الطوائف المؤسِّسة... أسطورة أخرى للاستهلاك!

نزيه درويشالجمعة 2025/11/14
C:\Users\Rainbow10\Desktop\201508\pic\مظاهرة ضد النظام الطائفي في الحمراء 2.jpg
أكثر الاستخدامات الحزبية جرأة وإثارة للانتباه جاءت حديثًا من "الثنائي الشيعي" (علي علوش)
حجم الخط
مشاركة عبر

في لبنان، لا تنضب مخيّلة الطبقة السياسية في ابتداع المفاهيم التي تبرّر استمرار نظامها الطائفي وهيمنتها عليه. فإضافة إلى »الميثاقية«، و»العيش المشترك«، و»التوازن الوطني«، التي انتهت إلى »ثلثٍ مُعطِّل« للحكم والدولة، عاد إلى الواجهة في العقود الأخيرة مصطلحٌ يُراد له أن يحمل طابع القداسة:» الطوائف المؤسسة للكيان اللبناني«. 

عبارة رنّانة تتكرّر في خطب السياسيين كما في البيانات الحزبية، وتُقدَّم كأنها حقيقة تاريخية ودستورية ثابتة، بينما هي في الواقع مقولة زائفة ومضلِّلة لا وجود لها في أي نصّ دستوري أو وثيقة تأسيسية.

 

من أين جاءت هذه العبارة؟

لم تظهر فكرة »الطوائف المؤسسة« مع إعلان »دولة لبنان الكبير« عام 1920، ولا في دستور 1926، ولا حتى في »الميثاق الوطني« عام 1943. كل ما كان مطروحًا آنذاك هو تسوية سياسية بين زعامات »تمثّل« مسيحيين موارنة ومسلمين سنّة، لإرساء شراكة في الحكم وتوازن في الهوية بين »لبنان المستقل عن محيطه« و»لبنان العربي«.

إنما الجذور الفكرية لهذه السردية تعود إلى تجربة جبل لبنان في القرن التاسع عشر، حين نشأت القائمقاميتان ثم نظام المتصرفية (1842–1915)، في إطار محاولة العثمانيين والأوروبيين تهدئة الصراعات الدموية بين الموارنة والدروز عبر تقسيم الجبل إداريًا. منذ ذلك الحين، ترسّخت في الوعي المحلي فكرة أن »الموارنة والدروز هما الطائفتان المؤسستان لإمارة الجبل«، رغم أن التجربة كانت في جوهرها تسوية أمنية وإدارية مفروضة من الخارج، لا مشروعًا وطنيًا متكاملًا.

وكما يذكّرنا المؤرّخ كمال الصليبي، لم تكن إمارة جبل لبنان، التي يُستشهد بها عادة كمهد »الكيان اللبناني«، دولة طائفية بالمعنى اللاحق، بل سلطة محلية شبه إقطاعية خضعت لتوازنات داخلية بين زعامات، لا بين »طوائف«ومع إعلان دولة لبنان الكبير سنة 1920، اتسعت الفكرة لتشمل السنّة والشيعة، فتحول التوازن القديم إلى نموذج تأسيسي متخيَّل تُبنى عليه شرعيات متبادلة.

إذًا، وقع الخطأ التاريخي حين جرى تحويل تلك التجارب الإدارية المحدودة في الجبل إلى أسطورة تأسيس وطني، تُستعمَل اليوم لتبرير الامتيازات والمحاصصات، وكأن الدولة الحديثة استمرار طبيعي لإمارة طائفية سابقة.

ومع احتدام الانقسامات الطائفية، منذ منتصف القرن العشرين، عادت بعض النخب السياسية والثقافية تتحدث عن الطوائف بوصفها كيانات سياسية ساهمت في »تأسيس الكيان«. ومع الحرب الأهلية (1975–1990) ثم اتفاق الطائف (1989)، أصبحت المقولة أكثر حضورًا في الخطاب العام، كأنما اللبنانيون ليسوا مواطنين في دولة واحدة، بل أبناء طوائف متساوية (أو غير متساوية) في »الفضل التأسيسي«.

 

زيف التشبّه بـ »الدولة–الأمة«

لكن ما الذي يعنيه أن تكون »مكوّنًا مؤسِّسًا« لدولة؟ 

في المفهوم السياسي الحديث، الدول لا تؤسسها طوائف ولا أحزاب، بل تُقام على عقد اجتماعي بين مواطنين متساوين أمام القانون، كما شرح ماكس فيبر. وتأسيس الكيانات لا يتم عبر الانتماءات الدينية أو العصبيات، بل عبر المؤسسات والقوانين والدساتير.

وحتى الدولة–الأمة في المفهوم الأوروبي الحديث قامت على وحدة شعبٍ يتشارك اللغة والتاريخ والحدّ الأدنى من الثقافة السياسية المشتركة. الأمة في هذا السياق، كما أوضح بندكت أندرسون في كتابه الجماعات المتخيّلة، هي مفهوم مدني–ثقافي، وليست جماعة دينية أو مذهبية.

فرنسا، مثلًا، لم تُبنَ كدولة كاثوليكية، رغم أن الكاثوليكية كانت الدين الغالب، بل كجمهورية علمانية تُعرّف نفسها بالمواطنة واللغة الفرنسية. حتى ألمانيا أو إيطاليا، وهما دولتان وُلدتا من رحم القومية، أسّستا وحدتهما السياسية على اللغة والإقليم والتاريخ المشترك، لا على الانتماء الديني.

أما في لبنان، فـ»الطائفة« ليست مفهومًا ثقافيًا أو سياسيًا جامعًا، بل كيان ديني مغلق، (التعبير لمهدي عامل)، له سلطاته الخاصة وأحواله الشخصية، ويُترجم انتماءه إلى حصة في الدولة. بالتالي، ما لدينا ليس »دولة-أمة« بل دولة طوائف أو بالأحرى »نظام محاصصة دائم«  يُعطي الطوائف حقوقًا دستورية تتعدّى حقوق الأفراد، وتعتدي عليها.

وحين يقول البعض أن لبنان »يشبه الدول القومية التي بُنيت على أساس جماعات متجانسة«، فهو يخلط بين القومية التي توحّد والطائفية التي تُقسّم. القومية الأوروبية، رغم ما فيها من إقصاء أحيانًا، كانت مشروعًا لبناء كيان وطني جامع فوق الانقسامات الداخلية، بينما الطائفية اللبنانية هي مشروع للحفاظ على انقسامات ما قبل الدولة، أي تحويل ما هو ديني إلى سياسي دائم.

تبدو هذه الحجة مغرية لأنها تمنح الطوائف نوعًا من »شرعية سياسية«،  كأن كل طائفة هي »أمة صغيرة« داخل الكيان اللبناني. لكن هذا منطق خطر جدًا، لأنه يساوي بين الطائفة والأمة، أي بين الانتماء الديني والانتماء السياسي. وإذا أخذنا هذا المنطق إلى نهايته، لكان من حق كل طائفة أن تُطالب باستقلالها السياسي أو الإداري الكامل، ولما أمكن قيام أي دولة مدنية أو ديمقراطية في مجتمعات متعددة مثل لبنان أو العراق أو سوريا.

من هنا، يصبح الحديث عن »طائفة مؤسسة« انزلاق خطير من مفهوم »المواطنة المشتركة« إلى مفهوم »الملكية الطائفية« للدولة. فإذا كانت طائفة قد أسّست، فهل يحق لها أن تعتبر طائفة أخرى »ضيفًا«؟ وإذا كانت جماعة تملك حق المقاومة أو التمثيل السياسي لأنها »مؤسِّسة«، فماذا عن الجماعات التي لم تُمنح هذا اللقب؟ أو التي تريد التمتّع بنفس الامتيازات »المسلَّحة« العاصية؟

إن هذا المنطق يقوّض فكرة الدولة نفسها، لأنه يفترض أن السيادة ليست للوطن ككل، بل لكيانات فرعية ساهمت في إنشائه. وهو ما يناقض حرفيًا مقدمة الدستور اللبناني التي تقول إن »لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه« و»جميع اللبنانيين سواء لدى القانون«.

 

»الدولة–المواطنة«

في القرن الحادي والعشرين، تجاوزت الدول الحديثة فكرة »الدولة–الأمة« نحو مفهوم دولة–المواطنة، حيث يصبح الانتماء السياسي قائمًا على العقد الاجتماعي لا على الأصل أو الطائفة.

فالمعيار الحديث لشرعية الدولة ليس أن تكون »تعبيرًا عن جماعة«، بل أن تكون إطارًا يساوي بين الأفراد ويضمن حرياتهم. لهذا السبب، يصبح الادعاء بأن »لبنان يشبه الدول الأمة« حجة واهية: فلبنان لم يعرف يومًا لحظة توحيد ما فوق-طائفي، بل عاش في حالة تقسيم دائم بين طوائف كلّ واحدة تعتبر نفسها مؤسسة للكيان، فوقه وليس ضمنه.

 

فائض القوة

الواقع أن مصطلح »الطوائف المؤسسة« ليس توصيفًا أكاديميًا، بل أداة خطابية تُستخدم، كفائض قوةٍ، كل مرة يشعر فيها زعيم أو حزب لبناني بتآكل شرعيته أو بتهديدٍ لموقعه أو لدوره في السلطة. ولتأكيد »حقوق مكتسبة« لا تستند إلى الدستور بل إلى روايات متخيّلة عن »التأسيس« و»الشراكة الأصلية« و»الركائز التاريخية للكيان«.

الهدف من هذا الاستخدام ليس تثبيت حقيقة تاريخية أو وطنية، بل هو سياسي-انتهازي: تكريس شرعية دائمة في المشهد الوطني، والقول أن مَن »أسّس« لا يمكن تهميشه أو حتى محاسبته.

 

الحاجة إلى أسطورة 

لا تختلف، في الحقيقة، هذه المقولة كثيرًا عن أساطير مشابهة في مجتمعات منقسمة: »الشعوب الأصلية«، »القوميات المؤسسة«، »العِرق السائد«... كلها صيغ لتبرير امتيازات قائمة، أو يُسال لُعابٌ عليها.

في لبنان، تحوّلت »الطوائف المؤسسة« إلى درع رمزي يحتمي به كل فريق عند الحاجة. فهي تتيح له الجمع بين الشرعية الدينية والتاريخية والسياسية، وتمنحه الحق في تجاوز المؤسسات بحجة تمثيل »مكوّن أصيل«.

لكن الأخطر أن هذا الخطاب يعيد تعريف المواطنة نفسها: فالمواطن ليس فردًا له حقوق، بل تابع لطائفة »مؤسسة«، ينال نصيبه من الدولة بحسب ما تعتبره قيادته »حقًا تاريخيًا«.

فحين يضعف الموقع الماروني، تُستحضر مقولة »الطوائف المؤسسة للاستقلال» لتذكير الآخرين بأن لبنان «رسالة» و«وطن نهائي» قام على توازنٍ دقيق بين المسيحيين والمسلمين. وفي كل مرة تُطرح فيها إصلاحات تقلّص الامتيازات الطائفية، كان يُعاد التلويح بتاريخ »الكيان الذي أسّسه الموارنة والسُنّة معًا». هذا بالرغم من محاولات، لم تكن فاشلة تمامًا، لـ«المارونية السياسية» في إدخال حدٍ معقول من مفاهيم الليبرالية والانفتاح.

أما الخطاب السنّي، فقد استخدم المنطق ذاته في مراحل مختلفة، ولا سيما بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005، حين اعتبر «تيار المستقبل» أن الطائفة السنّية «شريك مؤسّس في الميثاق والاستقلال»، وأن تهميشها يعني ضرب «أسس الكيان اللبناني».

ولم يكن الخطاب الدرزي بعيدًا عن هذا المنحى. فقد لجأ الزعيم وليد جنبلاط أكثر من مرة إلى استحضار إرث والده كمال جنبلاط، متحدثًا عن «الموحدين الدروز الذين كانوا في طليعة مؤسّسي الكيان اللبناني»، خصوصًا عند الحديث عن معركة الاستقلال سنة 1943 أو عن مشاركة الدروز في صياغة الميثاق الوطني. والهدف هو دومًا تثبيت صورة الطائفة الدرزية كـ«ركن تاريخي لا يمكن تجاوزه» في المعادلة اللبنانية.

 

آخر الواصلين 

غير أن أكثر الاستخدامات الحزبية جرأة وإثارة للانتباه جاءت حديثًا من »الثنائي الشيعي«، في لحظة »تجرّؤ« الدولة على مطالبة »حزب الله« تسليمَ سلاحه، تنفيذًا لقرارٍ مُتأخر كثيرًا ببسط سيطرة الدولة وحدها على كامل التراب، واستعادة قرار الحرب والسلم منه.

ففي 31  آب 2025، قال رئيس مجلس النواب نبيه بري، في كلمة بمناسبة الذكرى 47 لاختفاء الإمام موسى الصدر: »مَن يقود حملات التنمّر السياسي بحق طائفة مؤسِّسة للكيان اللبناني«..

كان ذلك أول استخدام صريح للمصطلح من زعيم شيعي في موقع رسمي. فبري، بصفته رئيسًا للسلطة التشريعية، لا يتحدث كمجرد زعيم طائفي، وإنما كركنٍ من أركان الدولة. ومع ذلك، اختار لغة تقسّم اللبنانيين إلى »طوائف مؤسِّسة« وأخرى، ضمنًا، »ملحقة أو طارئة«.

ولم تمضِ أسابيع حتى جاء الإفصاح الأوضح في كتاب »حزب الله« إلى الرؤساء الثلاثة بتاريخ 6 تشرين الثاني 2025، حيث ورد حرفيًا:

»بصفتنا مكونًا مؤسسًا للبنان الذي التزمناه وطنًا نهائيًا لجميع أبنائه، نؤكد حقنا المشروع في مقاومة الاحتلال والعدوان…«

الجملة تحمل شحنة رمزية كثيفة. الحزب لا يتحدث هنا باسم تنظيم سياسي وعسكري فقط، بل »بصفته مكونًا مؤسسًا للبنان«، أي بصفته ممثلًا للطائفة الشيعية برمتها، بما يفترض ضمنًا أن هذه الطائفة تملك صفة دستورية تأسيسية تمنحها حقًّا خاصًا في تفسير السيادة والحرب والسلم، والتصرّف بهما.

بهذا المعنى، وعلى أعتاب فقدان فائض قوته العسكرية، يعود الإبن الضال ليستلهم خطاب المارونية السياسية ويعيد إنتاجه كفائض قوة جديد، ولكن هذه المرّة على أنقاض دولة مدمَّرة واقتصاد منهار ومجتمع مفكّك.

 

الحاجة إلى تفكيك الأسطورة

تفكيك مقولة »الطوائف المؤسسة« ليس تمرينًا لغويًا، بل صار ضرورة سياسية وأخلاقية. فما دام اللبنانيون يقبلون بأن يُحكموا وفق أساطير التأسيس الطائفي، لن تقوم دولة المواطنة. وما دام الخطاب السياسي يستحضر الماضي لتبرير الحاضر، ستبقى كل طائفة تخاطب الأخرى بصيغة المانح والممنون. فيتحوّل الخطاب الوطني من سردٍ لتجارب سياسية مشتركة إلى جردة حساب بين الطوائف: مَن أسّس؟ مَن ضحّى أكثر؟ مَن يحمي الكيان؟ ومَن له الحصة الأكبر؟

في الانتظار، لا يبدو أن إعادة الاعتبار إلى مفهوم الدولة الحديثة قريب المنال. ربما تكون الخطوة الأولى نحوها في التوقف عن تصديق الأساطير!

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث