الزيارة التي بدّلت قواعد اللعبة: سوريا تُعيد رسم اتجاهها

خلدون الشريفالاثنين 2025/11/17
Image-1763319795
انتقال صعب من سوريا المأزومة إلى سوريا الممكنة (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

في خطوة غير مسبوقة منذ نحو ثمانية عقود، دخل الرئيس السوري أحمد الشرع البيت الأبيض في زيارة حملت دلالات تتجاوز البروتوكول إلى إعادة تعريف موقع سوريا نفسها. فالعاصمة التي كانت طوال سنوات رمز الضغط والعقوبات، تحوّلت فجأة إلى البوابة التي تعلن عبرها دمشق عن بدايات عهد مختلف، عهد يحاول فيه الشرع إخراج بلاده من إرث التحالفات الثقيلة والحروب المتراكمة والانهيارات التي استنزفت المجتمع والدولة. لم يعد المشهد مقتصرًا على صورة رئيس سوري في المكتب البيضاوي؛ بل على سردية كاملة تقول إن سوريا الجديدة تريد أن تعيد صياغة موقعها الإقليمي والدولي وفق منطق البراغماتية والمصالح، لا وفق الشعارات التي كبّلتها عقودًا طويلة.

 

مشهد سياسي جديد: الشرع بين ماضي المقاتل ودور رجل الدولة

منذ لحظة وصوله إلى السلطة في أواخر 2024، تحرّك الشرع بخطىً محسوبة نحو إعادة وصل سوريا بالبيئة التي خرجت منها، وبالعالم الذي صارت خارجه. متَّنَ الربط مع تركيا، فتح قنوات مع الخليج ومصر، أعاد بلاده إلى الجامعة العربية، أطلق حوارًا تدريجيًا مع واشنطن، و زار موسكو. طرق الأبواب كافة، وفتح ما استطاع فتحه في سعي واضح إلى تحويل سوريا من ساحة إلى دولة تتعامل مع الجميع. ورَفْعُ اسم الشرع من لوائح العقوبات الدولية كان إشارة واضحة إلى أنّ القوى الكبرى مستعدة لاختبار هذه النسخة الجديدة من دمشق.

وفي مقابلته مع "واشنطن بوست"، بدا الشرع حريصًا على تقديم روايته الشخصية للتغيير. فهو لا يتبرأ من ماضيه كمقاتل، لكنه يعيد وصفه بصفته دفاعًا عن البلاد، لا مشروعًا للصدام. يقول إن الحرب غيّرت الجميع، بما فيهم هو، وإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى عقل الدولة لا عقل البندقية. يحاول الشرع هنا تحويل ماضيه من تهمة إلى رأس مال سياسي: رجل يعرف كلفة النزاعات، ويعرف لماذا ينبغي أن تنتهي.

 

رمزية الانطلاق من واشنطن وتأسيس صفحة جديدة

حين يتحدث الشرع عن "قرن من الدم وسوء الفهم" بين واشنطن ودمشق، فهو لا يطلق توصيفًا تاريخيًا؛ بل يقدّم خريطة طريق. ذهب إلى البيت الأبيض ومعه رؤية لإعادة هيكلة الاقتصاد، مكافحة الفساد، وتعديل موقع سوريا في الإقليم. وخلال محادثاته مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ذهب مباشرة إلى جوهر الأزمة: العقوبات التي دمّرت حياة المدنيين وعطّلت أيّة إمكانية للنهوض. طلب رفعًا لها مقابل مسار تعاون واضح، وتحدّث عن شراكة اقتصادية حقيقية يمكن للشركات الأميركية أن تكون جزءًا منها، في تحول جذري عن خطاب "الاكتفاء الذاتي" و"اقتصاد المقاومة" الذي رافق سوريا لعقود.

 

المسار الدبلوماسي: توماس باراك وبناء الجسور

لم يكن هذا الانعطاف ناتج مصادفة. فقد نسج مبعوث الرئيس الأميركي، توماس باراك، شبكة اتصالات عميقة بين دمشق وواشنطن، من وقف العملية الإسرائيلية في السويداء، إلى ردم الفجوة بين دمشق وبيروت، وصولًا إلى الإشراف على المحادثات السرية ثم العلنية بين سوريا وإسرائيل. وصف باراك الزيارة بأنها "تحول حاسم في تاريخ الشرق الأوسط"، مؤكدًا أنّ الشرع هو أول رئيس سوري يدخل البيت الأبيض منذ 1946. والأهم أنه روى، بتفصيل لافت، التزام الشرع أمام ترامب بالانضمام إلى تحالف دحر داعش، واعتبر هذا القرار "ينقل سوريا من مصدر للإرهاب إلى شريك في مكافحة الإرهاب".

بلغة أخرى، واشنطن نفسها تقول إنها ترى في دمشق الجديدة شريكًا، لا خصمًا. وهذه المرة الأولى منذ نصف قرن التي يخرج فيها مثل هذا الكلام من داخل البيت الأبيض.

 

سوريا وإسرائيل: خفض التوتر لا التطبيع

في هذا المناخ، بدا طبيعيًا أن يُفتح الملف الأصعب: العلاقة مع إسرائيل. لكن الشرع كان واضحًا منذ البداية. ما يجري ليس سلامًا ولا تطبيعًا؛ بل ترتيبات تمنع حربًا جديدة. الاعتراف بإسرائيل غير مطروح، والشرعية تأتي فقط عبر حلّ عادل للفلسطينيين وتسوية واضحة للجولان. ومع ذلك، يتقدّم مسار باريس ببطء، وتتراكم العقبات، من إصرار إسرائيل على نقاط استراتيجية داخل سوريا، إلى طرحها ممرًا إنسانيًا نحو السويداء، في حين تتمسك دمشق بخطوط اتفاق 1974 وبسيادتها.

كما أنّ حملة الادعاءات الإسرائيلية الأخيرة حول تهريب الصواريخ إلى حزب الله تندرج ضمن محاولة تل أبيب إقناع واشنطن بأن دمشق لم تتغير، وأن الإسلام السياسي بشقيه السني والشيعي يتممان بعضهما، وأن أفعال الشرع لا تتوافق وأفعاله كما لمح نتنياهو. لكن الرئيس السوري، إلى التراكمات الكبيرة السلبية بين إيران وحزب الله من جهة، وبينه وبين هيئة تحرير الشام وجمهور سوريا العريض من جهة أخرى، يدرك أنّ تحويل سوريا إلى ممر للسلاح كان الفخ الذي أسقط الأسد، وأنّ اللعب على الحدود اللبنانية السورية، قد يطيح مجمل مسار التحول الجاري. 

 

شرق سوريا: العقدة الأخطر في التوازنات الجديدة

هنا يظهر التعقيد. فالشرق هو خطّ تماس المصالح المتضاربة: الأميركي موجود، وقسد تناور، وتركيا ترى أمنها على المحكّ، ودمشق تحاول استعادة مؤسساتها من دون تفجير مواجهة جديدة. اللقاء الثلاثي الذي جمع باراك وهاكان فيدان وأسعد الشيباني رسم ملامح مرحلة مقبلة: دمج قسد داخل الدولة السورية الجديدة، ضمن إطار أوسع يجد فيه كل طرف فرصة للحفاظ على مصالحه من دون خسائر كبرى. شرق سوريا سيبقى اختبارًا فعليًا لمدى قدرة الشرع على تثبيت مفهوم الدولة لا مفهوم المناطق.

 

أولويات الداخل: المصالحة وإعادة بناء الدولة

في الداخل، لا يخفي الشرع أنّ سوريا تحتاج إلى مصالحة تاريخية، تُخرج البلد من فكرة الانتقام إلى فكرة الدولة. يعمل على هذه الفكرة بصعوبة. فهو يريد عودة الأقليات التي غادرت خوفًا، يريد فرض الأمن حيثما يستطيع لإشعار الناس بالأمان، يَعِد بانتخابات في 2026 تحت إشراف قضائي كامل. وهي، إن حصلت كما يقول، ستكون أول اختبار لشرعية سياسية مختلفة، لا شرعية الأمر الواقع التي حكمت سوريا طويلًا.

 

الدعم السعودي… رافعة إقليمية للمرحلة الجديدة

منذ سقوط النظام السابق، تحرّكت السعودية بهدوء ولكن بثبات لدعم مسار الشرع. شجّعت واشنطن على الانفتاح على دمشق، جمعت ترامب والشرع على أرضها، وقدّمت ضمانات عربية ساهمت في تثبيت الزيارة إلى البيت الأبيض، وتستعد اليوم للدخول في مرحلة إعادة الإعمار عبر الطاقة والبنى التحتية والزراعة. بالنسبة للشرع، يشكّل هذا الدعم عنصرًا أساسيًا في بناء التوازنات الداخلية والإقليمية، وركيزة ضرورية لانتقال سوريا من اقتصاد محاصر إلى اقتصاد قابل للحياة.

وما قاله باراك عن "التحالف الموسّع" الذي يجمع السعودية وقطر وتركيا لدعم سوريا الجديدة، ليس وصفًا سياسيًا؛ بل اعترافًا بأنّ المنطقة دخلت مرحلة إعادة تشكّل تُعيد دمشق إلى قلب الترتيب الإقليمي.

 

لبنان خارج الخريطة… وسوريا تعود

على الضفة الأخرى، تبدو بيروت غائبة تمامًا عن هذه التحولات. ففي الوقت الذي تعيد فيه دمشق رسم خرائط الطاقة والتجارة والاتفاقات الأمنية، لا يجد لبنان لنفسه مكانًا داخل أي مسار جديد إلى الآن. ولا شك أن الاعتداءات الإسرائيلية اليومية من جهة كما الانقسام الداخلي الحاد من جهة أخرى، توحي أن البلد ما زال في الموقع الشديد الخطورة، يضاف إلى ذلك غياب الرؤية الحقيقية للإصلاح الفعلي كما غياب القدرة على استنباط مشروع مستقبلي جديد للبنان.

ومما لا شك فيه أن الحاجة باتت ملحة لإعادة صياغة العلاقة مع سوريا بعيدًا عن حساسيات الماضي، لأن المشهد الإقليمي قيد التشكل لا ينتظر أحدًا.

 

الرباعي الإقليمي قيد التشكل… سوريا داخل معادلة جديدة

في عمق هذه التحولات، يتشكل رباعي غير معلن يضم سوريا وتركيا والسعودية والولايات المتحدة. رباعي لا يجتمع حول رؤية واحدة، لكنه يتقاطع حول مصلحة مشتركة: منع انهيار سوريا وإعادة إدماجها في المعادلات الجديدة. تركيا تريد حدودًا مستقرة، السعودية تبحث عن إعادة توازن عربي، وتنفيذ رؤية 2030،الولايات المتحدة تريد شريكًا محرّرًا من نفوذ إيران، وسوريا تبحث عن فرصة للوقوف. وصف باراك هذا التقاطع بأنه "رؤية بدأت من رجل واحد وأصبحت اليوم رؤية مشتركة لكثيرين"، وهو توصيف دقيق لتحوّل لم يعد نظريًا ولا ظرفيًا.

 

مرحلة تُعاد كتابتها… ومسار محفوف بالأسئلة

لا تبدو زيارة الشرع إلى واشنطن مجرد بداية لمسار جديد؛ بل بداية لإعادة كتابة موقع سوريا في المشرق. يريد الرجل إخراج بلاده من إرث الحرب ومن أحادية التحالف، لكنه يصطدم بواقع داخلي هشّ، وإقليم مضطرب، وقوىً لا تزال تختبر نياته. التحوّل الجاري يحتاج إلى بيئة مستقرة يُفترض أن يوفرها الرباعي المتشكل حول سوريا، لكن إسرائيل تراقب هذا المسار بعين الشك وتحاول فرملته، وشرق سوريا ما يزال ساحة توازنات دقيقة، والمشهد اللبناني يزيد الضغط على دمشق بدلاً من أن يخففه.

يبقى قانون قيصر، كما قال باراك، العقدة الكبرى. إلغاؤه سيمنح سوريا فرصة حقيقية للانطلاق، أما بقاؤه فسيعيد تثقيل كل خطوة. وهكذا تقف دمشق اليوم أمام مفترق فريد: إمّا أن تثبّت موقعها الجديد داخل معادلة إقليمية ناشئة، وإمّا أن تقع في الفراغ الذي يبتلع الدول حين تُخطئ الحساب أو تتراجع اللحظة المناسبة.

في هذا التقاطع بين الفرص والمخاطر، يحاول الشرع هندسة انتقال صعب من سوريا المأزومة إلى سوريا الممكنة، في لحظة يبدو فيها الشرق الأوسط كلّه كأنه يعيد رسم خرائطه، ويختبر للمرة الأولى منذ عقود ما إذا كانت دمشق قادرة على أن تكون جزءًا من الحل، لا امتدادًا للأزمة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث