابي البنّاء في كلّ القطاعات. لكنّ كلَّ ذلك يحتاجُ إلى قرارٍ سياديّ بإطلاقِ مسارِ الإصلاحِ، واستعادةِ الثقةِ بالنّظامِ الماليّ، وتثبيتِ استقلالِ القضاءِ، ومكافحةِ الفسادِ. يبقى أنّ اللّبنانيّين/ات، وعلى المستوى الاجتماعي، يُظهرون قدرةً على التكيّفِ والإبداعِ، تُعدّ رصيدًا ثقافيًّا ومدنيًّا صلبًا لبناءِ نموذجِ دولةِ مواطنةٍ حاضنة للتنوّع. لكنّ غيابَ القيادةِ السّياسيةِ الرّشيدةِ يُفرّغُ هذا الرصيدَ من قدرتِه على التحوّلِ إلى قوّةِ تغييرٍ.
مع توفّرِ كلِّ هذه الإمكاناتِ، يبقى الواقعُ مُقيّدًا بعاملٍ واحد، مأزقُ القيادةِ السياسيّةِ. فهذه القيادةُ ما تزال عاجزةً، بل متردّدة في التقاطِ الفرصةِ التاريخيّةِ التي أتاحَتها التحوّلاتُ الجيو-سياسيّةُ الحاليّة. وهي تتصرّفُ وكأنّ لبنان في زمنٍ ساكنٍ، فيما الإقليمُ والعالمُ يعيدانِ تشكيلَ أولويّاتهما. هي قيادةٌ غارقةٌ في الحساباتِ الضيّقة والمصالحِ الموضعيّة، وفي تفاهماتٍ مع قوى ما فوق الدّولة، ما يجعلها غيرَ قادرةٍ على إطلاقِ مسارِ قيامِ الدّولةِ. لقد هُدرت فرصٌ بارزةٌ بعد 17 تشرينٍ، وبعد الانهيارِ الماليّ، وبعد التفويضِ الدوليّ بالإصلاحِ. وفي كلِّ مرّةٍ كانت القيادةُ نفسها تُمعِنُ في تدويرِ الزوايا، والخضوعِ للابتزازِ، ورفعِ فزّاعةِ الحربِ الأهليّةِ لوقفِ تطبيقِ الدّستورِ ومنعِ استعادةِ السّيادةِ. وعليه، يصبحُ من موجباتِ التحوّلِ الدّولتيّ أن تتقدّمَ قيادةٌ جديدة، كفوءةٌ، نظيفةٌ، سياديّةٌ، من خارجِ المنظومةِ، تمتلكُ القدرةَ على تغييرِ موازينِ القوى، وكسرِ الاستبلشمنت المتجذّرِ في تحالفِ الفساد–السّلاح. قيادةٌ تُعيدُ الاعتبارَ للدّستورِ، وتدفعُ نحو دولةِ المواطنةِ، وتواجهُ المنظومةَ التّقليديّة بقوّةِ مشروعٍ وطنيّ جامعٍ.
إنّ انتخاباتِ 2026 تمثّل فرصةً أساسيّةً لمسارِ التغييرِ، فهي ليست استحقاقًا شكليًّا، بل لحظةً لإعادةِ توزيعِ القوةِ سياسيًّا، وفتحِ الطريقِ أمامَ الإصلاحِ الحقيقيّ. الخطرَ يكمنُ في إمكانيّةِ تأجيلِها أو تطييرِها بذريعةِ الظروفِ أو الأمنِ أو الخلافاتِ، وهو ما يجب التحذيرُ منه، لأنّ ضربَ الانتخاباتِ هو ضربٌ لما تبقّى من شرعيّةِ الدّولةِ. إنّ التحوّلَ الدولتيّ ممكنٌ، بل ضرورةٌ تاريخيّة. لكنّ شرطَه الأول هو تغييرُ القيادةِ، لا الاكتفاءُ بتعديلِ السّياساتِ العامّة، أو آليّات صنع القرار. ثمَّ إنّ بقاءَ القيادةِ الحاليّةِ على ارتِباكِها هو الضمانُ لاستمرارِ اللّادولةِ، فيما التغييرُ الجذريّ هو الطريق الوحيد لضمانِ قيامِ دولةِ المواطنةِ السيّدةِ الحرّةِ العادلةِ المستقلةِ. الوقتُ يضيق.
