الطائف في صلب التحولات: التنفيذ والتعديل تبعاً للمصالح

إبراهيم الرزالأحد 2025/11/23
GRKFSIUSGI.jpg
الحديث المتجدد عن تطبيق الطائف يعكس إدراكاً بأن هذا الاتفاق كان مشروعاً لدولة لم تُبنَ (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

يعود اتفاق الطائف اليوم إلى قلب النقاش السياسي في لبنان بفعل تداخل مسارين: الأول هو الدور السعودي ـ الأميركي المتقاطع حول ضرورة إعادة انتظام المؤسسات اللبنانية، والثاني هو الضغوط التي تتعرض لها بنية النظام الداخلي، والتي تصل إلى حد مقايضة تسليم السلاح مقابل تغييرات دستورية لمصلحة "حزب الله". 

فالانفتاح السعودي عبر الوفد الاستثماري وإعادة البحث في فتح الأسواق ليس خطوة اقتصادية فقط؛ بل تمهيد لمسار سياسي واضح يراد استكماله، إذ يربط بين الإصلاحات البنيوية وتطبيق الدستور بما فيه البنود التي بقيت معلَّقة منذ 1989.

الحديث المتجدد عن «تطبيق الطائف» يعكس إدراكاً بأن هذا الاتفاق كان مشروعاً لدولة لم تُبنَ، وأن مشكلات النظام الحالي ناتجة من تنفيذ انتقائي ترك العناصر الأساسية معلّقة. فاللامركزية الإدارية، مجلس الشيوخ، إصلاح قانون الانتخاب، وإلغاء الطائفية السياسية، لم يتحول أي منها إلى واقع، وهذا ما أبقى النظام الطائفي في شكله التقليدي من دون أي تطوير. كذلك لم يتحقق بند حصر السلاح بيد الدولة، وهو اليوم العنصر الأكثر حضوراً في المقاربة الأميركية ـ الخليجية للملف اللبناني.

لذا يعود البحث عما إذا كانت إعادة تفعيل الطائف هي الطريق الوحيد الممكن لإنتاج استقرار سياسي قبل التفكير في أيّة تغييرات بنيوية أخرى. لذلك يجري الدفع نحو إدماج القوى اللبنانية في نقاش جديد حول الالتزام بالأحكام الدستورية. وهو ما يفسر اللقاءات السعودية مع المرجعيات السياسية، والمناخ الذي يحيط بمجلس النواب كرأس جسر لأي مبادرة داخلية تبدأ من البرلمان.

 

الطائف بين "النسخة السورية" واليوم

في التسعينيات وبداية الألفية، طُبّق الطائف وفق النسخة السورية: فرض إدارة سياسية تحت سقف الوصاية، وتجميد البنود الإصلاحية بذريعة «الظروف غير الملائمة». كانت سوريا شريكاً مقرِّراً في تفسير الطائف، فحُصر تطبيقه بما يخدم تثبيت توازنٍ داخلي خاضع لميزان القوى الإقليمي. هكذا، جرى التركيز على وقف الحرب وبناء مؤسسات بحدّها الأدنى، في حين بقيت الإصلاحات الجوهرية خارج التنفيذ.

كانت وظيفة الطائف يومها إنتاج نظام يمكن إدارته، لا إصلاحه. ولذلك، بقيت الطائفية السياسية في صيغتها القديمة، وقانون الانتخاب على قياس القوى، وحصر السلاح في الدولة غير مطروح. أما اليوم، فالصيغة نفسها تُعاد قراءتها، ولكن تحت ميزان قوىً معاكساً تماماً:

لا النظام السوري موجود، ولا الوصاية قائمة، ولا القوى الخارجية مستعدة لتحمّل أكلاف انهيار إضافي. السعودية والولايات المتحدة، ومعهما العواصم العربية والغربية، لا تريد طائفاً جديداً؛ بل طائفاً مطبّقاً بالكامل، بما فيه البنود التي تمّ تجاهلها سابقاً. ما كان في التسعينيات محكوماً بمنطق «تجميد الإصلاحات»، بات اليوم مطلوباً تحت منطق «تنفيذ الإصلاحات» كشرط لإعادة تشغيل الدولة.

 

حزب الله وتحوّل موقعه 

يشكّل سلاح حزب الله إحدى العقد الأساسية التي تعيق تطبيق بعض بنود الطائف، خصوصاً تلك المتعلقة باحتكار الدولة للقرار الأمني والعسكري. حتى اليوم لم تنفع الضغوط الدولية والداخلية على الحزب، سواء عبر العقوبات أو عبر التشدد في ملفات المال والتحركات الحدودية، أو العسكرية، حيث لم تتوقف إسرائيل عن استهداف عناصره ومراكزه منذ اتفاق وقف الأعمال العدائية. على العكس، هذه الضغوط تدفعه إلى مراجعة موقعه داخل الدولة. وهذا ما يظهر في خطاباته الأخيرة التي تضع الطائف كمرجعية،  ولكن بشروط على قياس مصالحه، وفي الإشارات السياسية التي تدلّ على نقاش داخلي حول كيفية التكيف مع مرحلة قد تتطلب صيغة مختلفة عن النموذج الذي اعتمده الحزب منذ التسعينيات.

النقطة اللافتة أنّ الحركة السياسية المرتبطة بالطائف لم تعد محصورة بخصوم الحزب؛ بل تشمل أيضاً حلفاءه، وفي مقدمتهم رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي يقدّم التمسّك بالطائف كإطار لا بديل عنه. وهذا ما يعطي الانطباع بأنّ جزءاً من البيئة السياسية الحاضنة للحزب تدفع نحو صياغة ترتيبات جديدة داخل مؤسسات الدولة، بدلاً من الإبقاء على واقع الفصل بين الدولة والمقاومة.

 

الدور السعودي 

الدور السعودي في هذا السياق لا يتجه إلى إنتاج اتفاق جديد يوازي الطائف؛ بل إلى إعادة تحريك الاتفاق نفسه ضمن آليات لبنانية داخلية، بمعنى إطلاق مسار تدريجي لتطبيق ما تم تجاهله لثلاثة عقود. هذا التوجه يرتبط أيضاً برغبة واضحة في منع انزلاق البلاد نحو سيناريوهات أكثر تعقيداً، حرباً موسعة جديدة مع إسرائيل، أو الطروحات الكيانية والدعوات الفدرالية التي بدأت تظهر كخيار ناتج من انسداد سياسي واقتصادي.

وفي هذا السياق يقول الوزير السابق الدكتور خالد قباني لـِ "المدن" " إذا أراد المسؤولون تطبيق اتفاق الطائف كما هو، فالنصوص واضحة وقد أُدرجت في الدستور. لا يحتاج تنفيذها سوى إرادة سياسية. وبالتالي، المرجعية يجب أن تكون اتفاق الطائف نفسه، للحكومة ولمجلس النواب معاً.

والعودة إلى تطبيق أحكام الطائف هي الخيار الصحيح، وهذا لا يحتاج سوى قرار من مجمل السلطة بأن تقول نحن ملتزمون بتطبيقه كما ورد في نصوصه، وكما تُرجمت في الدستور. إذا وُجدت الإرادة، يبقى فقط التنفيذ". 

 

هل يوفّر الطائف مساراً نحو الدولة المدنية؟

الحديث عن الدولة المدنية غالباً ما يواجه اعتراضاً يرتبط بأن النظام برمّته قائم على التوازن الطائفي. غير أنّ الطائف، في بنية نصوصه، يتيح الانتقال إلى مرحلة مختلفة إذا جرى تطبيق البنود التي تتناول إعادة توزيع الأدوار بين مجلس النواب ومجلس الشيوخ.  وهذا يرتبط بمدى القدرة على تنفيذ الإصلاحات التي نصّ عليها الطائف ولم تُنفّذ. الاتفاق يعزز دور الإدارة المحلية ويقلل من نفوذ البنى الطائفية التقليدية. لكن الانتقال من النص إلى الواقع يحتاج إلى ظروف سياسية مستقرة، وإلى سلطة مركزية قوية قادرة على فرض تطبيق القوانين. غياب هذه العناصر هو ما جعل الطائف بنية ناقصة، وهو أيضاً ما يمنع تحول لبنان إلى دولة مدنية حتى الآن.

في هذا السياق يؤكد قباني أنه إذا تحققت هذه الشروط، لن يكون هناك مشكلة في الاتجاه نحو الدولة المدنية. لكن ذلك رهن بكيفية التطبيق وبمدى الالتزام بالنصوص. ويضيف" لا يمكن الجزم مسبقاً إذا كان التطبيق سيقود حكماً إلى الدولة المدنية أم إلى نتيجة أخرى، لأن ذلك يعتمد على تفاصيل التنفيذ. وهناك نقطتان أساسيتان يرتبط بهما هذا المسار إلغاء الطائفية السياسية وإنشاء مجلس الشيوخ. هاتان الخطوتان مترابطتان، وطريقة تطبيقهما تحدّد الاتجاه الفعلي الذي سيأخذه النظام السياسي بعد التطبيق".

خلاصة المشهد أن الطائف عاد إلى الواجهة كورقة تستخدم في شتى الاتجاهات بعد أن وصلت البلاد إلى حافة انهيار جديد. القوى الدولية تعتبره الإطار الوحيد القابل لإعادة تشغيل الدولة، والسعودية تدفع باتجاه تطبيقه، والقوى الداخلية تعيد قراءة موقعها عبره. المهم أن ينتقل الطائف من "التلزيم بالباطن" مرة في سوريا ومرة في إيران، وأن ينتقل من كونه ورقة في صفقات إقليمية دولية إلى اتفاق لبناني -لبناني. أما الدولة المدنية فلا يمكن أن تكون نتيجة إعلان سياسي؛ بل مسار طويل يبدأ بتطبيق ما تبقى من الطائف وتثبيت احتكار الدولة للسلاح وإعادة بناء المؤسسات. بذلك يصبح خطوة أولى في اتجاه تغيير أوسع، شرط أن تتوافر إرادة سياسية داخلية وتفاهمات إقليمية تضمن تنفيذه واستمراره وليس تعديله على قياس أصحاب المصالح.

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث