حَوْلَ الميثاقِيَّة اللُّبنانيَّة وأخواتِها

زياد الصائغالاثنين 2025/11/17
Image-1759136510
تحولت الميثاقية إلى حكم الفيتو الطائفي (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

تُعَدّ الميثاقيّة من أبرز المفاهيم التي شكّلت الوعي السّياسي والكياني في لبنان. ليست الميثاقيّة مجرّد قاعدة لتقاسم السلطة أو تنظيم العلاقة بين المكوّنات الطائفية؛ بل هي في الأصل تعبير عن عقدٍ وطنيّ تأسيسيّ هدفه تثبيت العيش المشترك في إطار دولة واحدة جامعة، تحفظ التعدّدية وتؤسّس لوحدة وطنية قوامها المواطنة الحاضِنة للتنوُّع. الميثاقيّة، بمفهومها الأصيل، لم تُستولد لتُقسّم، بل لتُوحِّد؛ ولم تُنشأ لتُقايض الحقوق والواجبات، بل لتضمن مبدأ المساواة في الانتماء إلى الوطن والالتزام بنظامه الدستوري. منذ الميثاق الوطني في العام 1943، كان الهدف الأسمى الانتقال من حماية الطوائف إلى حماية الوطن، عبر بناء صيغة توازن دقيق بين الاستقلال عن الخارج والانتماء المتساوي في الداخل. كرّس الدّستور اللبناني بعد اتّفاق الطّائف هذه الروحيّة بتأكيده أنّ العيش المشترك هو شرط الشرعيَّة لأي سلطة، وأنّ الدّولة هي المرجعيّة الوحيدة التي تحتضن هذا التنوّع وتحميه. بيد أنّ التجربة اللّبنانية، على مدى العقود، أظهرت أنّ الميثاقيّة تحوّلت تدريجياً من مفهومٍ تأسيسيّ جامع إلى أداة انتقائيّة في الصِّراع السّياسي والطائفي، وهذا ما أفقدها معناها وأجهض دورها الإصلاحي في مسار بناء الدّولة.

 

ليست الميثاقيّة في جوهرها شعاراً؛ بل رؤية كيانيَّة، تهدف إلى الحفاظ على وحدة الكيان اللبناني في مواجهة مشاريع التفكُّك أو التبعيَّة. وهي تشكِّل التعبير العمليّ عن التنوّع المتصالح مع ذاته، والوسيلة النبيلة لتجسيد فكرة "لبنان الرسالة" التي أُعيد تأكيدها في اتّفاق الطّائف. الميثاقيّة الحقيقيّة تقتضي توازن المشاركة لا تقاسم المغانم، وتفاعل الإرادات لا تعطيلها، وتعاون السلطات لا شلّها. من هنا، فإنّ أيّة ممارسة سياسيّة لا تصون مبدأ الدّولة ومؤسّساتها الدّستورية باسم الميثاقيّة؛ إنّما تقع في فخ نقيضها، وتحوّلها من ضمانة وحدة إلى ذريعة للانقسام والشلل. إنّ الرّؤية الكيانيّة للبنان لا تُبنى على تعطيل المؤسّسات؛ بل على انتظامها، ولا على المحاصصة؛ بل على العدالة في المشاركة. بذلك فقط تتحوّل الميثاقيّة من صيغة دفاعيّة إلى مشروع وطنيّ تجديديّ يؤسّس لمواطنة متساوية فوق كل الانتماءات الضيِّقة، وأكبر من كُلّ تِلك العابِرة للحدود. 

 

ولعلَّ أخطر ما أصاب الحياة الدّستورية اللبنانية هو تحوّل الميثاقيّة إلى ما يمكن تسميته بـِ "الفيتوقراطيّة"، أي حكم الفيتو الطائفي أو المذهبيّ، الذي يضرُب المؤسّسات ويُقيّد الإرادة العامة بإسم حماية "المكوّن" أو التوازن. وبدلاً من أن تكون الميثاقيّة أداة تفاعلٍ إيجابيّ داخل النّظام الدّيمقراطي البرلماني، غدت سلاحاً لفرض إراداتٍ خاصة، وغالِبًا بفوائض قُوَّة غير شرعيَّة تُعطِّل الدولة وتُقوِّض شرعيتها. إنّ مفهوم الفيتوقراطيّة هذا، يجعل من كلّ سلطةٍ طائفيّة دولة داخل الدّولة، ويُضعف مفهوم المسؤوليّة الوطنيّة الجامعة. فلا حكومة تتشكّل إلاّ بعد مساومات طائفيّة، ولا رئيس يُنتخب إلاّ بصفقاتٍ متبادلة وتعهُّداتٍ مُسبَقَة، ولا قرار يُتّخذ إلاّ وفق ميزان القوى بين الطوائف، لا وفق مصلحة الوطن. هكذا، تُصاب الميثاقيّة بعطبٍ بنيويّ يُفرّغها من مضمونها، وتتحوّل من منطلقٍ لوحدة الدّولة إلى أداة تفكيكٍ مؤسّساتيٍّ دائم. إنّ خطورة هذا المسار تكمن في أنّه يُقونِن الشلل باسم الميثاقيّة، ويُشرعن التعطيل باعتباره حفاظاً على الشّراكة، في حين أنّ الشّراكة الحقيقيّة تُبنى على المشاركة في تحمّل المسؤوليّات لا على التلويح بالانسحاب وتفجير السِّلم الأهليّ عند كلّ اختلاف. الميثاقيّة التي تتحوّل إلى حقّ النقض الطائفي تُصبح عائقاً أمام الدّستور نفسه، وتُعيد لبنان إلى منطق الكيانات المتقابلة لا الدّولة الواحدة.

 

يبقى أنَّ المدخل إلى استعادة الميثاقيّة من خاطفيها هو إعادة تأويلها في ضوء الدّستور وروح اتّفاق الطّائف. لا تُفهم الميثاقيّة بمعزلٍ عن النّظام البرلماني الديموقراطي، حيث القرار يُتّخذ وفق الأصول، لا وفق مزاج المكوّنات. المطلوب هو تحرير المؤسّسات من الوصاية الطائفيّة والسّياسيّة عبر تثبيت أولويّة النصّ الدستوريّ على الأعراف المصلحيّة التي نشأت بعد الحرب، والتي حوّلت الميثاقيّة إلى عرفٍ تعطيليّ يعلو على القانون، وإلى تعزيز منطق المؤسّسات بحيث تُمارس صلاحيّاتها وفق مبدأ الفصل والتوازن، لا وفق مبدأ التّوافق السلبيّ الذي يُفرّغها من الفاعليّة، وتجديد الحياة السياسيّة عبر قانون انتخابيّ وطنيّ يحرّر التمثيل من العصبيّات، ويُعيد بناء النخب على قاعدة المواطنة لا الولاءات الطائفيّة، وتفعيل دور القضاء الدستوري والمجلس الدستوري لحماية الشرعيّة الدستوريّة من أي انتهاكٍ يُرتكب باسم الميثاقيّة. بهذه الآليّات، تتحوّل الميثاقيّة من شعارٍ غامض إلى منظومة حوكمة وطنيّة تعيد الاعتبار للمؤسّسات الدستوريّة كمصدرٍ وحيدٍ للسّلطة، وتُنهي زمن التّعطيل، والابتزاز والاغتيال السّياسي الجسديّ والمعنويّ.

الميثاقيّة، إذا ما أُعيدت إلى معناها الأصيل، تتبدّى ضمانةٌ لوحدة لبنان وركيزةٌ لرؤيته الكيانيّة الحديثة. أمّا حين تُستعمل كذريعةٍ لتبرير دمار المؤسّسات ومصادرتِها، تستحيلُ نقيضَ الوطن والدّستور. استعادتها إلى فضائها الدستوري هو التحدّي الأبرز، لتصبح جسراً نحو دولة المواطنة لا حاجزاً طائفياً يحول دون قيامها. لا يستقيمُ خلاص لبنان بإلغاء الميثاقيّة؛ بل بتحريرها من التزييف، ولا بإسقاط الصّيغة بل بتحديثها، بحيث تتجسّد في عقدٍ اجتماعيٍّ متجدِّد يقوم على الشراكة، والمساءلة، وسيادة الدّستور. عندها فقط، تُبعث الميثاقيّة من رمادها، لا كأختٍ مشاغبة للطائفيَّة؛ بل كأمٍّ جامعةٍ للمواطنة والسّيادة والعدل.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث