دولة الدويلات اللبنانية

أحمد جابرالسبت 2025/11/15
Image-1763139986
لبنان الحالي، العتيق تاريخياً، ما زال منقوص التكوين (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

هل نجح اللبنانيون في الانتقال من ضفتهم السكانية المؤطرة ضمن جغرافيا أرضية، إلى ضفة الشعب الذي يُعرف "بهويّة" ناجزة محددة؟ وهل تمكّن "الجمع" البشري المتحرّك بين حدود الأرض وحدود الانتشار فوق كل أرض، من الانتقال إلى اجتماع ذي ثوابت مشتركة، وذي ضوابط عامّة، وذي "مباحٍ وممنوعٍ"، باسم القانون الذي يعلو فوق كل ما عداه من قواعد ضبط وانضباط؟

 

على صعيد نظري، الاجتهاد بالاستناد إلى علم الاجتماع وفروعه، يسمح بصياغة خلاصيات تُثَبِّتُ حقيقة وجود المجتمع، أو تشكّك في واقع تشكّل هذه الحقيقة كبنيان متضافر الأركان. لكن كم تقوى الحقيقة في لبنان، على مواجهة الواقع الذي يعترضها في استوائها كحقيقة معلومة ومفهومة، على الألسن وفي الأذهان.

لبنان الكبير الذي اجتاز عمره حاجز المئة من الأعوام، ما زال يحبو على دروب النشأة العسيرة، هذا يطرح السؤال حول عدد السنين الكافي لاشتداد عود كل وطن كوطن، ويطرح السؤال أيضاً حول معنى أو معاني، ألاّ يصير الوطن وطناً بعد أن يحمل على كاهله أثقال قرن من الأيام. لو تشاءمنا لقلنا: إن "البلد" الذي لا يصير وطناً بعد مئة عام، هو بلد غير مرشح لأن يبلغ درجة الوطنية، بعد تلك الرحلة المديدة، لذلك يعود السؤال ليطرح حول السبب التكويني، أو الأسباب النشوئية المتنافرة التي حالت دون النجاح في بناء أرض لقاء لثوابت مشتركة، تنتظم ضمن أطر وعلاقات "بشرية" متداخلة، وتنظمها مؤسسات وهيئات ما فوق أهلية، بحيث يكون الما فوق "ضابط إيقاعي" يرعى الدولة الناشئة، التي تصير دولة متطورة، تحمل في طياتها "دولة عميقة" تظل حارسة المصالح المتداخلة في أوقات الأزمات، وأثناء محطّات الصراع الخطيرة.

 

لبنان الحالي، العتيق تاريخيّاً، ما زال منقوص التكوين وطنيّاً ومجتمعيّاً، ذلك أن شروط نشأته، ككيان، ظلّت هي شروط استمراره في الزمان، ولأن في "الأصلِ غُبْنٌ والفروع توابعٌ"، فقد تابع الفرع إعادة استنبات الأصل، فكانت النتيجة استنساخ صور "الأهليات- الجماعات"، استنساخاً مستداماً، وكان تكرار الأزمات تكراراً دائماً، فصار ما يحيط بنا الآن، ذات ما كان يحيط بأجيال الأجداد.

واقع الحال اليوم يعيد تظهير حالة قديمة واجهت بالرفض الانضمام إلى كيان جديد. تجميع المتباعدين الموزعين بين "لبنان المتصرفية" وبين الولايات العثمانية، كان أشبه باقتلاع قسري لفريق كان يخشى ابتلاعه من قبل المحيط الواسع الذي نُقِلَ إليه، ولفريق كان خائفاً من المصير المجهول الذي رُحِّلَ إليه، بعد انتزاعه من بيئته الأم التي كان آمناً في ظلال اطمئنانها.

بين حنين المقتلع وتجدّد هواجسه، وحسابات المرحّل وخوفه من سوء عاقبة مصيره، ترسّخت "كيانات" منعزلة "وجدانياً" ومتصلة، "تواجديّاً" العلاقات بين هذه الكيانات ظلّت علاقات توجّس، وما ظهر من بوادر اندماج داخلي في النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي، كسره "نظام الأهليات" لأنه رأى في مآل الاندماج إمكان وطنية تؤسس لنظام يزيح سيطرته وينفيها.

 

عودة إلى الذاكرة، تسمح بسرد عدد من الأحداث الكبيرة التي تؤكد أن "الخوف" المتبادل، كان صلة الوصل بين ذوي الأصول المتباينة، وفقاً لتعريف تاريخي متباين، ولتعريف أصل وفصل متباينين أيضاً.

لقد انفجر التباين في صيغة صدامات أهليّة معلومة سنة 1958 كانت عنواناً "لثورة"، إعلاناتها سياسية، وقواها الحيّة أهلية. سنة 1975، تكررت "الثورة" فصارت حرباً أهلية تضخمت سياسات قومية وعربية، ولبنانية وفينيقية، لكن قواها الحية، كانت ذات انتساب أهلي غالب.

ومن دون إطالة، لم تفلح اتفاقية الطائف، في التأسيس لكائنات لبنانية جديدة، لذلك لم تنبت في الأرض الداخلية نبتة وطنية ذات مواصفات عامة، تعتني بها الخاصة والعامة. سريعاً، وفي امتداد لمرحلة التصدي للاحتلال الإسرائيلي، عاد المشهد لينقلب من قوى تتصدى لأعباء مهمة وطنية جليلة، يُظنّ بها أن تكون جامعة، إلى انقسام قوى حول المهمة ذاتها، وحول طبيعة القوى الأساسية المشاركة فيها، وحول ارتباطات هذه القوى وأهدافها الداخلية.

ويستمرّ الجدال، ويتأخر التوافق حول تعريف آني، لأن كل جمع أهلي عاد إلى هواجسه المصيرية؛ أي إلى موروثه الكياني، القسري من جهة، والاقتلاعي من كل الجهات.

 

نقل الكلمات إلى جغرافيا صدورها، تقدم دليلاً بيانيّاً واضحاً عن مرجعية الأهليات الثقافية والتاريخية والسياسية، مثلما تشرح بلا التباس، حقيقة مطالبها وحقيقة دوافعها، وحقيقة انتمائها... من القول إلى القائل.

انتقلت الشيعية السياسية بقيادة ممثّليها إلى "دولة" النضال ضد الاحتلال وضد الاستكبار وضد التبعيّة... وانتقلت المارونية السياسية بقيادة مرجعياتها الدينية والدنيوية، إلى "دولة" السيادة والاستقلال والحداثة والمدنية والانفتاح على "الكيانية" العالمية.

ولم تنتقل السنية السياسية من اعتقادها بأنها "أمّة" وليست طائفة أو حزباً، فاعتصمت بسياسة المطالبة بحصتها بصمت، وثبتت على سياسة الاستعانة بعمقها الإسلامي، المسمّى عربيّاً، فتنقلت بين نجدة الناصرية ونجدة "الكفاحية الفلسطينية"، ومع هذه وتلك ظلت قاعدة العون سعودية خاصة، وخليجية عموماً.

 

عَمَّ ينقشع المشهد؟ ينقشع عن دولة سيادية ودولة نضالية و"دولة- أمّة"، ثلاث دول تجتمع إذا ما لاح لها تهديد "دولة وطنية"، فإذا تبدّدت عناصر التهديد، فكّت الدول الأهلية تحالفها الظرفي، ثم عادت إلى سابق سيرتها من النقاش "حول جنس الملائكة".

تعيش "الدول الأهلية" حالياً حالة نزاع عالي الوتيرة. الخطاب العالي من حدود التماس له صوت الرصاص الحي من جهة، وللكلمات صوت الرصاص أيضاً، من جهة أخرى. الكل يطلق على الكل، والكل يطلق على الدولة الرسمية، عندما يصدر عنها ما يأخذه أرباب "الدول الرديفة"، على محمل التعارض مع سياساتها.

بين إطلاق أهلي حرّ، ناري، وإطلاق أهلي كلامي – ناري، تتساءل المجموعات عن الاحتمالات المحيطة بمصائرها، أصحاب السؤال يقيمون على قلق، الشيعة سمّوه قلقاً وجوديّاً، والموارنة يسكنهم قلق مصيري، والسنّة يخفون قلقهم لاعتقادهم بأنهم واسطة العقد بين مختلف الدول، لكنهم وهم يخفون القلق، لا يتجاهلون متغيّرات الإقليم، ولا رعاية الرعاة لهذه المتغيّرات.

أين تقف الدولة الرسمية بين هذه الدول- الدويلات؟ تقف على خاطر هذه الدويلة، وتهدئ من روع تلك الدويلة، وتسترضي الدويلة الطافرة...

وأثناء ذلك، هل يمكن الحديث عن أكثرية صامتة تراقب أقوال الدويلات ولا تفعل أفعالها؟ ربما كان التدقيق ضروريّاً بمسألة كم الأكثرية أكثرية، وكم الأقلية أقليّة، في ظل سيادة الخطابات الدويلاتية. لكن، ومن باب القول الواقعي، إن وجدت الأكثرية، صامتة أو مهمهمة، ستكون في حال انتظار وجود دولة الدويلات اللبنانية، دولة تعلو تلك الكيانات، وتتعايش معها، لكنها غير مؤهلة لإزاحتها دفعة واحدة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث