أشار رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتانياهو، إلى أنّه "في نهاية الأسبوع، شن الجيش الإسرائيلي هجوما في لبنان، وسنفعل كل ما يلزم لمنع "حزب الله" من إعادة بناء قدراته ضدنا".
وتَسود أجواءٌ إقليميّة مُتوتِّرة على نحوٍ غيرِ مسبوق، في ظلّ تقديراتٍ إسرائيليّة تُحذِّر من اقتراب ساعة الصفر لعمليةٍ عسكريّة واسعة قد تمتدّ على ثلاثِ جبهاتٍ متوازية، هي غزّة ولبنان وإيران، وسط مخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهةٍ شاملة.
ووفق ما نقلته صحيفة "يديعوت أحرونوت"، تعمل إسرائيل على إعداد خطّة هجوميّة تشمل ضرباتٍ جوّية مكثّفة في لبنان، وعمليّاتٍ موجّهة ضد البنية العسكريّة لحركة حماس في غزّة، إلى جانب احتمال تنفيذ هجومٍ استباقي يستهدف منشآتٍ صاروخيّة ونوويّة داخل إيران.
وتُحذِّر دوائرٌ أمنيّة من أنّ خطوةً من هذا النوع قد تُشعِل المنطقة برمّتها، خصوصًا مع احتمال ردٍّ منسَّق من "محور المقاومة" المتمثّل في حماس وحزب الله والحوثيين، بدعمٍ لوجستيّ إيرانيّ مباشر، ما يرفع منسوب القلق من توسّع رقعة الاشتباك وتحوّله إلى حربٍ إقليميّة مفتوحة.
وفي ظلّ الاغتيالات اليوميّة والغارات التي يشنّها الجيش الإسرائيليّ على قطاع غزّة، بما في ذلك الهجوم الذي أودى بالقيادي في كتائب القسّام أبو عبد الله الحديدي، تؤكّد مصادرُ إسرائيليّة، نُقل عنها في وسائل الإعلام العبرية، أنّ تل أبيب لن تسمح لحماس بإعادة بناء قوّتها العسكريّة، وأنّ الانتقال إلى "المرحلة الثانية" من الهدنة مشروطٌ بإعادة جثامين ثلاثةٍ من الأسرى الإسرائيليين.
وعلى جبهةِ لبنان، تتحدّث التقارير الإعلاميّة عن تحوّلٍ خطِر في الاستراتيجية الإسرائيليّة، مع توسّعِ الأنشطة السريّة داخل الأراضي اللبنانيّة، وبناء "بنية تحتيّة ظلّية" هدفها استهدافُ مواقع حسّاسة تابعة لحزب الله، وصولًا إلى وضع سيناريوهاتٍ لعملياتِ كوماندوز قد تُنفَّذ في العمق اللبناني، الأمر الذي يرفع احتمال توسّع دائرة التصعيد شمالًا.
أمّا على الجبهة الإيرانيّة، فتشير تقديراتٌ إسرائيليّة إلى أنّ طهران استعادت خلال أشهرٍ قليلة جزءًا كبيرًا من ترسانتها الصاروخيّة، وتستعدّ، بحسب هذه التقديرات، لإطلاق نحو ألفَي صاروخٍ دفعةً واحدة في حال اندلاعِ الحرب، ما دفع القيادة الإسرائيليّة إلى إعادة تقييم السيناريوهات المطروحة، في ظلّ تحذيراتٍ إيرانيّة من استهدافٍ مباشرٍ للمرشد علي خامنئي.
وبينما تُواصِل الولايات المتحدة والأمم المتحدة مساعيَ تشكيلِ قوّة استقرارٍ دوليّة في غزّة تتكوّن من جنودٍ عربٍ ومسلمين، ترى إسرائيل أنّ الوقت يضيق، وأنّ "التأخر الأميركي في فهم خطورة الوضع" يفتح الباب أمام اندلاع مواجهةٍ شاملة قد تتغيّر معها ملامحُ المنطقة بأكملها، سياسيًّا وأمنيًّا.
وفي سياقٍ موازٍ للتوتّر العسكريّ، برز بُعدٌ سياسيّ وإعلاميّ جديد في التغطية الإسرائيليّة، تمثّل في افتتاحيّة نشرتها صحيفة "جيروزاليم بوست" الإسرائيليّة بعنوان "على إسرائيل أن تستغلّ الفرصة لفتح علاقات مع لبنان وسوريا لمواجهة حزب الله"، حيث رأت الصحيفة أنّ "إسرائيل تجد نفسها في لحظة مفصليّة، فعلى مدار 77 عامًا من وجودها كان لبنان وسوريا عدوَّين لها، وكانت الحدود الشماليّة لإسرائيل منطقةً من عدم الاستقرار الشديد، حيث يُسيطر حزب الله على جنوب لبنان، بينما كانت سوريا تحت مظلّة نظام الأسد في حالة حرب مع إسرائيل، وتشكل أيضًا ممرًّا لطموحات إيران الإقليميّة".
ولفتت الصحيفة إلى أنّه، وبعد ما يقرب من عام على اتفاق وقف إطلاق النار الذي أنهى صراع العام الماضي مع حزب الله، لا تزال أمام "الدولة اليهوديّة" فرصةٌ غير مسبوقة، موضحةً أنّ "الخصمَين يرسلان إشارات تُظهر انفتاحًا على علاقة مختلفة مع إسرائيل، ومن الضروري أن تغتنم إسرائيل هذه الفرصة بكلتا يديها".
وركّزت "جيروزاليم بوست" على أنّ "التطوّرات الأخيرة ترسم صورةً لتحرّك إقليمي دراماتيكي"، مشيرةً إلى أنّ رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام أعلن يوم الخميس الماضي علنًا استعداد بلاده للتعاون مع إسرائيل في تقليص نفوذ حزب الله، وطلب مساعدة أميركيّة في المفاوضات، قائلةً إنّ سلام "أكّد استعدادَه للتفاوض مع إسرائيل".
وأضافت الصحيفة أنّ الرئيس اللبناني جوزاف عون عزّز في اليوم التالي هذه الرسالة، معلنًا استعداد بيروت للتفاوض على وقف الضربات الإسرائيليّة، مقابل انسحاب الجيش الإسرائيلي من خمسة مواقع عسكريّة داخل الأراضي اللبنانيّة، مع استعداد القوّات المسلّحة اللبنانيّة للانتشار في أماكن تلك المواقع.
وزعمت "جيروزاليم بوست" أنّ لبنان كان لعقودٍ "النموذج الأبرز لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط"، وأنّ هذا الواقع أتاح لحزب الله ملءَ الفراغ وكسب قلوب وعقول فئات واسعة من الشباب، معتبرةً أنّ مناقشة قادة البلاد علنًا فكرة التعاون ضدّ حزب الله تمثّل "تحوّلًا هائلًا" في الديناميكيّات السياسيّة الداخليّة في لبنان، إذ إنّ الحزب الذي كان يُنظر إليه طويلًا كـ"دولة داخل الدولة" لا تُمسّ، يجد نفسه اليوم، بحسب الصحيفة، أمام محاولة لإضعاف سلطته من قِبَل الحكومة الشرعيّة.
وأوضحت الافتتاحيّة أنّ "الخسائر الكبيرة" التي تكبّدها حزب الله في قيادته ومقاتليه النخبة خلال حرب العام الماضي مع إسرائيل، أضعفت موقعه الداخلي، وأتاحت للحكومة اللبنانيّة مساحةً أوسع لـ"إعادة تأكيد سيادتها".
إلى ذلك، أشارت الصحيفة إلى أنّ "زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المفاجِئة إلى جنوب سوريا يوم الأربعاء الماضي تُعدّ علامةً أخرى على أنّ الأمور قد تتغيّر"، إذ تجوّل نتنياهو في مواقع الجيش الإسرائيلي برفقة وزير الدفاع يسرائيل كاتس وكبار المسؤولين العسكريين، مرسِلًا، وفق توصيفها، "إشارةً واضحةً حول عزم إسرائيل على تشكيل البيئة الأمنيّة على طول حدودها الشماليّة".
وأفادت الصحيفة بأنّ دمشق أدانت الزيارة بوصفها "انتهاكًا للسيادة السوريّة"، إلّا أنّها نقلت عن نتنياهو في تصريحاته أمام المجلس الوزاري المصغّر يوم الجمعة الماضية تقييمًا "لحساسيّة الوضع"، مشيرةً إلى أنّ "الرئيس السوري أحمد الشرع" عاد من اجتماعٍ مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، "حيث جرى تقديمه كـمستقبل سوريا"، في حين "تجاهلت" واشنطن، بحسب زعم الصحيفة، ماضيه ودوره السابق في تنظيم القاعدة.
ولفتت "جيروزاليم بوست" إلى أنّ نتنياهو اتهم الشرع "بالتصرّف بشكل غير عقلاني منذ عودته من واشنطن"، وقال إنّه "عاد منتفخًا"، معتبرةً أنّ "الديناميكيّة الثلاثيّة بين إسرائيل ولبنان وسوريا تطرح فرصًا وتحدّياتٍ في آنٍ واحد".
كما أكّدت الصحيفة أنّ إسرائيل تواصل عمليّاتها العسكريّة ضدّ البنية التحتيّة لحزب الله، مستهدفةً منصّات إطلاق الصواريخ ومنشآت الأسلحة في جنوب لبنان وسهل البقاع، مضيفةً أنّ الحزب "فشل في نزع سلاحه أو الاندماج ضمن الدولة اللبنانيّة كما هو مطلوب"، الأمر الذي يجعل "الوضع الراهن غير قابل للاستمرار إلى الأبد"، على حدّ تعبيرها.
وختمت "جيروزاليم بوست" افتتاحيّتها بالقول إنّ "تزايد التعب اللبناني الداخلي من حزب الله، واستعداد القيادة السياسيّة في بيروت لإظهار انفتاحٍ على التفاوض، يوفّران مسارًا للمضي قدمًا"، مشيرةً إلى أنّ نواف سلام استشهد باتفاق ترسيم الحدود البحريّة الذي تمّ بوساطة أميركيّة قبل عامين بوصفه نموذجًا يمكن البناء عليه، وربطت ذلك بما وصفته "نقطة تحوّل في حرب غزّة"، مؤكدةً أنّ هذه التطوّرات، في ظلّ التوتّر العسكري القائم، يمكن أن تفتح أمام إسرائيل نافذةً سياسيّة تحاول من خلالها إعادة تشكيل خريطتها الأمنيّة والعلاقاتية على الجبهة الشماليّة.
