تتأهب إسرائيل وتناور بعد حادثة اغتيال الطبطبائي. في هذا الإطار، اطلع رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير، على استعدادات الجيش الإسرائيلي على الحدود اللبنانية، للإشراف على المناورات المفاجئة التي انطلقت اليوم. زامير أمر القوات برفع مستوى تأهبها بعد اغتيال المسؤول العسكري في حزب الله، ما يفتح المجال امام احتمالات عدة ستضع حزب الله أمام أكثر من سيناريو أوردها اليوم الإعلام الإسرائيلي.
وترافق العدوان الإسرائيلي الذي استهدف ضاحية بيروت الجنوبية أمس مع تصعيد في النبرة في الإعلام الإسرائيلي، حيث توالت التهديدات للبنان بشكل واضح. ويُلاحظ وجود إجماع إسرائيلي على أنّ تصعيداً ما سيحصل تجاه لبنان، وتُعزى مصادره إلى المؤسسات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية.
ونقلت إذاعة الجيش الإسرائيلي أنّ الجيش قرر رفع حالة التأهّب في منظومات الدفاع الجوي في الشمال، ويستعد لمواصلة الهجمات على لبنان.
وأعلن الجيش الإسرائيلي عن بدء مناورة عسكرية في منطقة الجليل صباح اليوم، تستمر لمدة يومين، بهدف فحص جهوزية واستعدادات الجيش لكافة السيناريوهات.
مداهمات برية
بالتزامن، كشفت صحيفة "يديعوت أحرونوت"، نقلاً عن مصادر مطلعة، أنّ الجيش الإسرائيلي اختار الإبقاء على المعلومات المتعلقة بالمداهمات البرية داخل الأراضي اللبنانية طيّ السرية، وذلك بهدف "تجنّب الاستفزاز" وعدم توتير الجبهة الشمالية أكثر.
وبحسب الصحيفة، فإن المداهمات البرية نُفذت ضمن نطاق يتراوح بين 3 و5 كيلومترات من الحدود، وقد وصلت أحياناً إلى الخط الثاني داخل القرى اللبنانية. ووفقاً للمصادر نفسها، نفذ الجيش الإسرائيلي أكثر من 1200 مداهمة برية خلال هذا العام في 21 قرية لبنانية حدودية.
معاريف: فشل حكومة لبنان
من جهتها، نشرت صحيفة "معاريف" الإسرائيلية تقريراً موسعاً أعدّته الكاتبة مايا كوهين، تناولت فيه تصاعد التوتر على الجبهة الشمالية واستعداد إسرائيل لعملية مركّزة ضد حزب الله، في ظل ما تصفه المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بـ"فشل" الحكومة اللبنانية في تنفيذ التزاماتها المتعلقة بنزع سلاح الحزب.
وبحسب ما تنقله كوهين عن الخبير في شؤون الشرق الأوسط، البروفيسور أمتسيا بارعام من جامعة حيفا، فإنّ الصورة التي تتكشف خلف الكواليس مقلقة للغاية، إذ يشير إلى أنّ وتيرة إعادة بناء قدرات حزب الله وتسلّحه تتجاوز بكثير وتيرة الجهود الدولية الرامية إلى تفكيك منظومته العسكرية. ويؤكد بارعام أنّ الحكومة اللبنانية تمتنع عن تنفيذ التزاماتها، رغم التعهّد الرسمي بنزع السلاح الثقيل للحزب.
ويشرح بارعام أنّ الحكومة اللبنانية قامت بـ"جزء" من واجبها جنوب نهر الليطاني، لكنّ جهودها جاءت "بنصف قوة أو أقل"، ولم ترقَ إلى مستوى التعهّد السياسي الذي قطعته أمام المجتمع الدولي. ويشير إلى أنّ نقطة التحوّل كانت خلال خطاب الرئيس اللبناني جوزيف عون في عيد الاستقلال، إذ أكّد مبدأ احتكار الدولة للسلاح، لكنه، بحسب الإسرائيليين، "تجاهل تماماً" التزامه السابق بنزع سلاح حزب الله قبل نهاية العام، بل ولم يذكر الحزب بالاسم.
ويضيف التقرير أنّ واشنطن كانت قد مرّرت رسائل واضحة إلى بيروت، إذ أكد توم باراك، مبعوث الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب إلى الشرق الأوسط، أنّ إسرائيل قد تصعّد عملياتها إذا لم تفِ الحكومة اللبنانية بتعهداتها. ويشير بارعام إلى أنّ التطور الميداني الأخير — وهو الهجوم في بيروت ضد القيادي البارز علي هيثم طباطبايي — يعكس "تغييراً كبيراً في السياسة الإسرائيلية"، ويُعد "صفعة مؤلمة" للحزب.
ويكشف بارعام أنّ الاستراتيجية الأميركية تعتمد على الجمع بين الضغط الإسرائيلي ("العصا") والدعم الخليجي، السعودي خصوصاً، الذي سيُقدَّم إلى لبنان بشرط اتخاذ خطوات عملية لنزع السلاح. لكنه يؤكد أنّ المشكلة الأساسية تكمن في خوف الحكومة اللبنانية من الانزلاق إلى حرب أهلية إذا حاولت مواجهة الحزب. ويقول: "من وجهة نظر الحكومة اللبنانية، فإن حرباً بين إسرائيل وحزب الله — ولو خلّفت ضرراً — تظل أقل كلفة من حرب أهلية تبتلع لبنان كله".
ويطرح بارعام "سيناريو بديلاً" للحكومة اللبنانية يتمثل في إطلاق "حملة إحراج علني" للحزب عبر قانون صادر عن البرلمان ينص على نزع سلاح جميع المواطنين بلا استثناء، ثم إرسال قوة صغيرة إلى أحد أكبر معسكرات حزب الله بحضور وسائل إعلام لبنانية ودولية، لإظهار رفض الحزب الانصياع للدولة. ويرى أنّ هذه الخطوة يمكن أن تُلحق بالحزب "إحراجاً سياسياً كبيراً" وقد تدفعه، وفق تعبيره، إلى "قبول تفكيك رمزي" لسلاحه.
وينتقل التقرير إلى سؤال يثير قلق المؤسسة الأمنية الإسرائيلية: كيف سيرد حزب الله على التصعيد الإسرائيلي؟ ويشير بارعام إلى أنّ نائب الأمين العام للحزب نعيم قاسم قدّم في الأشهر الماضية "ثلاثة تنازلات غير مسبوقة"، وهي وقف إطلاق النار رغم استمرار الحرب في غزة، وعدم الانضمام إلى إيران خلال حرب الأيام الـ12، وعدم الرد على مقتل نحو 300 من مقاتليه خلال العام الماضي.
لكن بارعام يحذر من أنّ قاسم يواجه ضغطاً كبيراً من "الجيل القيادي الشاب" داخل الحزب، الذي يطالب برد قوي، مما يجعل القرار في الأسابيع المقبلة "غير محسوم". ووفق ما يقوله: "هو نفسه لا يعرف بعد. إنهم جميعاً في حالة تردد، لأن اغتيال طباطبايي ليس ضرراً عسكرياً فقط، بل هو إهانة تمس صورة الحزب".
ويرى التقرير أنّ حزب الله أمام ثلاثة سيناريوهات محتملة: عدم الرد ومواصلة إعادة بناء قوته، أو تنفيذ عمليات مركزة ضد مواقع عسكرية إسرائيلية، أو الانتقال إلى استهداف بلدات حدودية. أما الهجمات الواسعة على مدن مثل نهاريا وعكا وحيفا فتبقى "أقل احتمالاً"، كما لا يُستبعد لجوء الحزب إلى عمليات خارجية، رغم أن ذلك يحتاج إلى وقت طويل للتخطيط والتنفيذ.
ويؤكد بارعام أنّ "الساعات والأيام القريبة" ستُظهر اتجاه القرار داخل حزب الله، مشيراً إلى أنّ الأمين العام يعيش في ظروف ميدانية ضاغطة داخل "بنكَر" مع مخاوف مستمرة من الاستهداف الإسرائيلي. ويضيف أنّ الضغط الدولي — الأميركي والفرنسي والسعودي — سيستمر خلال الفترة المقبلة لدفع لبنان نحو اتخاذ خطوات أكثر صرامة تجاه الحزب، مع محاولة إقناع رئيس حركة أمل نبيه بري بالابتعاد سياسياً عن حزب الله، وهو عامل قد يكون حاسماً في أي استحقاق انتخابي مقبل في أيار 2026.
ويختم تقرير "معاريف" بالإشارة إلى أنّ إسرائيل باتت مقتنعة بأنّ استمرار حزب الله في إعادة بناء نفسه، وامتناع الحكومة اللبنانية عن اتخاذ خطوات حاسمة، سيقود — عاجلاً أو آجلاً — إلى مواجهة. كما تؤكد المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أنّ الاستعدادات الحالية تهدف إلى تهيئة الداخل الإسرائيلي لسيناريوهات قد تتطور "قريباً جداً"، في ظل جبهة شمالية تغلي وتتجه بسرعة نحو المجهول.
