سياسة إسرائيل: القضم بالحرب

مصطفى علّوشالخميس 2025/11/20
Image-1763585373
أدت الحروب إلى تغيير الخطوط وفرض وقائع جديدة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

"وَمَا الحَرْبُ إِلاَّ مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُمُ                 وَمَا هُوَ عَنْهَا بِالحَدِيثِ المُرَجَّمِ

مَتَى تَبْعَثُوهَا تَبْعَثُوهَا ذَمِيْمَةً                     وَتَضْرَ إِذَا ضَرَّيْتُمُوهَا فَتَضْرَمِ

فَتَعْرُكُكُمْ عَرْكَ الرَّحَى بِثِفَالِهَا                      وَتَلْقَحْ كِشَافاً ثُمَّ تُنْتَجْ فَتُتْئِمِ

(زهير بن أبي سلمى)

 

نعوم شومسكي اليساري الهوى، والمولود لعائلة يهودية أشكينازية، كان متأثرًا بتجربة الكيبوتس والاشتراكية العمالية قبل قيام دولة إسرائيل.هذه الخلفية جعلته على تماسّ مع الجيل الثاني من مؤسسي المشروع الصهيوني، وبالتحديد التيار العمالي الذي نشأت منه قيادات مثل حاييم وايزمن وديفيد بن غوريون. سافر تشومسكي في شبابه مرارًا إلى فلسطين الانتدابية قبل 1948، وعمل في كيبوتزات يسارية. كان مرتبطًا بالحركة الاشتراكية الصهيونية "هاشومير هتسعير"، وهي جزء من البنية الأيديولوجية التي خرج منها الكثير من قياديي دولة إسرائيل الأوائل.هذه المرحلة جعلته قريبًا اجتماعيًا وفكريًا من الطبقة التي أدارَت الدولة لاحقًا، لكنها لم تصل إلى علاقة سياسية رسمية. بالرغم من هذه الخلفية، رفض تشومسكي منذ شبابه أيّة صهيونية ذات طابع قومي عنصري. كان يرى أن الصهيونية الطاغية بين اليهود تحتوي على "نواة استعمار استيطاني"، وأن المشروع القومي اليهودي سيؤدي إلى صراع دائم مع العرب، وأن "الديمقراطية الإسرائيلية" مبنية على تهجير الفلسطينيين. لم يندمج أبدًا في الدوائر السياسية للمؤسسين، بالرغم من معرفته القريبة ببعض رموزهم عبر الحركة العمالية.

 

يرى تشومسكي، بواسطة حضوره المباشر في اجتماعات مؤسسي الدولة الصهيونية أن بن غوريون كان يتبنّى رؤية توسعية مبنية على القوة عبر استدراج العرب نحو الحرب. وأنه يستخدم سياسة الحروب لتهجير الفلسطينيين في سبيل نظام يقوم على التمييز العنصري. يقول تشومسكي أنه سمع مناحيم بيغن يحتج على بن غوريون لقبوله قرار التقسيم، فاسترضاه الأخير بتأكيد أن العرب سيدخلون الحرب لرد اعتبارهم، وعليه، ستكون الفرصة جاهزة لكسر قرار التقسيم وكسب المزيد من الأراضي وطرد الفلسطينيين. 

بعد حرب 1967 اعتبر تشومسكي أن إسرائيل تحولت من مشروع "اشتراكي-عمالي" إلى قوة إقليمية توسعية أسست منظومة احتلال، وأضحت متحالفة مع الولايات المتحدة في إطار إمبريالي. منذ ذلك الوقت أصبح تشومسكي أشدّ النقاد اليهود-الأميركيين لسياسات إسرائيل.

 

من هنا، يمكن الاستنتاج بأن الإصرار المرضي على القتال هو تنفيذ لسياسة إسرائيل، في حين أن العرب كانوا يحاولون استعادة الكرامة عبر القتال، بالرغم من معرفتهم المسبقة باستحالة الانتصار. فقادة إسرائيل برعوا بصناعة رواية الضحية لأنفسهم ومنطق "الدفاع عن الوجود". فعندما يبادر العرب إلى القتال أو يعلنون رفضهم القاطع لوجود إسرائيل، استطاعت إسرائيل أن تروّج لرواية أنها تدافع عن وجودها وعن مستقبل يهود العالم. هذه الرواية جذّابةٌ سياسيًا وأخلاقيًا لدى دول الغرب خصوصا بعد الهولوكوست، فسهّلت تعبئة تأييد دبلوماسي ومادي لإسرائيل. مثال ما حدث في الحروب الأولى 1948 وفي أعقاب 1967 عندما استخدمت إسرائيل خطاب الدفاع عن البقاء لشرح وتبرير إجراءاتها الوحشية أمام المجتمع الدولي.

وخلال الحرب الباردة كانت بعض الأنظمة العربية تتقارب مع الاتحاد السوفييتي، في حين رأت الولايات المتحدة وحلفاؤها في إسرائيل شريكًا موثوقًا قويًا في شرق البحر المتوسط. سياسات المواجهة العربية سمحت للولايات المتحدة بتبرير تقوية علاقاتها مع إسرائيل كحاجز ضد نفوذ السوفييت، فزاد التدخّل والدعم الغربي لإسرائيل.

 

فالحروب أعطت إسرائيل فرصة لاستعراض قدرة الدولة الصغيرة الناشئة على التعبئة بجيشٍ قوي، اقتصاد قابل للتكيّف، ومؤسسات فعّالة. وهكذا، فكل هزيمة عربية أمام إسرائيل عكست قصورًا تنظيميًا وعسكريًا لدى الجيوش العربية وسلطت الضوء على قدرة دولة إسرائيل على البقاء والتطوّر. كما أن العقلية الغربية بخلفياتها الدينية في العهد القديم، شبهت إسرائيل بالنبي داود الصغير الحجم الذي هزم جالوت العملاق. هذا الإنتاج العملي في القدرة على الانتصار زاد من صدقيتها ومكانتها في عيون الحكومات الأجنبية.

أدت الحروب إلى تغيير الخطوط وفرض وقائع جديدة، ثم فرضها كأرضية ثابتة بالقوة. هذه "الوقائع" أصبحت قاعدة تفاوضية لإسرائيل، فكل توسع أو سيطرة تصبح أرضية مستجدة وورقة قوة في مفاوضات لاحقة. ولذا، فإن السعي العربي للحرب ساعد إسرائيل على تنفيذ سياساتها التوسعية. فمحاولات الحرب كشفت عن غياب استراتيجية عربية موحّدة، فبدت الأنظمة العربية متخبطة وغير مسؤولة، وبالأخص تجاه شعوبها، وهو ما عزز من شرعية إسرائيل في الساحة الدولية.

كما أن الحروب حفّزت هجرة يهود من دول عربية إلى إسرائيل، وزادت من قوة مجموعات التأثير اليهودية في الدول الغربية، خصوصاً في الولايات المتحدة، التي عززت الدعم السياسي والمالي لإسرائيل. والحروب التي قادها أو دعمها العرب أدّت على نحو غير مقصود إلى تقوية شبكة دعم دولية لإسرائيل.

 

وعندما صار الصراع خطرًا أمنيًا إقليميًا، اتجهت الكثير من الدول إلى سياسات واقعية بالتركيز على الاستقرار، وليس على مطالب العدالة أو الحق. هذا ساعد إسرائيل كثيرًا، لأنّ خطابها الأمني وجد صدىً عند دول تخشى على نفسها من عدم الاستقرار الإقليمي. صحيح أن الحروب كلّفت إسرائيل خسائر بشرية ومادية، وعداوة دائمة، وعزل ثقافي، لكن من منظور استراتيجي كان السعي العربي للحرب، خصوصًا عندما لم يترافق مع بناء داخلي عربي واستراتيجية موحدة وقوة مستدامة، سلَّم إسرائيل أدوات لتمتين موقفها الدولي. فمن دون بناء قوة استراتيجية مستقرة عسكرية، وسياسية، ودبلوماسية، وشعبية واقتصادية، يمكن لأي رهان على "حرب التحرير" أن ينتج نتائج معاكسة على المستوى الدولي.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث