"نداء" بيت ليف: نموذج حلّ؟

يوسف بزيالخميس 2025/11/20
Image-1763638536
القصف اليومي كابوس قد يمتد لسنوات عديدة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

أنذر الجيش الإسرائيلي أهالي القرية الجنوبية اللبنانية، بيت ليف، طالباً إخلائها قبل الإغارة على عدد كبير من بيوتها، بذريعة وجود أسلحة لحزب الله فيها. فسارع الأهالي إلى مناداة الجيش اللبناني لإنقاذهم وحمايتهم.

عنى ذلك، أن على الجيش اللبناني أن يتولى هو التفتيش والبحث عن تلك الأسلحة ومصادرتها قبل أن تنفذ إسرائيل تهديدها. وبذلك تسلم بيوت البلدة. لكن عنى أيضاً أن الجيش الذي كان يمتنع حتى الآن عن تفتيش المنازل في الجنوب، اضطر بسبب التهديد الإسرائيلي إلى تنفيذ هكذا إجراء.

 

هذه الحادثة الأولى من نوعها، حسمت –ميدانياً- جدلاً حول دور الجيش وحدود صلاحياته. إذ أن حزب الله الذي يقبل على مضض، جنوب نهر الليطاني وحسب، بتفكيك مواقعه ومخازنه وأنفاقه ومصادرة أسلحته، يرفض "انتهاك حرمة البيوت". كذلك، هناك معضلة "قانونية" إزاء صلاحية الجيش بتنفيذ مداهمات من هذا النوع، تضاف إلى مشكلة عملية وتقنية هي الصعوبة القصوى في تنفيذها في سائر الجنوب في مهلة وجيزة جداً. فما هو عدد المنازل التي يمكن للجيش تفتيشها؟

وما بين موقف حزب الله وأصحاب البيوت، وقدرات الجيش المحدودة، وتهديدات إسرائيل، والاتهامات الأميركية الضاغطة على الجيش وعلى القيادة السياسية، يبدو حال لبنان وجنوبه أعجز من منع الغارات اليومية والتدمير وربما استئناف الحرب الموسعة. ولا سبيل ربما لتجنبها إلا تكرار مثال بيت ليف.

 

هكذا بتنا أمام حالة جديدة مفزعة: تهدد إسرائيل بالإغارة على منازل محددة، فيضطر الجيش إلى مداهمتها تجنباً لتدميرها. هذه الوضعية تطرح أسئلة عدة: ما هو السلاح الذي تعتبره إسرائيل تهديداً لأمنها؟ هل الرشاش الخفيف أم بندقية الصيد أو المسدس الفردي خطر على إسرائيل؟ هل وجود شخص منتم إلى حزب الله، ولو بلا سلاح، خطر أيضاً؟ أين تقف الاعتبارات الإسرائيلية؟ هل هدفها الفعلي هو إخلاء تدريجي وغير معلن لكل سكان أنحاء جنوب نهر الليطاني؟ ثم هل يرضى الجيش اللبناني بالدخول بهكذا دوامة منهكة؟

 

أثناء جولتنا قبل أشهر في الجنوب ومحادثتنا لأهل القرى، رحنا نسألهم لماذا تلك البيوت تم تدميرها والأخرى لم تُمسّ. وأجمعت الإجابات على التالي: إما أن صاحب البيت المدمر عضو في حزب الله أو توجد فيه منصة صواريخ أو التجأ إليه مقاتلو الحزب.

هكذا، كانت الحرب العنيفة والتدميرية، عبارة عن حملة عالية الدقة، ليس حرصاً على المدنيين بقدر الحرص على الذخيرة الباهظة والمعقدة التي يملكها الإسرائيليون. وبالطبع، لم ينجز الإسرائيلي كامل هدفه بتدمير تام لمنظومة الحزب سلاحاً واستحكامات وأنفاقاً وتشكيلات عسكرية. ولذا، منذ اتفاق وقف النار، لم يتوقف عن قصف أهداف ومواقع وقتل عناصر الحزب، على نحو يومي. أما التطور الجديد فيتمثل بأن إسرائيل بدأت باستهداف المنازل بوصفها "بنية تحتية عسكرية تابعة لحزب الله".

على هذا المنوال، ستتحول الحياة الجنوبية إلى كابوس قد يمتد لسنوات عديدة، ومعها يستنفد لبنان طاقته على الاستمرار في هكذا نمط من الحرب.

باختصار، إننا في مصيدة قاتلة. خصوصاً وأن وتيرة الاغتيالات اليومية باتت فتاكة ومن الصعب احتمالها، وإصرار الحزب على استراتيجيته وسياسته أشبه بانتحارمتسلسل. 

 

لسنا ندري إن كان أهالي بيت ليف هم الذين بادروا في طلب حماية الجيش، بلا مشورة الحزب وموافقته، تخلصاً من أي سلاح مفترض وجوده وتجنباً للقصف الإسرائيلي، أم أن الحزب ولحماية الأهل والبيوت قرر السماح أخيراً للجيش أن يدخل تلك البيوت "المشبوهة". 

بكل الأحوال، أنقذت بيت ليف نفسها بمعونة الجيش اللبناني. لكن ولكي لا يتحول الجيش إلى "منفذ أوامر" إسرائيلية ولا ينهدم العمران ولا يتهجر السكان، بات ملحاً على أهل القرى وحزب الله معاً أن يقررا بالتوافق مع الدولة والجيش ما هو مطلوب لبنانياً (لا إسرائيلياً)، أي تنفيذ مضمون خطاب القسم الرئاسي وبيان الحكومة وسائر القرارات ذات الصلة. فحرمة لبنان وسيادته هي التي تضمن "حرمة البيوت".

فليطلق الجنوب كله "نداء بيت ليف" إلى الجيش، قبل ومن دون أي تهديد إسرائيلي.  

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث