بانتهاء التسجيل: صراع الصوت الاغترابي يحتدم بين الـ6 والـ128

ندى أندراوسالجمعة 2025/11/21
عدم اكتمال النصاب في جلسة مجلس النواب(مصطفى جمال الدين)
هل يكون الاغتراب جزءًا بنيويًا من التوازنات الداخلية (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

انتهت مهلة تسجيل اللبنانيين غير المقيمين للاقتراع في انتخابات 2026، وسط تراجع واضح في عدد المسجّلين مقارنة بانتخابات 2022. فقد بلغ عدد المسجّلين 152 ألفًا فقط؛ أي أقلّ بنحو 100 ألف من الرقم المسجّل في دورة 2022 (244,442)، علمًا أنّ فترة التسجيل آنذاك امتدّت من 1 تشرين الأول حتى 20 تشرين الثاني 2021.

هذا التراجع أعاد ملف اقتراع المغتربين إلى واجهة الاشتباك السياسي، وفتح الباب أمام معركة دستورية، سياسية حادّة حول خيارين متناقضين: الإبقاء على الدائرة الـ16 المخصّصة لستّة نوّاب من الانتشار، أو عودة المغتربين للاقتراع للنوّاب الـ128 في الدوائر اللبنانية. وفي الخلفية، يُحكى همسًا عن تسويةٍ يعمل عليها رئيس مجلس النواب نبيه برّي بعيدًا عن الأضواء.

 

فتور في الحماسة... وفي الثقة

تكشف أوساط مطّلعة وخبيرة في شؤون الاغتراب لـِ "المدن" أنّ تراجع التسجيل يُقرأ في اتجاهين أساسيّين:

  1. حصر الاقتراع بستّة مقاعد أضعف الحافز لدى المغتربين؛ إذ فقدت أصواتهم تأثيرها على الخريطة الوطنية.

  2. تراجع الثقة بإمكان التغيير بعد خيبات مرحلة ما بعد انتخابات 2022.

وزاد من منسوب الشكوك غياب الشفافية في نشر الأرقام مقارنةً بالعام 2021، وهذا ما جعل الفتور الاغترابي أكثر وضوحًا.
ومع إقفال باب التسجيل على رقم منخفض نسبيًا، يُطرح السؤال: ما قيمة هذه الأصوات إذا بقي القانون على حاله؟

 

الدائرة الـ16: صندوق مغلق بستّة مقاعد

وفق القانون الحالي، يبدأ العمل بالدائرة الـ16 في انتخابات 2026، بحيث ينتخب اللبنانيون في الخارج ستّة نوّاب: ماروني، أرثوذكسي، كاثوليكي، شيعي، سنّي، ودرزي؛ أي إنّ أصوات الانتشار "تُحشَر" في دائرة واحدة بالنظام النسبي.

وبذلك، حتى لو بلغ عدد المسجّلين 200 ألف أو أكثر، فإنّ المعادلة تبقى على الشكل الآتي:
• ثلاثة مقاعد تقريبًا لحركة أمل، حزب الله، التيار الوطني الحر.
• ثلاثة مقاعد للقوّات اللبنانية والمجتمع المدني.

أي إنّه لا غالب ولا مغلوب، ولا قدرة لفريق واحد على احتكار أصوات المغتربين. وبما أنّ هؤلاء سيقترعون لستّة نوّاب فقط، فإنّ تأثيرهم على نتائج الدوائر الـ15 داخل لبنان يصبح صفرًا، مهما ارتفع عددهم.

 

لماذا تغيّرت الحسابات؟

الصوت الاغترابي عام 2022 كان مؤثّرًا بوضوح؛ إذ توزّعت خريطته على الشكل الآتي:
• المجتمع المدني: 35 ألف صوت.
• القوّات اللبنانية: 27 ألف صوت.
• حزب الله: 10 آلاف.
• التيار الوطني الحر: 9,500.
• حركة أمل: 7,000.

هذا الانحياز وقتها لمصلحة المجتمع المدني والقوّات اللبنانية جعل القوى الأخرى، ولا سيّما حزب الله والتيار وأمل، تعتبر أنّ فتح الباب أمام اقتراع المغتربين للـ128 نائبًا تهديد مباشر لتوازناتها داخل الدوائر.

أمّا اليوم، فبقاء الدائرة الـ16 يُلغي تمامًا تأثير هذه الأصوات على انتخابات الداخل. ووفق دراسة أُعدّت في العام 2021، فإنّ كل السيناريوهات تُظهر أنّ الدائرة الواحدة في الخارج تجعل التوزيع شبه محسوم بين طرفَي الانقسام.

واليوم، أكثر من أيّ وقت مضى، فإنّ حزب الله لن يقبل بمعركة معروفة نتائجها مسبقًا، وهي تأتي على حسابه إذا ما أُقرّ تعديل القانون وتكرّرت تجربة العام 2022، ولا سيّما أنّ التضييق عليه، ومعه على حركة أمل والمكوّن الشيعي بالإجمال، هو أكبر، وهو "بمنزلة حرب إلغاء تُشنّ على المكوّن من الخارج" وفق ما يرى، إذا ما جُيِّش الاغتراب للاقـتراع للـ128 نائبًا، خاصّةً أنّ هذه المرّة يمكن كسر التوازنات الداخلية بسهولة وتغيير المعادلات بقوّة داخل برلمان العام 2026، على حدّ ما أكّدت المصادر.

 

القانون كما هو... تعديله... أو العودة إلى لبنان

إذن أمام هذا المشهد، تبرز ثلاثة احتمالات:

  1. بقاء القانون كما هو: اقتراع المغتربين لستّة نوّاب فقط، من دون أيّ تأثير على نتائج الداخل، مع تقاسم القوى للمقاعد على نحوٍ شبه ثابت.

  2. تعديل القانون: وهو أمر صعب سياسيًا. لكن إذا حصل، سيُفتح باب التسجيل حتى نهاية كانون الأول، وهذا ما يرفع عدد المسجّلين ويعيد التأثير الاغترابي على نتائج الدوائر اللبنانية.

  3. الخيار الفردي: من لم يتسجّل في الخارج يمكنه المجيء إلى لبنان والاقتراع في دائرته.

حتى الآن، يبدو أنّ الخيار الأوّل هو الأقرب، بحكم موازين القوى داخل البرلمان. وفي حال لم يقتنع رئيس المجلس بما يُطرَح من تسويات، أو في حال أدّت كلّ الحسابات الانتخابية إلى نتيجة تُهدّد توازنات المجلس التقليدية، أو على نحوٍ أدقّ تخرق الخصوصية أو ما يُعرَف بـِ "احتكار الثنائي للتمثيل الشيعي"، فإنّ اقتراع المغتربين للداخل يؤدّي إلى خلق أكثرية نيابية لا يريدها الرئيس برّي.

 

تأجيل تقني يؤجّل الانفجار

بالرغم من إعلان رئيس مجلس النواب رفضه تأجيل الانتخابات كما تعديل القانون، يُحكى في الأوساط السياسية عن تسوية يعمل عليها في الكواليس، تقوم على إرجاء الانتخابات من أيار المقبل إلى آب 2026. أركان هذه التسوية:

• الإبقاء على الدائرة الـ16 من دون تعديل، على أن يقترع من تسجّل في الخارج للنوّاب الستّة. كما تُمدَّد مهلة التسجيل حتى نهاية العام الحالي، ولمن يرغب يمكنه المجيء والاقتراع في لبنان. في هذه الحال، يتمّ الخروج من الإشكال الدستوري المرتبط بمهل التسجيل، كما أنّ هذا الطرح يحافظ على الصيغة التي تطمئن مختلف القوى، ويمنع تكرار صدمة العام 2022.

 

لماذا الإصرار على الدائرة الـ16؟

بالنسبة إلى "الثنائي" والتيار الوطني الحر، الإبقاء على الدائرة الـ16 يحقّق ثلاثة أهداف واضحة:

  1. يُحيِّد تأثير الاغتراب عن الدوائر المحلية الحسّاسة.

  2. يحصر المعارضة الاغترابية داخل دائرة قابلة للضبط.

  3. يمنع أيّ انقلاب في موازين القوى قد ينتج عن عشرات آلاف الأصوات الإضافية.

في المقابل، ترى القوّات اللبنانية والمجتمع المدني أنّ الدائرة الـ16 إلغاء لدور الانتشار، وقطع للطريق أمام قوّتهما الأساسية.

 

معركة على معنى التمثيل

الصراع حول الدائرة الـ16 ليس معركة تقنية تتعلّق بستّة مقاعد؛ بل هو معركة على طبيعة النظام السياسي اللبناني.
هل يكون الاغتراب جزءًا بنيويًا من التوازنات الداخلية؟ أم يُعاد سجنه داخل دائرة مستقلة لا وزن وطنيًا لها؟

الراجح اليوم، وفق الأرقام وموازين القوى، أنّ لبنان يتّجه نحو تسوية تُبقي الدائرة الـ16 نافذة، لأنّ القوى الأكثر تأثيرًا في البرلمان لا ترغب في إعادة إدخال القوّة الاغترابية إلى قلب اللعبة الداخلية.

أمّا الرقم المتدنّي للمسجّلين، فهو مؤشّر أخطر، تؤكّد المصادر. فالاغتراب الذي كان يومًا رافعة للتغيير، أصبح أقلّ ثقة بجدوى المشاركة. وربّما تكون هذه الخسارة السياسية أكبر من خسارة أيّ مقعد نيابي.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث