قال الشاعر العربي:
لكلّ شيءٍ إذا ما تمَّ نقصانُ فلا يُغَرَّ بطيب العيشِ إنسانُ
مناسبة قول الشاعر: رثاء بلاد الأندلس، التي لم يحافظ عليها مليكُها "مثل الرجال".
يشبه لبنان الفردوس الأندلسي قبل زواله، وقد يصير إلى ما صار إليه ليحاكيه في اضمحلاله. مسحة الشؤم التي كانت خاتمة الحكاية الأندلسية، هي مسحة الشؤم التي ما زالت حيّة تتجدّد، في حكاية الأمثولة اللبنانية.
عشيّة الاستقلال، كذكرى، أو كيومٍ في تاريخ الكيان، يصعب القول إن الاستقلال قد بَلَغَ تمامه، كذلك يصعب القول أيضاً، إن الكيان قد باشر مسيرة نقصانه، مثله مثل كل الكائنات التي بلغت التمام. نترك أمر التمام للفلسفة، لتقول إن كان التمام ممكناً في أصل الحكاية، ونترك للعلم أمر تعليل النقصان، إن كان عارضاً، أو إن كان من أصل طبيعة الكائنات "الحيّة"، وفق تعريفات الحياة المتعدّدة.
لبنان البلد، الذي يقسمُ به كل سكانه، حَمَلَ نقصان استوائه كائناً مكتملُ الشروط الحياتية، منذ إعلانه كائناً، واستمر هذا البلد، في نقل عدم تمامه الأصيل، من جيلٍ إلى جيل، ومن وكيلٍ على الميراث إلى وكيل على التراث، نقلاً تزيد أعباؤه، وتتراكم مشاكله، وتتكاثر أسئلته، من قِبل مِن صاروا حراس تراثٍ أو حراس هيكلٍ موروث.
على أنه سيظلُّ مطلوباً اختيار الأساسي الإشكالي من المنقول البَلَدي، مثلما سيظلّ ضروريّاً تسليط الضوء على الفرعي المتناسل من الإشكالي الأصلي، والتدقيق أيضاً، في طبيعة الفرعي الجديد، لفحص حقيقة "فرعيّته"، وللتفكير في احتمال انتقاله إلى خانة الأساسي، الذي صار بدوره أصلاً بعد أن كان في خانة الفرعي، الذي كان "عارضاً".
حَكَمتِ الثنائية لبنان، وتحكَّمَتْ بمساره، ثنائية الطائفية الحزبية، والطائفية السياسية، وعلى هذه الثنائية نهضت ثنائية "الاختيار" التي ما زالت تتحكّم بمستقبل السيرة اللبنانية، بالاستعانة بطائفيتها المزدوجة، المتحدّرة من زمن النشأة، والمقيمة في الزمن الناشئ إقامة طارِدَة. لا دليل حتى تاريخه، على طرد الثنائية، من التعريف، وهناك أدلّة وأدلّة، على تمكين الثنائية من مفاصل كل بنيان طائفي فردي، ومن نطق ودعاية وإعلان، كل ذي مرجعية طائفية، لبنيان سياسي، ذلك أن الطائفية ما زالت نُسْغَ حياةِ من ينتمي إليها سياسيّاً، ومن يذود عن مصالحها المادية، بما امتلك من وسائل مادية، ومن نصوصٍ روحية.
الثنائية النشوئية كانت ولادة قهريَّة لدى من جرى ضمَهم إليها. رُفِضَت الثنائية ثنائياً من قبل كتلتيها، فلا المسيحيون ارتضوها رضى جامعاً، ولا المسلمون اجتمعوا على الترحيب بها. حَكَمَ التّردد المضمومين، وجمعت الهواجس بينهم، وتكفَّلَتِ الأحداث المتوالية، بشرح ما هم عليه من تباعد، ولم يفلح الاستقلال سنة 1943، في خلع لبوسه الزاهي الألوان على ذوي الألوان القاتمة التي ظلّت حُصْناً حصيناً لأصحابها.
كيف عرَّف الثنائيون ذواتهم؟ فريق منهم ظلّ أميناً لأصل إقامته الماضية، وبناءً عليه، ظلّت الإسلامية الغالبة، إسلامية حنينٍ إلى محيطها الإسلامي الأبعد، ثم حملت انحيازها إلى محيطها العربي الإسلامي الأقرب، بعد أن عمدت الاستعمارية إلى "ابتكار" الاستقلاليّات ابتكاراً مصلحيّاً واضحاً، ابتكاراً تجميعياً بلغ حَدّ العشوائية، في الضّم والفرز، وفق حساب المصالح إياه. حساب حقل الثنائيين لم يوافق حساب بيدر من جرّهم إلى "احتمال" تساكن مديد لذلك، وكنتيجة "طبيعية" ظلّت المسيحيّة الغالبة، مسيحيّة انتماء إلى "الجبليّة" التي أُنزِلَت منها، واستمرّت جبلية المصالح، بعد أن أمّن لها الفرز الجديد، مثاقيل وزن إضافية في التشكيلة البلدية الناشئة.
اللبنانية التي صارت صفة للبلد الذي نال استقلاله، شطرتها الإشكالية الثنائية. الغُنْمُ المتفاوت بين لبناني ولبناني، عزّز الانشطار. حماية التفاوت في الغْنْمِ وفي الغُرْمِ، دفعت المستفيد والمغبون، إلى إدارة وجهه صوب الخارج. على هذه الاستدارة ترتبت ثنائية "شرق وغرب"، وعليها ترتبت سياسات ولاء وعداء، وعلى كل ذلك، ارتفع رويداً رويداً، حاجز تصنيفٍ بين سيادية "اللبنانيين الأقحاح"، وصدق انتماء الوافدين إلى اللبنانية من الأمصار. لم يكن الحاجز دائماً حاجزاً بين انفلات ردود الأفعال، هذا لأن مدّ الخلاف والنزاع، بلغ في أكثر من محطة حالة الطوفان، الذي كان من شأنه جرف ما بُني، استقلالياً، والعودة بالجميع إلى الأرض الخلاء.
رَبْط الماضي بالحاضر، يعيد تزكية واقع الخلاف العميق الذي تأسس على قواعد الثنائية. من جديد، الإسلامية الواسعة تغالب لتكون محليّة أكثر، والكثرة المسيحية، ما زالت تنشط لتؤكد تفوّق محليتها الموروثة. لوهلة يبدو المشهد مشهد صراع مصيري، أو صراعٍ وجودي، على ما يردده المساجلون اليوم بكثير من الجرأة والوضوح، وبقليل من التهيّب وتدوير الزوايا. عنوان السجال الحاضر، ابن عم عنوان السجال الغابر: سيادة داخلية لبنانية لا تشوبها شائبة، وقومية أو إسلامية مشدودة إلى مواردها الفكرية. السيادة اللبنانية تصير مع أهلها مقاومة من الداخل، ومن أجل الداخل، والعروبة والإسلامية تصير مع دعاتها مقاومة ضد الخارج ومن أجل الداخل.
مقاومتان تتوسّلان مصادر الدعم الخارجي، من أجل أهداف الداخل "النبيلة". مقاومتان تشتركان في الولاء للخارج من أجل الفوز بالهيمنة على الداخل. مقاومتان تشتركان في التعامل مع "الغريب"، فتنتقصان من السيادة ومن حصانة الداخل. مقاومتان تنفي كل منهما تهمة "العمالة"، للغريب، الذي يصير من "أهل البيت"، لدى كل مقاومة على انفراد. مقاومتان تساهمان بأساليب متشابهة في فرط "العقد الداخلي"، عن سابق قصدٍ، وعن سابق استهداف، ثم: يُعلن كل طرف مقاوم أنه حريص على الاستقلال والوحدة والحصانة... الوطنية.
من غير المتاح الحديث عن استقلال "ناجز" على أيدي قوى داخلية غير جاهزة وغير مؤهّلة تأهيلاً جمعيّاً، ومن غير الممكن الحديث عن استقلاليين أو مقاومين، حديثاً وطنيّاً ذا أركان ثابتة، ما دام المعروض اليوم، مثل الماضي، برامج فئوية، ظاهرها التساكن والتعايش والاستقلال، وباطنها التنابذ والتنافر والتقوقع داخل أصولها الفئوية الموروثة.
على ما تقدّم، يمرّ الكيان اليوم في سنواتٍ عجافٍ شديدة الصعوبة، وما يزيد في الصعوبة هذه، لجوء قوى الادعاء "الوطني"، الاستقلالي والتحرري والمقاوم... إلى "سكاكين" الفرقة اللامعة، وعزوفها عن صياغة أساليب وسياسات تهدئة ذات مخارج مقبولة، تعين على الانصراف إلى معالجة الشؤون المصيرية معالجة حكيمة هادئة.
ما يبديه المتنافرون حتى اليوم، ليس أقل من رغبات في تعميق الشروخ البينية الداخلية، وما يصدر من ردود أفعال، ليست أقل من رغبة انتقام متبادلة، سلاحها التقوقع والإغلاق، ومؤداها التلاعب المستدام بالمصير العام... وأي استقلال، وأي لبنان، وأي مصير.
