المسجَّلون 56 ألفاً فقط.. فما جدوى الجدل حول قانون الانتخاب؟

بتول يزبكالاثنين 2025/11/17
315.jpg
مجلس النواب أمام مسؤولية حسم الخيارات سريعًا. (علي علوش)
حجم الخط
مشاركة عبر

يتجدّد السّجال السّياسيّ في لبنان حول التّعديلات المقترحة على قانون الانتخاب، لا سيّما في ما يتعلّق باقتراع اللبنانيّين غير المقيمين، مع انتقال الملفّ من حيّز النّقاش التّقنيّ إلى قلب الاشتباك السّياسيّ المفتوح بين رئاسة الجمهوريّة ومجلس النوّاب والقوى الحزبيّة. 

فالمعارضة تدفع في اتّجاه تعديل القانون رقم 44/2017، بما يتيح تصويت المغتربين لنوّاب المجلس المئة والثّمانية والعشرين، في حين يتمسّك رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي بالنّصّ القائم الذي يقول بانتخاب ستّة نوّابٍ مخصّصين للاغتراب، في معركةٍ تتجاوز الأرقام إلى سؤالٍ أعمق: من يملك حقّ التأثير في إنتاج السّلطة، المقيم وحده أم المقيم والمغترب معًا؟

 

من "تقنيةٍ انتخابيّة" إلى اشتباكٍ دستوريٍّ وسياسيٍّ

مع توقيع رئيس الجمهوريّة جوزاف عون مرسوم إحالة "مشروع قانونٍ معجّلٍ" إلى مجلس النوّاب لتعديل وتعليق موادّ من قانون الانتخابات النّيابيّة، انتقل الاستحقاق الانتخابيّ من خانة "إدارة المهل والإجراءات" إلى خانة "إعادة التّفاوض على قواعد اللّعبة". فالمرسوم الذي أرفق بنصّ مشروع القانون الذي أقرّه مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة بتاريخ 6 تشرين الثّاني الجاري، لا يكتفي بسدّ ثغراتٍ إجرائيّة، بل يفتح بابًا واسعًا لإعادة توزيع الأوزان داخل النّظام الانتخابيّ نفسه.

وبموجب المرسوم رقم 1832 الصّادر في 17 تشرين الثّاني 2025، أحال رئيس الجمهوريّة "مشروع قانونٍ معجّلاً" يرمي إلى تعديل قانون الانتخابات الصّادر سنة 2017. وقد حمل المرسوم، إلى توقيع رئيس الجمهوريّة، تواقيع كلٍّ من رئيس الحكومة ووزراء الماليّة والداخليّة والخارجيّة والعدل، في إشارةٍ إلى قرارٍ سياسيٍّ واضحٍ بإعادة فتح ملفّ القانون في توقيتٍ شديد الحساسيّة.

بهذه الإحالة، وُضع مجلس النوّاب أمام مسؤوليّة حسم الخيارات سريعًا، في ظلّ قراءتين متناقضتين: قراءةٌ ترى في الخطوة تنظيمًا تقنيًّا ضروريًّا لإنقاذ الاستحقاق، وقراءةٌ مضادّةٌ تعتبرها محاولةً لتفصيل النّظام الانتخابيّ على قياس توازنات قوى حاضرةٍ أو قيد التّشكّل، داخليًّا واغترابيًّا.

 

من جهته، علّق عضو كتلة التنمية والتحرير النائب علي خريس على توقيع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون مرسوم الحكومة المتعلّق بالانتخابات، وقال في حديث لـ«المدن»:"حركة أمل ضد أي تأجيل للانتخابات، وهي مع إجرائها في موعدها القانوني وفق القانون النافذ. لكن من يدفع باتجاه تعديل قانون الانتخاب لناحية تصويت المغتربين، يبدو وكأنه يريد من وراء ذلك تطيير الانتخابات." والمقصود بالتأكيد ليس رئيس الجمهورية.
وأضاف: "موقفنا واضح، نحن مع إجراء الانتخابات وفق القانون النافذ، وكان على الحكومة أن تتحمّل مسؤولياتها في هذا المجال. وقد أبلغنا رئيس الحكومة سابقاً رفضنا تعديل القانون لناحية تصويت المغتربين لـ128 نائبًا من الخارج، لأسباب يعرفها جيدًا."
وختم خريس: "الجميع بات يعلم وبشكل واضح من يريد تأجيل الانتخابات ويؤجّج هذه الصراعات."
 

خيارات برّي وحدود صلاحيّات الرّئاسة

يشرح الباحث في "الدوليّة للمعلومات" محمّد شمس الدّين، في حديثٍ إلى "المدن"، أبعاد المرسوم وخيارات مجلس النوّاب، فيقول: "أحال الرئيس عون مشروع قانونٍ معجّلاً إلى مجلس النوّاب يتعلّق بتعديل قانون الانتخاب، ويقضي بإلغاء حصر حقّ اقتراع غير المقيمين بستّة مقاعد، وتكريس حقّهم في الاقتراع للمئة والثّمانية والعشرين نائبًا، واعتماد رمزٍ "QR-Code" بدل البطاقة الإلكترونيّة أو الممغنطة في الممارسة الانتخابيّة. وبذلك تكون الحكومة، من النّاحية الإداريّة والانتخابيّة، قد أدّت ما عليها عبر إحالة المشروع إلى مجلس النوّاب لتعديل قانون الانتخاب".

ويضيف شمس الدّين شارحًا ثلاثة سيناريوهاتٍ أمام رئيس المجلس:
- الخيار الأوّل: أن يضع الرئيس برّي المرسوم في الأدراج وألّا يحرّكه.
- الخيار الثّاني: أن يحيله إلى اللّجان لدراسته، ثمّ بعد ذلك يعرض على جلسةٍ عامّة.
- أمّا الخيار الثّالث، إذا شاء الرئيس برّي أن يتجاوب بسرعة، فيتمثّل في طرحه في أوّل جلسةٍ عامّةٍ يعقدها المجلس".

ويشرح الإطار الدّستوريّ الحاكم لمهلة إصدار القانون قائلًا: "إذا أقرّ المشروع أو لم يقرّ، يكون أمام رئيس الجمهوريّة مهلة أربعين يومًا لإصداره بموجب مرسوم. غير أنّ مهلة الأربعين يومًا هذه لا تبدأ بالسّريان إلّا بعد إدراج المشروع على جدول أعمال جلسةٍ عامّةٍ وتلاوته فيها. والدّستور يتحدّث عن "جلسةٍ عامّةٍ" ولا يقول "أوّل جلسةٍ عامّةٍ"، ما يترك هامشًا واسعًا من الاستنسابيّة لدى الرئيس برّي، فيستطيع أن يدرجه في أوّل جلسة، أو بعد عشر جلسات، لأنّ النّصّ الدّستوريّ لم يحدّد "أوّل جلسةٍ"". 

ويتابع مشيرًا إلى حدود صلاحيّات الرّئاسة والحكومة: "إلى أنّ يحصل ذلك، نبقى بانتظار معرفة ما إذا كان المشروع سيقرّ أم لا. وقد نبقى خاضعين للنّصّ القانونيّ النّافذ حاليًّا. رئيس الجمهوريّة لا يمكنه أن يقوم بشيءٍ إضافيٍّ. فمجلس الوزراء، بموافقة ثلثي أعضائه، أقرّ مشروع قانونٍ معجّلاً وأحاله إلى مجلس النوّاب. فإذا لم يدرج على جدول أعمال جلسةٍ عامّة، تبقى صلاحيّة الحكومة ورئيس الجمهوريّة معلّقةً، لأنّ مهلة الأربعين يومًا خاضعةً كلّها لاستنسابيّة الرئيس برّي".

 

يوم تسجيل المغتربين: موعدٌ مفصليٌّ لبناء المواقف

يرى شمس الدّين أنّ مفتاح القراءة السّياسيّة سيكون في أعداد المسجّلين غير المقيمين، فيقول: "في تقديري، إنّ الجميع ينتظر يوم الخميس في العشرين من تشرين الثّاني، حيث تنتهي مهلة تسجيل غير المقيمين، لنعرف العدد وتبنى على أساسه المواقف. فإذا كان العدد كبيرًا، ستتذرّع الأحزاب المؤيّدة لحقّ اقتراع غير المقيمين بانتخاب نوّاب لبنان بالقول: انظروا، العدد كبير، ويجب تعديل القانون لمنحهم حقّ الاقتراع الكامل. أمّا إذا كان العدد قليلًا، وهو الأرجح، فسيقال إنّ العدد غير مهمٍّ، وإنّ اللبنانيّين غير متحمّسين، فيتّجه الموقف عندها إمّا إلى حصر اقتراع غير المقيمين بالمقاعد السّتّة، أو إلى حصر حقّ الاقتراع كلّه بالنّوّاب المقيمين في الدّاخل. لذلك يكون يوم الخميس يومًا مفصليًّا وأساسيًّا لفهم المسألة برمّتها".

 

أرقام المغتربين: تراجع الكمّ وتصاعد الدّلالة السّياسيّة

على خطٍّ موازٍ، تتحوّل أرقام تسجيل اللبنانيّين غير المقيمين إلى مؤشّرٍ سياسيٍّ لا يقلّ أهميّةً عن النّصوص القانونيّة ذاتها. فمع انتهاء المهلة الرّسميّة لتسجيل المغتربين في 20 من الشّهر الحالي، تظهر المعطيات الأوّليّة تسجيل أعدادٍ متدنّيةٍ مقارنةً بالاستحقاق السّابق، ما يحدّ من الوزن الانتخابيّ المباشر لصوت الخارج، لكنّه يفتح في المقابل بابًا لأسئلةٍ قاسيةٍ حول معنى هذا التّراجع.

في انتخابات عام 2022، بلغ عدد المسجّلين في الخارج نحو 225,624 ناخبًا، اقترع منهم فعلًا 141,575 ناخبًا. أمّا اليوم، فتشير المعلومات المتداولة إلى أنّ الأعداد الحاليّة لا تتجاوز تقريبًا 56,764 مسجّل، مع احتمال تراجعها قليلًا بعد تدقيق وزارة الداخليّة في اللوائح النّهائيّة.

على مستوى التّوزيع الجغرافيّ، تتصدّر دولٌ مثل فرنسا، كندا، الولايات المتّحدة، ساحل العاج، دولة الإمارات العربيّة المتّحدة، والمملكة العربيّة السّعوديّة قائمة البلدان التي شهدت الإقبال الأكبر نسبيًّا على التّسجيل، في انتظار بيانٍ رسميٍّ من وزارتي الداخليّة والخارجيّة يحدّد الأرقام النّهائيّة.

هذا الفارق الحادّ بين دورة 2022 والدّورة المقبلة لا يقاس فقط بمفهوم "نسبة المشاركة"، بل بما يعكسه من تحوّلاتٍ في مزاج شريحةٍ اعتُبرت في الدورة الماضية "قوّة دفعٍ" لقوى التّغيير والمعارضة التّقليديّة على حدٍّ سواء.

 

برودة الأحزاب، سقوط الرّهانات، وتبدّل الحسابات

تشير تقديرات المراقبين إلى أنّ أكثريّة القوى السّياسيّة لم تنخرط في حملة تعبئةٍ جدّيّةٍ لتسجيل المغتربين، لأسبابٍ متعدّدةٍ ومتداخلة، أبرزها:

أوّلًا: أنّ بعض القوى بنى حساباته على إمكان حصول تسويةٍ تؤدّي إلى إلغاء اقتراع الخارج أو تقليصه، بما يدفع النّاخبين الرّاغبين في المشاركة إلى الحضور شخصيًّا إلى لبنان، ويحوّل ورقة الاغتراب إلى عنصر تفاوضٍ داخليٍّ أكثر منكونه حقًّا سياسيًّا مستقلًّا.

ثانيًا: تعمل القوى المؤيّدة لتعديل القانون على تعزيز موقعها عبر الدّفع في اتّجاه تمديد مهلة التّسجيل، وتحضير آليّاتٍ لنقل الأصوات من الخارج إداريًّا ولوجستيًّا، بهدف إثبات أنّ الاغتراب ليس تفصيلًا، بل هو كتلةٌ سياسيّة يمكن البناء عليها في معادلات ما بعد الانتخابات.

ثالثًا: تسجّل دوائرٌ عدّة قراءةً أكثر حساسيّةً، مفادها أنّ تدنّي التّسجيل يعكس تراجعًا في الثّقة بالقوى التّغييريّة التي حصدت في 2022 نسبةً عاليةً من أصوات الخارج، لكنّها عجزت عن تحويل هذا "التّفويض" إلى مشروعٍ سياسيٍّ منسّقٍ داخل البرلمان، أو إلى خطابٍ موحّدٍ خارجه.

على خطّ "القوّات اللبنانيّة"، لا تساير الأرقام المتدنّية الرّهان على توظيف المادّة 112 من قانون الانتخابات كورقة ضغطٍ سياسيّةٍ مرتبطةٍ بتنظيم اقتراع الخارج، إذ إنّ تقلّص الكتلة الاغترابيّة يجعل أيّ مواجهةٍ تحت هذا العنوان أقلّ جدوى وأكثر كلفةً سياسيّة. وبالنتيجة، تتراجع شهيّة كثيرٍ من القوى لفتح ورشة تعديلٍ شاملةٍ لقانون الانتخابات، خصوصًا أنّ مشروع استحداث "ستّة نوّابٍ للاغتراب" يفترض حجمًا تمثيليًّا أوسع بكثيرٍ ممّا تعكسه الأرقام الحاليّة، ما يجعل المقترح في حكم السّاقط سياسيًّا، ولو لم يسقط رسميًّا في الهيئة العامّة بعد.

بهذا المعنى، تتحوّل الأرقام من مجرّد معطًى إحصائيٍّ إلى أداةٍ لإعادة توزيع الأوزان داخل طاولة التّفاوض السّياسيّ، بين من يريد تثبيت القانون كما هو، ومن يسعى إلى إعادة هندسته بما يراعي موازين القوى الجديدة، في الدّاخل كما في الشّتات.

 

ضغطٌ دوليٌّ هادئ: "كلفة" تقييد اقتراع الخارج

إلى جانب الاشتباك الدّاخليّ، يحضر العامل الدّوليّ بهدوءٍ، ولكن بإشاراتٍ واضحة. فالرسالة التي وجّهها عضوان في الكونغرس الأميركي إلى الرئيس الأميركي، وطالبا فيها بضمان حقّ جميع اللبنانيّين في الاغتراب بالمشاركة في انتخاب البرلمان، ليست تفصيلًا بروتوكوليًّا، بل تذكيرٌ بأنّ المسار الانتخابيّ اللبنانيّ موضوعٌ تحت المجهر الدّوليّ.

لا يعني ذلك أنّ رسائل الكونغرس تسقط أو تقرّ نصوصًا قانونيّة، لكنّها تدخل عنصر "الكلفة الدّوليّة" في حسابات من يفكّر بتقييد اقتراع الخارج أو استخدامه كورقة مساومةٍ داخليّة، في مرحلةٍ يحتاج فيها لبنان إلى كلّ هامش دعمٍ سياسيٍّ وماليٍّ.

 

مجلس النوّاب أمام الاختبار: تعديلٌ مدروسٌ أم تثبيتٌ للواقع؟

المرحلة المقبلة ستكون محكومةً بثلاثة مواعيد مترابطة: إعلان الأرقام النّهائيّة لتسجيل المغتربين، حسم مسألة تمديد المهلة من عدمه، وطريقة مقاربة مجلس النوّاب لمشروع القانون "المعجّل".

إذا جاءت الأرقام النّهائيّة قريبةً من سقف 55,000 مسجّل، فسيكون على الكتل النّيابيّة أن تجيب عن سؤالٍ بسيطٍ لكنّه حاسم: هل يستحقّ هذا الحجم من التّسجيل إعادة فتح معركة تعديل قانون الانتخابات، أم أنّ الوقت حان لتثبيت القواعد الحاليّة والاستعداد لخوض الاستحقاق ضمنها؟

في المقابل، إذا نجح التّمديد – في حال إقراره – في رفع الأرقام بشكلٍ ملموس، ستعود ورقة الاغتراب إلى الواجهة بقوّة، ويعاد طرح النّقاش حول توزيع المقاعد، وتنظيم الدّوائر، ومعنى "تمثيل الخارج" في بنية النّظام. فالقرار، في كلّ الأحوال، لن يكون تقنيًّا، بل سياسيًّا بامتياز، لأنّ كلّ تعديلٍ محتملٍ في القانون سيقرأ من زاوية من يربح ومن يخسر، من يضمن تجديد شرعيّته، ومن يغامر بتفكّك كتلته أو بظهور لاعبين جددٍ على حسابه.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث