غاب إحياء عيد الاستقلال عن اليرزة هذا العام وغاب معه العرض العسكري تضامناً مع الجنوب المحتل وأهله، فاتجهت الأنظار نحو ثكنة بنوا بركات في صور من حيث قرر رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون توجيه كلمة عيد الاستقلال. من هناك أطلق عون مبادرة من خمس نقاط قوامها جهوزية الجيش لاستلام النقاط المحتلة ضمن جدول زمني يملكه الجيش فور وقف الاعتداءات الإسرائيلية، ودعوة اللجنة الخماسية للتأكد من سيطرة الجيش على منطقة جنوب الليطاني، كما مد ّ الرئيس مجدداً يد التفاوض تزامنا مع رعاية دولية تحدّد مواعيد مؤكدة لآلية دولية لدعم الجيش.
لكن على مسار متوازٍ مع الخطاب السياسي لرئيس الدولة، يحملُ اختيار ثكنة بنوا بركات في صور لإحياء ذكرى الاستقلال رمزيةً معينة يتوقف عندها رفاق السلاح.
عون للجيش: أنا خلفكم في وجه المشكّكين
لاختيار المكان دلالات عدّة أراد رئيس الجمهورية التأكيد عليها سواء في الشكل أو في التوقيت، بمعزل عن المبادرة التي طرحها في كلمته الرسميّة.
ففي ثكنة بنوا بركات يقع مقر قيادة قطاع جنوب الليطاني التي تدير كل الأعمال العملانية في منطقة تصنّف من الأخطر في الشرق الأوسط. من هناك توسّط الرئيس عون قائدَ الجيش العماد رودولف هيكل وقائد القطاع العميد نقولا تابت وضباط المخابرات والجيش ليؤكد لهم أنه خلف الجيش في وجه كل حملات التشكيك التي يتعرّض لها والتحريض على المؤسسة العسكرية. بمجرد تخصيصه القيادات الأمنية والعسكرية العاملة في الجنوب بالذات لإحياء الذكرى التي غاب عنها الطابع الإحتفالي، أراد الرئيس وبصفته القائد الأعلى للقوات المسلّحة ورأس الدولة الوقوف عند العمل الجبار الذي يقوم به الجيش اللبناني في منطقة الجنوب اللبناني حيث ينفّذ قرارات السلطة السياسية
رسالة ثالثة أوصلها الرئيس باختياره إلقاء الكلمة من الجنوب لا من اليرزة أو من بعبدا أو من أي مكان آخر، وهي ربط معنى الإستقلال الحقيقي بتحرير الجنوب من الاحتلال الإسرائيلي وبسط سلطة الجيش على كل شبرٍ من الأرض وإعادة إعماره وتحرير الأسرى.
خلال الإجتماع علمت "المدن" أن قيادة القطاع استعرضت خطة عملها على الأرض بحذافيرها وبتفاصيل عسكرية مرفقة بخرائط وأرقام أوسع وأدقّ من تلك التي تعرض على السلطة السياسية في مجلس الوزراء. اطّلع الرئيس من الضباط على أصغر التفاصيل العسكرية وهو الملمُّ بها بصفته قائداً سابقاً للجيش وقائداً عسكرياً سابقاً في المنطقة، وهو ما يسمح له عبر خبرته العسكرية بتقدير الجهود التي يبذلها الجيش على الحدود والتحدّيات التي يواجهها. خلال الاجتماع لمَس رئيس الجمهورية التقّدّم الإضافي الذي بذله الجيش في جنوب الليطاني منذ ما بعد تقديم التقرير الثاني. فوحدات الجيش ووفق المصادر تجري مسحاً يومياً لكامل المنطقة الواقعة جنوب النهر وتنفذ عشرات المهمّات بمفردها نتيجة عملها الإستخباري على الأرض، بمعزل عن تلك التي يتبلّغ بها الجيش من اليونيفل أو لجنة الميكانيزم. فالمؤسسة العسكرية ووفق المصادر تعمل ليلاً نهاراً وهو يدرس كل خطوة يقوم بها وفقاُ لروزنامته ومقتضيات المصلحة الوطنية.
هل تواصل واشنطن دعمها للجيش؟
لا يتوقّف الجيش اللبناني عند مسألة إلغاء مواعيد العماد رودولف هيكل في واشنطن، فذلك لن يحطّ من عزيمته ولن يثنيه عن القيام بمهامه بالرغم من كل الضغوطات الخارجية والداخلية وفق مصادر "المدن". لكن ممّا لا شكّ فيه أن ما بعد إلغاء مباحثات هيكل في واشنطن ليس كما قبلها وفي معلومات "المدن" أن الاتصالات لم تهدأ على خط بعبدا - واشنطن عبر السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى والموفدة الأميركية مورغان اورتاغوس كما سفيرة لبنان في واشنطن ندى حمادة معوض، لكن بعيداً عن الأضواء لقطع الطريق على أيّة محاولة تشويش.
ما من إجابة واضحة أو أقلّه معلنة حتى الساعة حول عرقلة مباحثات هيكل مع مسؤولين سياسيين وعسكريين أميركيين، لكن ما فهمته أوساط مطّلعة في لبنان أن ما حصل لم يكن رسالة إلى الجيش وإنما إلى السلطة السياسية وفي مقدّمها رئيس الجمهورية من قبل بعض من يعتبر في واشنطن أن إدارة مسألة حصرية السلاح بطيئة وغير كافية. في حين تؤكد المصادر عينها أن رئيس الجمهورية يدير الأمور بطريقة تحدّ من الخسائر وفقا لما تقتضيه المصلحة الوطنية.
العداء لإسرائيل...أيديولوجيا لا بد من تخطّيها
في الوقت الذي تتكتّم فيه بعبدا على حصيلة الاتصالات، تؤكد أوساط متابعة للكواليس الأميركية عبر "المدن" أن حصرية السلاح تشكّل أولويّة بالنسبة للأميركيين وتتقدّم على مسألة الإصلاحات بالرغم من أهميتها. أما بالنسبة لاستخدام عبارة "العدو الإسرائيلي" التي أثارت امتعاضاً عبّر عنه السيناتورين ليندسي غراهام وجوني أرنست، فتوضح المصادر أنه سبق لواشنطن أن وصلت رسائل إلى بيروت بضرورة إيجاد صيغة في مجال التوصيف؛ إذ لا يمكن لها مواصلة دعم جيشين عدوّين. غير أن العداء لإسرائيل يمثّل مقاربة إيديولوجية لا بدّ من تغييرها بالنسبة للتيار الأميركي المتشدّد لأنها تعيق خطة الرئيس دونالد ترامب للسلام في المنطقة والتي انخرطت فيها معظم دول المنطقة.
"بالصعب" تصف مصادر مطلعة الوضع القائم نتيجة الضغوط الأميركية وفعالية اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة الأميركية. وعليه باشرت مجموعات لبنانية بالعمل الجدي لتشكيل مجموعات ضغط موازية، مهمّتها مجابهة أيّة عمليات تحريض وتوضيح وجهة نظر لبنان الرسمي في واشنطن كما تظهير الجهد الذي يقوم به الجيش اللبناني. في الموازاة ينصبُّ الجهد الدبلوماسي لسفارة لبنان في واشنطن على ترتيب زيارة جديدة لقائد الجيش يُستبعد أن تتمّ قبل نهاية العام.
