ثورة التكنولوجيا: السعودية تعيد تعريف تحالفها مع واشنطن (1)

خلدون الشريفالاثنين 2025/11/24
Image-1763921331
باتت السعودية شريكاً في تصنيع المستقبل الأميركي (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

يقول توماس فريدمان في مقالة نشرها مؤخرًا في نيويورك تايمز: "إنّ العالم لا يتغيّر تحت تأثير عامل واحد، بل نتيجة اندماج قوى متعددة في آن واحد: التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والمناخ والاقتصاد العالمي وتحولات الهوية والهجرة والتواصل الفوري". هذا الاقتباس ليس مجرد افتتاح، بل هو المدخل لفهم التحول الأكبر الذي يشهده التحالف السعودي-الأميركي اليوم، ومن اللافت أن فريدمان يعود مرارًا إلى فكرة أنّ الذكاء الاصطناعي أصبح الموقع الجديد لصعود الأمم وسقوطها، وهي جملة تتطابق تمامًا مع اللحظة السعودية الحالية، حيث تُخاض السياسات الكبرى بأدوات رقمية، لا بأدوات الطاقة التقليدية فقط.

فمنذ اللقاء التاريخي على ظهر البارجة "كوينسي" عام 1945 بين الرئيس فرانكلين روزفلت والملك عبد العزيز بن سعود، قامت العلاقة على معادلة بسيطة: النفط مقابل الأمن. وعلى الرغم من تغير الإدارات الأميركية وتبدل أولوياتها، حافظت هذه المعادلة على استقرارها، إلى أن وصل العالم إلى لحظة تُعاد فيها صياغة مصادر القوة نفسها في الاقتصاد والسياسة والدفاع. وهذه اللحظة ليست سعودية–أميركية فقط، بل جزء من تحوّل عالمي أوسع، حيث باتت الدول تُقاس بقدرتها على إدارة البيانات، وجذب شركات التكنولوجيا العملاقة، وتوطين الصناعات المتقدمة. ولذلك، فإن ما يجري بين الرياض وواشنطن ليس مراجعة لتحالف قديم، بل تأسيس لبنية استراتيجية تتناسب مع القرن الحادي والعشرين.

 

من الاستقرار النفطي إلى الثورة التكنولوجية

حتى سنوات قليلة مضت، كانت السعودية تُعرَف بوصفها قوة نفطية عالمية وصمام أمان لأسواق الطاقة، بينما توفر واشنطن مظلة الحماية الاستراتيجية. لكن خريطة القوة الدولية تبدّلت؛ إذ احتل الذكاء الاصطناعي، والرقائق الإلكترونية، والطاقة النظيفة، والمعادن النادرة، والحوسبة الفائقة، موقع النفط التقليدي في تحديد النفوذ العالمي، من دون أن يفقد الذهب الأسود بريقه. وسط هذا التحول، برزت السعودية لاعبًا صاعدًا يعيد تموضعه داخل البنية التكنولوجية العالمية. ومع تراجع أدوار قوى إقليمية كبرى خلال العقد الأخير، تبدو الرياض وحدها القادرة على الجمع بين الموارد الاقتصادية، والنفوذ الجيوسياسي، والرؤية التكنولوجية اللازمة لشراكة استراتيجية متقدمة مع الولايات المتحدة. وفي هذا السياق، بدأت العاصمة الأميركية نفسها تتعامل مع السعودية بوصفها دولة "مؤسِّسة" في النظام التكنولوجي الجديد، لا مجرد قوة نفطية. ويرى خبراء في واشنطن أنّ التحولات السعودية تشبه قفزة اليابان في الستينيات أو قفزة كوريا الجنوبية في الثمانينيات، لكن على نطاق أوسع وموارد أكبر. وترى إدارة ترامب أن توثيق العلاقة مع السعودية عنصر أساسي في احتواء النفوذ الصيني، إذ إن التفاهمات الأمنية والتكنولوجية تُبقي المملكة في المدار الأميركي مهما توسعت علاقاتها التجارية مع بكين.

 

الترليون السعودي: رأس مال يصنع المستقبل

إعلان ولي العهد أن الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة تجاوزت التريليون دولار كان إشارة واضحة إلى تحول نوعي في طبيعة العلاقة. فهذه الاستثمارات تتجه نحو الصناعات التي تعيد تشكيل الاقتصاد العالمي: الرقائق الإلكترونية، السيارات الكهربائية، مراكز البيانات، الذكاء الاصطناعي، الصناعات الدفاعية، والطاقة النظيفة والهيدروجين والمعادن النادرة. بهذا المعنى، لم تعد السعودية مجرد مستثمر مالي، بل شريك في تصنيع المستقبل الأميركي، وهذه هي القاعدة الجديدة للتحالف بين البلدين. ويشير باحثون في معهد بروكينغز إلى أن هذا الحجم من الاستثمارات لا يمثل مجرد توسع مالي، بل شراء مقعد دائم على طاولة صنع التكنولوجيا الأميركية. فالرياض لا تستثمر في شركات جاهزة، بل في قطاعات تُعيد صياغة شكل الاقتصاد العالمي للثلاثين سنة المقبلة.

 

270 مليار دولار… تأسيس لشراكة صناعية جديدة

في منتدى الاستثمار السعودي–الأميركي وُقعت اتفاقيات تتجاوز 270 مليار دولار، إضافة إلى استثمارات ضخمة في الطاقة والصناعات التحويلية. وهو مشهد يشبه نسخة معكوسة من "خطة مارشال": دولة لا تُعاد بناؤها، بل تشارك في إعادة بناء الاقتصاد العالمي نفسه. وتسعى السعودية إلى أن تصبح مركزًا عالميًا للذكاء الاصطناعي، مستفيدة من التكنولوجيا الأميركية والرقائق والقدرات العلمية. وتشير بعض التقارير الاقتصادية إلى أن السعودية قد تنجح خلال خمس سنوات فقط في بناء أكبر منظومة حوسبة فائقة خارج الولايات المتحدة، ما يجعلها نقطة عبور أساسية للذكاء الاصطناعي في الشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا.

 

البعد الدفاعي… ومكانة F-35 في التحالف الجديد

التحول لا يقتصر على الاقتصاد، بل يمتد إلى الدفاع. فالنقاش حول بيع مقاتلات F-35 للسعودية يعكس انتقال العلاقة من مفهوم "حماية منابع النفط" إلى مفهوم جديد يقوم على شراكة ردعية متقدمة. ومن المتوقع أن تمرّ الصفقة، لأنها لا تمسّ التفوق النوعي لإسرائيل الذي تسعى إليه واشنطن على الدوام، وفق حساب أن الأخيرة امتلكت هذه المقاتلة لأكثر من 15 عامًا قبل تسليم أول طائرة للرياض. كما أن الصفقة غير مرتبطة بالتطبيع، خلافًا لصفقة الإمارات عام 2020، ما يعكس صلابة الموقع التفاوضي السعودي. وفي المقابل، ترى واشنطن في تعزيز القدرات الدفاعية السعودية عنصرًا أساسيًا لحماية سلاسل الإمداد العالمية وبقاء الخليج ضمن المنظومة الغربية. كما أن دخول الصناعات الدفاعية ضمن منظومة التعاون الجديد يعكس تفكيرًا أميركيًا متقدمًا: فبدلاً من الاعتماد السعودي الكامل على السلاح الأميركي، يجري الانتقال نحو نموذج مشترك يشمل الإنتاج وتطوير التكنولوجيا وتوطين سلاسل التصنيع.

 

تحالف دفاعي متجذّر… ومناورات تعكس مستوى الثقة

العلاقة الدفاعية بين البلدين سبق أن تُرجمت عبر ثلاث تحالفات رئيسية: تحرير الكويت عام 1991، التحالف الدولي ضد داعش عام 2014 الذي انطلقت أعماله من جدة، والتحالف الدولي لأمن الملاحة عام 2019. وخلال السنوات الخمس الماضية وحدها نُفّذ 13 تمرينًا عسكريًا مشتركًا، أبرزها تمرين "كوينسي-1" في قاعدة فورت إيروين الأميركية. كما دشنت السعودية أول سرية من نظام "ثاد" الصاروخي بعد اكتمال التجارب، وهو تطور نوعي في بنية الدفاع الجوي للمملكة. وكانت واشنطن قد أعلنت خلال عام واحد أربع صفقات دفاعية تشمل صواريخ متقدمة وذخائر دقيقة وصواريخ جو–جو بقيمة 3.5 مليار دولار. وتوجت الزيارة الرئاسية الأميركية الأخيرة إلى الرياض بتوقيع أكبر اتفاقية دفاعية في التاريخ بقيمة 142 مليار دولار مع أكثر من 12 شركة أميركية. وتشير هذه الصفقات إلى قدرة المملكة على اختيار السلاح وفق متطلبات عملياتها، وإلى توجه متسارع لتوطين الصناعات الدفاعية، بما يجعلها شريكًا تكنولوجيًا لا مجرد مستورد للسلاح. ويؤكد خبراء الأمن القومي الأميركي أن السعودية أصبحت مركز ثقل دفاعي في المنطقة، وأن أي معماريّة أمنية شرق أوسطية جديدة سيكون لها ضلع أساسي فيها إلى جانب الولايات المتحدة.

 

البيان المشترك… خريطة تحالف جديد

ما خرج به الاجتماع الأخير لم يكن مجرد بروتوكول سياسي، بل نواة لتحالف اقتصادي–تقني–نووي يشمل الذكاء الاصطناعي، سلاسل الإمداد، المعادن النادرة، الطاقة بأشكالها كافة، التعليم، والتمويل. وهو إطار يعكس انتقال العلاقة من نموذج "النفط مقابل الأمن" إلى نموذج يقوم على المعرفة والصناعة والتكنولوجيا. وقد رأى تحليل جديد للمعهد الأطلسي أن التعاون الدفاعي السعودي–الأميركي بات يقوم على شراكة عملية قائمة على المصالح المتبادلة، تشمل تبادلًا استخباراتيًا، وحماية الممرات البحرية، وبناء قدرات دفاعية داخلية، ضمن ضوابط تقنية تمنع تسرب التكنولوجيا الحساسة إلى أطراف ثالثة. ويشير محللون إلى أن البيان يمثل أول اعتراف رسمي من واشنطن بأن السعودية أصبحت لاعبًا لا يمكن تجاوزه في تشكيل بنية الاقتصاد والتكنولوجيا العالميتين، وليس فقط في أمن الطاقة.

 

السعودية تصعد… والولايات المتحدة ترسم الشراكة

من "إنفيديا" إلى إيلون ماسك، ومن الحوسبة الفائقة إلى المراكز العملاقة لمعالجة البيانات، ترسم السعودية موقعها باعتبارها مركزًا عالميًا للتقنيات المتقدمة، بينما توفر الولايات المتحدة التكنولوجيا والرقائق والأبحاث. إنها شراكة بمحركين متلازمين: اقتصادي وتكنولوجي. وهكذا تنتقل العلاقة من نموذج النفط والأمن إلى نموذج يقوم على المعرفة والذكاء الاصطناعي والتصنيع المتقدم والتسليح النوعي. فالسعودية لم تعد لاعبًا إقليميًا فحسب، بل قوة اقتصادية–تكنولوجية صاعدة تساهم في إعادة تشكيل الصناعات الأميركية والبنية الأمنية للشرق الأوسط في آن واحد، وبهذا تُفتح صفحة جديدة في تاريخ التحالفات الدولية: السعودية ليست تابعًا في منظومة امتيازات أميركية، بل شريكًا يُعيد مع واشنطن رسم شكل الإقليم، وربما شكل النظام الاقتصادي العالمي أيضًا.

بهذه الصورة، تغادر العلاقة السعودية–الأميركية زمن المعادلات التقليدية إلى زمن التحالفات الصناعية والتكنولوجية، على أن تتناول الحلقة الثانية البعد السياسي والجيوسياسي ودور الرياض في إعادة رسم خرائط الشرق الأوسط.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث