إلغاء زيارة هيكل إلى واشنطن:المطلوب اصطفافٌ معلن ضد حزب الله

غادة حلاويالثلاثاء 2025/11/18
12233333.jpg
يكمن الخطر الأكبر في إعادة رسم موقع الجيش في المعادلة اللبنانية
حجم الخط
مشاركة عبر

قبل ساعات من موعدها، ألغت الإدارة الأميركية الاجتماعات التي كانت مقرّرة لقائد الجيش العماد رودولف هيكل في واشنطن، بعد تحضير طويل لبرنامج الزيارة. وقد شنّ عدد من أعضاء مجلس الشيوخ الأميركي هجومًا مباشرًا على قائد الجيش، في خطوة بدت كرسالة قاسية إلى المؤسسة العسكرية اللبنانية. وجاء هذا التصعيد على خلفية البيان الذي أصدره هيكل، والذي تضمّن اتهامًا واضحًا لإسرائيل بانتهاك السيادة اللبنانية وزعزعة الاستقرار وعرقلة انتشار الجيش في الجنوب، وكان آخرها استهداف دورية لليونيفيل. هذا البيان أثار غضب الإدارة الأميركية وأوساط من الكونغرس التي كانت تخوض نقاشًا حادًا حول جدوى استمرار المساعدات المقدّمة للجيش اللبناني، في وقت كانت فيه الصحافة الإسرائيلية تكثّف اتهاماتها للمؤسسة العسكرية بالتقصير في مواجهة حزب الله وفي تنفيذ خطّة نزع سلاحه جنوب الليطاني وشماله.

وبالتزامن، أعلنت السفارة اللبنانية في واشنطن إلغاء حفل الاستقبال الذي كان معدًّا على شرف قائد الجيش، وجاء في بيانها: "تمّ إرجاء حفل الاستقبال المخصّص لقائد الجيش رودولف هيكل والمجدول يوم الثلاثاء 18 تشرين الثاني 2025. نثمّن تفهّمكم، وسنتواصل معكم لإبلاغكم بالموعد الجديد عند تحديده".

 

وغردت السيناتور جوني إرنست عبر منصّة "إكس" قائلة: "أشعر بخيبة أمل كبيرة من هذا التصريح الصادر عن قيادة الجيش اللبناني. فالجيش اللبناني شريك استراتيجي، وقد ناقشتُ هذا الأمر مع القائد العام في آب/أغسطس الماضي، وكانت إسرائيل قد منحت لبنان فرصة حقيقية للتحرّر من إرهابيي حزب الله المدعومين من إيران. وبدل اغتنام هذه الفرصة والعمل معًا لنزع سلاح الحزب، يوجّه القائد العام—وبشكل مُخزٍ—اللوم نحو إسرائيل".

وسبقها موقف للعضو في الحزب الجمهوري من أصل لبناني توم حرب، الذي قال: "تشعر إدارة ترامب بالإحباط من الحكومة اللبنانية والجيش اللبناني. فقد ألغت جميع الاجتماعات المقرّرة غدًا في واشنطن مع قائد الجيش رودولف الهيكل، واضطرت السفارة اللبنانية إلى إلغاء حفل الاستقبال المخطّط على شرفه". ثم تابع: "شكرًا للسيناتور ليندسي غراهام على التنبه إلى سلوك الجيش اللبناني، وإلى عدم استعداد الحكومة لاتخاذ أي خطوة ضد حزب الله أو لتنفيذ القرار 1559، بينما تكتفي بإلقاء اللوم على إسرائيل. لقد اتخذتَ القرار الصحيح بإلغاء الاجتماع مع قائد الجيش. فأموال دافعي الضرائب يجب أن تُثمر في لبنان. نأمل أن يطّلع الرئيس جوزيف عون جيدًا على مواقف إدارة ترامب، وأن يستبدل قائد الجيش بشخص مستعد لإنجاز المهمة قريبًا".

ولا يرتبط الموقف الأميركي بإلغاء الزيارة فقط بالبيان الأخير، بل يأتي ضمن سياق تراكمي بدأ منذ الهجوم الذي شنّته الموفدة الأميركية مورغان أورتاغوس على قائد الجيش أمام عدد من السياسيين اللبنانيين، متهمة إياه بالانحياز وعدم تنفيذ المطلوب منه في مواجهة حزب الله. ثم عادت والتقت هيكل مجددًا، مبديةً تفهّمًا لموقف المؤسسة العسكرية التي تقوم بمهامها رغم الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة والتضييق على عناصرها في الجنوب. غير أن القيادة العسكرية ظلت في نظر واشنطن مقصرة، مدفوعة بانتقادات أطراف لبنانية تطالب الجيش بمواجهة حزب الله ومحاولة نزع سلاحه بالقوة.

بانياً على هذه الخلفيات قدم هيكل مطالعته في مجلس الوزراء، متحدثًا عن الإهانات المتكررة التي تطاول الجيش أمنيًا وسياسيًا، في وقت يتعرّض فيه عناصره للتضييق والاعتداءات الإسرائيلية في الجنوب، بينما لا يوفره السياسيون من انتقاداتهم. ويمكن ربط هذا المشهد بما قاله رئيس الجمهورية عن "الجهات التي تبخّ سمّها"، والذي ينطبق على المؤسسة العسكرية المتهم قائدها بالتقصير تجاه مواجهة حزب الله والمطلوب منه تنفيذ مهام تلبي المتطلبات الإسرائيلية والأميركية، ومنها الدخول إلى منازل الجنوبيين بحثاً عن سلاح حزب الله، وهو ما رفضه هيكل، معتبرًا أن تنفيذ مثل هذه المطالب سيقود إسرائيل إلى طلب المزيد: اليوم تفتيش منازل، وغدًا التضييق على الأهالي بأساليب أخرى، وهذا غير ممكن.

 

ماذا في الأبعاد.. والتداعيات

يعني إلغاء الزيارة على أن لبنان، وإن لم يدخل بعد في عزلة دولية كاملة، إلا أن باب العزلة قد فُتح. فالرسالة الأميركية واضحة: "المشكلة لم تعد مع الحكومة أو حزب الله فقط، بل باتت تشمل الجيش نفسه". وإذا تواصل الاحتقان والتحريض واستمرت واشنطن في موقفها، فقد يدخل لبنان في أول موجة عزلة أمنية–عسكرية منذ 2005. فمؤتمرات دعم الجيش مجمّدة فعليًا، وأي مؤتمر جديد لن يُعقد من دون "ضمانات سياسية" واضحة من القيادة العسكرية. وكان المانحون، خصوصًا واشنطن وباريس والرياض، مترددين أصلًا في دعم المؤسسة، أما الآن فبات الدعم الهيكلي والتدريب والتجهيز مهددًا، والجيش اللبناني أصبح تحت "رقابة سياسية أميركية".

بإلغاء زيارة قائد الجيش، أرادت واشنطن إيصال رسائل مباشرة: البيانات العسكرية اللبنانية يجب ألا تُفهم كـ"اصطفاف سياسي"، وأي خطاب يُعتبر منحازًا ضد إسرائيل سيؤدي إلى قطع الدعم فورًا. وبمعنى أوضح، لم يعد مقبولًا من وجهة النظر الأميركية أن يكون الجيش محايدًا بالكامل أو أن يقدّم روايات تتقاطع مع اتهام إسرائيل. بل تريد واشنطن اصطفافًا معلنًا ضد حزب الله.

وهنا يكمن الخطر الأكبر: إعادة رسم موقع الجيش في المعادلة اللبنانية. فإذا دفع بعض صقور الكونغرس باتجاه المزيد من الضغط، قد تتحول السياسة الأميركية إلى السؤال الأخطر: "لماذا نمول جيشًا لا يعارض حزب الله؟". وهذا ما قد يخلق أزمة غير مسبوقة.

يبقى السؤال حول احتمال "إطلاق يد إسرائيل عسكريًا". فالاحتمالات مفتوحة، إسرائيليًا ومغطاة أميركيًا، وإن كانت واشنطن لا تبدي استعدادًا لحرب واسعة على لبنان. المواقف الأميركية الحالية لا تزال تدعو إلى ضبط الحدود والانسحاب من النقاط المتبقية ومنع التدهور، لكن الغضب من البيان الأخير وما سبقه ومن بين الأوامر للجيش بالتصدي لأي عملية توغل إسرائيلية،  يرفع منسوب الشك والضغط على لبنان. وأي حادث جديد على الحدود قد يُستغل داخل الكونغرس لدفع الإدارة نحو مواقف أكثر تشددًا، ما قد ينقل الوضع من مرحلة "الضغط الناعم" إلى "الغضب الفعلي". وما جرى اليوم يُعد أسوأ انتكاسة في علاقة الجيش اللبناني مع الولايات المتحدة منذ 2006: الزيارة أُلغيت، اللقاءات أُلغيت، الكونغرس هاجم الجيش مباشرة، الملف بات بيد ماركو روبيو، والدعم العسكري أصبح مشروطًا بشكل غير مسبوق. تطور كبير، غير عابر، وستُستثمر نتائجه سياسيًا في لبنان وفي المنطقة. ويبقى السؤال: كيف ستواجه الدولة اللبنانية هذا التطويق المتصاعد للمؤسسة العسكرية؟

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث