تشييع الطبطبائي والأسئلة العميقة: عرض قوة لكن الضاحية تستنزف

نغم ربيعالاثنين 2025/11/24
حجم الخط
مشاركة عبر

في مشهد حارة حريك، تُستدعى الذاكرة بلا أي جهد: طبطبائي، علي كركي، فؤاد شكر، والسيد نصرالله… جميعهم مرّوا من هنا، في المسافة الضيقة نفسها التي تحوّلت إلى خريطة استهداف وإلى نشرة أمنية مفتوحة على الدوام.
خطوات قليلة فقط تفصل بين مكان محاولة اغتيال علي كركي الأولى، وبين الضربة التي طالت الطبطبائي. المسافة نفسها، الرمزية نفسها، والرسالة ذاتها التي تتكرّر بوضوح.

حارة حريك تبدو اليوم كما لو أنها نسخة مصغّرة عن الجنوب: مساحة رمزية كثيفة، هدف معلن، ومنطقة لا تتوقف فيها الاستهدافات.

 

رسالة واضحة

الحشود توافدت من كل الجهات والمناطق إلى الغبيري: رجال يشدّون على قبضاتهم، نساء بعباءات سوداء، أولاد يركضون بين الأرجل، وشيوخ يمسكون عصيّهم بيد ودموعهم باليد الأخرى. نواب الحزب، السفير الإيراني، مسؤولون في الحزب… الضاحية كلّها كانت هنا. لا أحد غاب، ولا أحد استطاع أن يغيب. كأن الحدث فرض نوعاً من الحضور الإجباري، حضوراً يُشبه إعلان الولاء… وإعلان التحدّي.

هذا التشييع ليس طقساً جنائزياً. إنه نصّ سياسي كامل، رسالة مكتوبة بالصوت المرتفع وبالمسيرة الممتدة على مدى أربعين عاماً. الحزب يريد أن يقول 
"نحن هنا. لم نهتزّ. لن نتراجع".  فالتشييع اليوم ليس حدثًا عابرًا؛ بل إعلان موقف ورسالة.

التجمّع الكبير لكل بيئة حزب الله في الضاحية يؤكّد الإصرار على الاستمرار في المسيرة، وعلى خيار المواجهة، وعدم التراجع أو الخوف رغم التصعيد. الضاحية، بما تمثّله من حاضنة للكوادر والتنظيم، تُشكّل مركز الثقل الشعبي للحزب. ومن هنا يأتي حرصه على هذا المشهد، ليقول لجمهوره إنه متماسك من الداخل، وليواجه الحرب النفسية التي تمارسها إسرائيل عبر الاستهداف المتكرر للضاحية، بهدف دفع الناس للابتعاد عنه وتركه بلا مظلّة شعبية.

التحدّي الأساسي أمام الحزب اليوم هو استعادة شعور الأمان داخل الضاحية، كي تشعر بيئته أنها ما زالت محمية معه. وهو ما يفرض إعادة ترتيب: فالضاحية بالنسبة للحزب ليست حيًّا؛ بل هي خزان بشري ورمزي وسياسي. لذلك، لم يكن التشييع تفصيلاً؛ بل فعلًا مقصودًا يقول للناس "ما زلنا هنا". ويقول للإسرائيلي "لم تكسّروا شيئًا."

 

"إسرائيل تحاربنا لأننا أقوياء"

إسرائيل، بالمقابل، تواصل الإصرار على هذا النمط من الضربات. حربٌ نفسية مكشوفة: استهداف الضاحية ليس فقط لإسقاط القادة، بل لدفع الناس إلى الخوف، إلى الشعور بأن الحزب لم يعد قادرًا على حمايتهم. تريد أن تهزّ المظلّة الشعبية، أن تدفع البيئة إلى الابتعاد. لكن الردّ الشعبي في تشييع اليوم كان واضحًا "لن نتركه."

بالرغم مما تتعرض له الضاحية من ضربات، الحزب ما زال يصبر، ولم يردّ حتى الآن. وفي طرف أحد الأزقة، يقف فتىً في مقتبل العمر، ابن شهيد، كأن دوره هنا شهادة أخرى. يقول لـِ "المدن" "نحن نفعل ما تقول القيادة. إذا قالت احملوا السلاح، حيّ على السلاح. وإذا قالت اصبروا… نصبر."
في عينيه مزيج غريب بين مراهقة لم تكتمل ورجولة فُرضت عليه قبل أوانها. يضيف: "المسيرة ستكمل. نولد قادة وعناصر. ولا تنتهي المسيرة بالاستشهاد."

غير بعيد عنه، تقف أمّ شهيد آخر، تحمل صورة ابنها كأنها جزء من جسدها. تقول:
"اليوم نكمل المسيرة. ولا شيء يكسرنا. بالرغم من الاستهدافات… مكملين."

وتتدخل امرأة أخرى بصوت أعلى: "لو أن حزب الله منهزم… إسرائيل ليش عم تقاتل مهزوم؟ هذا أكبر دليل إنو الحزب بعدو قوي… بسلاحه، بناسه، بشعبه."
ثم تطلق ضحكة قصيرة فيها شيء من القسوة "مع كل تكنولوجيا العالم… إسرائيل بعدها خيفانة منا." وتختم "اغتيال قادتنا يقوّينا… يجعلنا نطلب الثأر أكتر."

 

هل حزب الله قادر على المواجهة؟

لكن خلف هذا المشهد، تدور أسئلة أخرى… أسئلة داخل البيت نفسه، داخل البيئة. حتى الأمس، كان هناك شبه يقين في الأحياء الشيعية بأن عملية الترميم الداخلي تتقدم، وأن الحزب نجح في إعادة لملمة الارتباك الذي أصابه. لكن ضربة الأمس خلطت الأوراق مجددًا، أعادت الشكوك، وحرّكت الأسئلة القديمة حول الخرق.

فبعد كلّ "الضربات" التي تلقاها الحزب، وبعد كل الحديث عن التعافي وإعادة البناء، جاء أول اختبار حقيقي لهذا الترميم… فسقط الطبطبائي، وتبيّن أن الخرق موجود. 

اليوم، يقف الحزب أمام تحدٍّ صعب… أمام جمهوره قبل خصومه: هل كان الترميم فعليًا أم شكليًا؟ وهل هو قادر على الذهاب إلى مواجهة واسعة، أم أن الضربة كشفت نقاط ضعف لم تُعالج بعد؟

فالتحدّي الأكبر أمام الحزب ليس في الردّ العسكري؛ بل في استعادة شعور الأمان. كيف سيُقنع الناس أن الضاحية ما زالت حصينة؟ كيف سيُثبت أن "الترميم" لم يكن وهماً؟ وكيف سيواجه حقيقة أن الخرق، إن وُجد، قد يكون أكبر من مجرد ثغرة أمنية؟

التشييع اليوم بدا كعرض قوة، لكنه في الوقت نفسه اعتراف ضمني بأن الضاحية تُستنزف، وأن إعادة بنائها ليست مسألة حجارة فقط؛ بل مسألة نفسية وسياسية… وأمنية قبل كل شيء.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث