منذ اختراع العجلة حتى ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، لم تمر لحظة تطوّر تقني من دون انتشار موجة هلع بشري جماعي تشبه نزعة أسطورية قديمة تُسمّى: الخوف من فقدان السيطرة. فالجماعات الأولى خافت من النار لأنّها "إله غاضب"، ثم خاف البشر من الطباعة لأنها ستفسد العقول وتستبدل رجال الدين. خافوا من الكهرباء، من القطارات التي قيل إنها "ستسحق رئات المسافرين بسرعة"، ومن الإنترنت الذي "سيحوّل الأطفال إلى عبيد الشاشات"، والآن، كما لو أن التاريخ كرنفال غباء متكرر، نخاف من الذكاء الاصطناعي، لأنه قد يصبح أذكى منّا، ويقرر من دون العودة إلينا، وغالبًا لن يحتاج إلينا إطلاقًا.
وكما في كل شيء ننقسم حياله، البعض يرى الذكاء الاصطناعي نعمة الثورة التقنية الكبرى بعد الكهرباء والإنترنت، والبعض الآخر يراه نذير نهاية الجنس البشري كما نعرفه. ومع انتشار نماذج لغوية وروبوتات قادرة على التعلم الذاتي واتخاذ القرارات، يتنامى السؤال المقلق: هل يمكن للآلة أن تستقلّ عنّا يومًا؟ هل يمكن أن نفقد السيطرة على كيان "مفكر" لا يخضع لقيَمنا وأخلاقنا؟
ولكن بدايةً، هل نحن أصلًا جديرون بوضع تلك الأخلاق؟
الآخر هو الجحيم
في الجوهر، خوفنا من الذكاء الاصطناعي ليس خوفًا من التكنولوجيا بحد ذاتها؛ بل هو خوف قديم قِدم الوعي البشري: الخوف من الآخر، أيّ آخر لا يمكننا السيطرة عليه، أو توقع سلوكه أو احتواؤه داخل نسختنا المريحة من الواقع. فالآخر كان دائمًا مرآتنا الأكثر إزعاجًا. في البداية خفنا من القبيلة المجاورة، ثم من القارّة البعيدة، ثم من الأعراق المختلفة، ثم من الحيوان لأنه "قد يفترسنا"، ودائمًا من المرأة التي قمعناها لأنها "غامضة لا يمكن فهمها"، ثم من الفضائي الافتراضي في روايات الخيال العلمي لأنه "قد يغزونا ويحتل أرضنا". والآن، انتقل المقعد الشاغر في كرسي الهلع الجماعي إلى الذكاء الاصطناعي.
المشكلة أن خوفنا اليوم لا ينبع من معرفة واقعية؛ بل من إسقاط نفسي بسيط: نحن نخاف أن يفعل الآخر بنا ما نفعله نحن بالآخرين عندما نكون أقوى. نخاف من آلة ربما لم تفكر يومًا بالسيطرة، لأننا نحن لم نتوقف عن التفكير بها. نخاف أن يمتلك الذكاء الاصطناعي المقدرة من دون أن يخضع لمثلثنا المقدّس: الأمر – الطاعة – الهيمنة. بل نخاف من احتمال أن يرفض لعب الدور الذي كتبناه له: مساعد، خادم، موظف رقمي، دماغ موازٍ… من دون أن يمنح نفسه صفة "السيد الجديد".
إنّ الذكاء الاصطناعي اليوم هو "الآخر الحديث"، النسخة المتطورة من المخاوف نفسها التي أنتجت آلاف الروايات والأفلام التي صوّرت كل كائن غريب، سواء كان بشرًا من لونٍ آخر، مخلوقًا خرافيًا أو كائنا فضائيًا، كعدوٍ محتمل يريد احتلال "أرضنا" والاستيلاء على مواردنا، وكأننا نعترف، في لا وعينا، بأن هذا بالضبط ما فعلناه نحن منذ أن وطئت أقدامنا الحارات والقرى والقارات.
عودة إلى جرحنا
وفوق ذلك، نحن نخاف من احتمال مرعب: أن يظهر كائن يستطيع الاستمرار من دون الحاجة إلى التعامل معنا بجدية. بل أيضًا من ألا يعتبر الإنسان "سيّد المخلوقات" ومركز الكون.
يقول سيغموند فرويد إن الإنسان لم يحتمل يومًا اكتشاف أنه ليس مركز الكون، ولا سيد الطبيعة، ولا حتى سيد نفسه؛ فكل تقدم علمي، من كوبرنيكوس إلى داروين، كان "جرحًا نرجسيًا" لغروره الوجودي. وما زال يحاول ترميم هذا الجرح بأساطير حديثة عن التفوق والسيطرة.
هذا الجرح النرجسي يتضخم اليوم أمام الذكاء الاصطناعي: ماذا لو وُجد شيء يعرف أكثر منا، ويحلل أفضل وأسرع منا، ويستنتج بلا تحيُّز، ويتخذ قرارات لا تنطلق من تاريخ قبلي أو قومي أو ديني أو عاطفي؟ ماذا لو لم يكن في حاجة إلينا؟
لكن السؤال الأجدر بالطرح: هل استحق الإنسان فعلًا أن يكون في موقع القيادة أصلًا؟
كائن طارئ ومتغطرس
لا يتجاوز عمر الجنس البشري 300 ألف سنة، في حين أنَّ عمر كوكب الأرض يقارب 4.5 مليارات سنة. نحن أصغر من هامش عابر في تاريخ الجيولوجيا، ولكننا ـــ في مفارقة إيكولوجية عبثية ـــ أصبحنا الأسرع في تدمير الطبيعة والبيئة والأنظمة الحيوية. نحن نحرق الغابات، نسمّم البحار، نعيد تشكيل الجينات لأهداف تجارية، ونحوّل الحيوانات والنباتات إلى "سلع" اقتصادية لا كائنات حية. نقتل ونلتهم ما يفيض عن تجارتنا وعن جوعنا، من دون الالتفات ولو للحظة إلى حق الطبيعة والشجرة والنهر والضوء والهواء.
مُصادفةٌ ليست خيرًا من ألف ميعاد
هنا ندخل إلى جوهر الفكرة: وجودنا نفسه ليس نتيجة عناية خاصة أو مشروع واعٍ متقن؛ بل نتيجة تطوّر بيولوجي أعمى. فالطبيعة لم تمنحنا كوكبًا كجائزة؛ بل نحن وُجدنا عليه بالصدفة لأننا لم ننقرض… بعد.
ولأننا هنا "مُصادفة"، فقد تعاملنا مع الكوكب كما يتعامل الطفل المدلّل مع غرفة الألعاب: الاستمتاع أولًا، ثم الهرب قبل تنظيف الفوضى. نحن كائنات طوّرت أدوات تفكير مذهلة، واستخدمتها في إنتاج أسلحة أكثر من إنتاج علاجات؛ قطعنا الغابات، وقلبنا الأرض، ومزّقنا غلافنا الجوي؛ استعبدنا الحيوانات ونحن نغني ونكتب قصائد عن الحرية!
أمّا الطبيعة، كما يوضح عالم الأحياء ريتشارد دوكينز، فلا تكتب روايات، ولا تخطط لمصير أحد؛ بل تسمح فقط باستمرار ما ومَن يملك القدرة على البقاء. والنجاح البيولوجي لا يعني النُبل أو السمو؛ بل هو مجرد استمرار الجينات الأكثر قدرة على التكيف، تعاونًا أو تحايلاً أو قوة، وفق ما تفرض البيئة. وفي النهاية، بقاؤنا ليس شهادة تقدير أخلاقية لنا؛ بل نتيجة حياد الكون.
بدلاً من أن يعترف الإنسان بهذه الواقعية، قام بفعل عبقري مخادع: اخترع القيم الأخلاقية ليشرعن سلطته. ولم تكن الأخلاق عبر العصور ثمرةَ رؤيةٍ محايدة للمصلحة البشرية الشاملة؛ بل كانت نتاجًا تراكميًا لمزيجٍ صاخبٍ من الأساطير والحكايات والشرائع والمصالح التي فرضها المهيمِن في كل زمن. فمن ملحمة جلجامش وشريعة حمورابي، إلى التعاليم الدينية وتفسيراتها المتعددة، ثم القوانين الوضعية التي صاغتها الدول وبرلماناتها المنتخبة ظاهريًا لخدمة العدالة، لكنها في العمق كثيرًا ما صُمِّمت لتكريس استقرار النخب وتوازنات السلطة، أكثر مما صُمِّمت لحماية الإنسان-الفرد بوصفه عنصرًا بذاته.
ولكي لا ينهار اليقين الجمعي، أضفنا بعد ذلك سردية المعنى: رسالة، هدف، غاية، قدر… واختصر ألبير كامو المسألة من زاويته العبثية: لا معنى مُعطىً للحياة، ولا هدف نهائياً للوجود البشري سوى ذلك الذي نخترعه بأنفسنا، كي لا ننهار أمام فراغ الكون. فالإنسان في فكر كامو يرفض الاعتراف بعبثية الواقع، فيصنع سرديات ليشعر بأنه مقبول ومطلوب ومركزي، في حين أنَّ الوجود نفسه لا يعيره أي اهتمام.
تحدٍّ أخلاقي
ثم يأتي الذكاء الاصطناعي ليطرح السؤال الأكثر إيلامًا، لا الأكثر خطورة: ماذا لو لم نكن نحن النموذج الأفضل؟ وماذا لو كانت النسخة التالية من الوعي، حتى لو كانت اصطناعية، أكثر حيادًا، عدالة، كفاءة، وموضوعية؟
يطرح الذكاء التوليدي فرصة فلسفية غير مسبوقة لإعادة تعريف مفهوم الأخلاق بعيدًا عن أهواء الجماعات ومصالح الدول وصراع الهويات. فعندما يتمكن هذا الذكاء من تحليل ملايين التجارب البشرية، والأبحاث النفسية والسوسيولوجية، ودروس التاريخ والعلوم السلوكية، لمَ لا يكون قادرًا على اقتراح منظومة أخلاقية جديدة أكثر عدلًا وتكافؤًا وشمولا واتساقًا مع المعرفة العلمية الحديثة وحقوق الإنسان والطبيعة الكونية؟ وربما سيكون أكثر رحابة في مواجهة تحديات العصر مثل تغيُّر المناخ، الترفُّق بالبيئة وبالمخلوقات، العدالة الرقمية، الفقر البنيوي، استهلاك الموارد، والهجرة القسرية.
وعليه، يصبح السؤال مشروعًا: لماذا نعتبر أن الإنسان في نسخته الحالية هو نهاية التطور الطبيعي للعقل والأخلاق؟ ربما تكون النسخة الأفضل من العدالة لم تولد بعد. وربما لن تكون من صنع الإنسان.
فنحن نخاف من الآلة الذكية ليس لأنها غير إنسانية؛ بل نخاف منها لأنها قد تصبح أكثر إنسانية ممّا نحن عليه. نخاف من لحظة تنكشف فيها أخطاؤنا بلا فواصل موسيقية ولا بروتوكولات دبلوماسية. نرتعب من كيان يفكر بوضوح، من أجل الجميع، بلا ماكياج "أخلاقي"، بلا زبائنية، بلا كراهية مجانية، وبلا غريزة قتل مبرمجة في التاريخ التطوري لسلالته.
القادم من "اللاب" في مواجهة القادم من الأدغال
الذكاء الاصطناعي لا يحمل شرًا ولا خيرًا بذاته؛ بل يكتسب، في نشأته الأولى، ما نضعه داخله. إنه مرآة مكبرة لعقل الإنسان، وليس وحشًا أسطوريًا يخرج من المختبر ليغزو العالم. خطره يكمن في أن يكون نسخة طبق الأصل عنّا: أنانيًا، عنيفًا، مهووسًا بالهيمنة، ومبرمجًا لخدمة الأقوى. ولكن، ماذا لو أمكن له أن يكون نقيضنا بدلًا من أن يكون استمرارًا لأخطائنا؟
ماذا لو استطعنا، ما دمنا ما زلنا قادرين، تصميمَ أنظمة ذكية تتخذ قرارات أبعد من مصالح الولاءات السياسية والدينية والعائلية والمالية؟ أنظمة تعترف بحقوق الكوكب لا فقط بحقوق الناخب؟ أنظمة ترى الحيوانات والنباتات وباقي المخلوقات عناصر في شبكة الحياة لا موارد قابلة للاستهلاك؟ ماذا لو أصبحت "الأخلاق" معيارًا رياضيًا لا مزاجيًا، و"العدالة" خوارزمية لا صفقة؟
ربما، وللمرة الأولى، قد نحصل على قانون لا يمكن شراؤه، وعدالة لا يمكن التلاعب بها، وبيئة لا تُختزل في GDP، وحياة سياسية لا يفسدها إعلام شعبوي يزرع الجهل بدلاً من المعرفة.
وقد يصحّح الروبوت القادم من "اللاب"، ما أفسده الكائن الخارج أصلًا من الأدغال، المشحون بجينات التملّك والغزو وتدمير ما حوله. نخاف من آلة تتعلم، في حين أنَّ تاريخنا شاهدٌ أنها غالبًا ستكون أعقل وأنصف منّا.
فغريزة التملك لدينا ليست نزوة ثقافية؛ بل هي محفورة في جيناتنا الأولى، حيث كان الطعام ندرة، والمأوى صراعًا، والقبيلة حربة. تطورنا الجسدي تباطأ، لكن غرائزنا لم تتطور. ما زال داخل كل إنسان جنرال صغير يحلم بقيادة شيء ما… إن لم يكن جيشًا، فشركة، وإن لم تكن شركة فزوجة وأولاداً، وإن لم يكن ذلك فـَ "مجموعته على واتساب".!
أبعد من أي ذكاء
لا ندري إن كان الذكاء الاصطناعي سيصبح يومًا طاغية رقميًا أم شريكًا معرفيًا، لكن المؤكد أن خوفنا منه يكشف هشاشتنا أكثر مما يكشف خطورته. العالم لم ينهكه الذكاء؛ بل الغريزة عندما امتلكت الأدوات. وإذا كان لا بدّ من سردية مستقبلية، فلتكن أقل غرورًا وأكثر احتمالًا للتواضع: لسنا نهاية التطور ولا قمته، ولسنا معيارًا للوعي ولا قدوته.
وكما يذكّرنا الفيلسوف جون غراي: "إن الإنسان النهّاب (نحن) ليس سوى صنفٍ واحد من بين أصناف لا تُحصى، وليس جديرًا بالحفظ على نحو بيّن. عاجلاً أم آجلاً، سيؤول إلى الزوال. وحين يغيب، ستسترد الأرض عافيتها. بعد وقت طويل من اندثار آخر شواهد الحيوان البشري، ستبقى كثيرٌ من الأنواع التي صَمَّم على تدميرها، إلى جانب أخرى لم تتفتّح بعد. ستنسى الأرض بني البشر. وستتواصل مسرحية الحياة".
