استعادة بورقيبة من الذاكرة

مصطفى علّوشالخميس 2025/11/13
Image-1762976746
بعد الهزيمة سنة 1967، بدا كلام بورقيبة أكثر واقعية (الرئيس التونسي أثناء زيارته لبنان 1965-Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

"ولي بين الضلوع دم ولحم    هما الواهي الذي ثكل الشباب

ولو خلقت قلوب من حديد      لما حملت كما حمل العذاب

ولا ينبيك عن خلق الليالي       كمن فقد الأحبة والصحاب"

(أحمد شوقي)

 

من رواية "عواصف في ذاكرة" غير المنشورة: 

"في فورة الأحاسيس القومية الثائرة، وفي ظل الخطابات الحماسية الشعبوية، قامت مجموعة من الجماهير العربية الطرابلسية المهتاجة بعروبتها، بالتسلل إلى حرم المدرسة لإجبار إدارتها على تعطيل الدروس احتجاجًا على زيارة رئيس تونس، الحبيب بو رقيبة، لكونه خائنًا للعروبة. 

خارج أسوار المدرسة كانت المظاهرات والأصوات التي تهتف لعبد الناصر وللوحدة العربية وتلعن الاستعمار والصهيونية، وتلعن بو رقيبة "الماسوني". أما في ملعب المدرسة، فقد كان الأب الناسك جان طنب، مدير المدرسة، يحاول تهدئة خواطر التلاميذ المذعورين.

قرر مناضل عربي يومها أن يتولى بنفسه إعدام "عدو الأمة وعميل الاستعمار المتلبس بثياب راهب". رمى حوضًا من أحواض الورود من على سطح المدرسة مباشرة باتجاه رأس الراهب الكرملي. أصاب المناضل هدفه بدقة، وقد يكون اعتقد أنه انتصر للعروبة والإسلام بفعلته. 

ساد الهرج والمرج... كان الأب جان مرميًا على الأرض والتراب البني الرطب يغطي وجهه والورود الحمراء منثورة حوله، وخيط رفيع من الدماء يتسرب من تحت رأسه.

لا شك أن العناية الإلهية وحدها أنقذت حياة الأب الطيب وأعطته الفرصة ليموت "موتة ربه"، بعد عمر مديد أمضاه متنسكًا، يجمع الفراشات ليحنطها ويصنفها في دير كرملي. قضى الراهب الباقي من عمره في الصلاة، وربما ردد دعاءً لرحمة روح المناضل المقدام، ليعفيها الله من عذاب الجحيم، على أساس أن نغفر لمن أخطأ أو أساء إلينا".

 

أردت أن أستعمل تلك الرواية من الذاكرة كمدخل للتعريف بأن ليس كلنا مصابون بالعمى الفكري. كان بورقيبة من أوائل القادة العرب الذين قدّموا قراءة واقعية، وغير شعبوية للصراع العربي- الإسرائيلي، مختلفة عن الخطاب التعبوي الذي كان سائدًا. 

رأى أن الصراع لم يكن بنظره "وجوديًا"؛ بل هو صراع سياسي على الأرض والحقوق يمكن التفاوض حوله. كان يعتبر أن طرح "إزالة إسرائيل" غير واقعي، لأنه يتجاهل وجود اعتراف دولي واسع بإسرائيل ضمن موازين قوى عالمية مختلة بالدعم الغربي المطلق لإسرائيل. لذلك، كان يرى أن الحل يجب أن يبدأ من الواقع كما هو، وليس كما يُريد العرب أن يكون.

في خطاب بأريحا في العام 1965، دعا بورقيبة العرب إلى قبول قرار التقسيم 181، وإقامة دولة فلسطينية على الجزء المخصّص للعرب، ثم التفاوض لاحقًا على تحسين الوضع أو العودة إلى بقية الحقوق. 

كان منطقه بأن خذ ما تستطيع اليوم، ثم طالب بالباقي من موقع دولة قائمة، لا من موقع مهزوم. هذه الفكرة بدت للكثيرين حينها خيانة، لكنها صارت لاحقًا أساس المسار الرسمي الفلسطيني والعربي.

 

كان بورقيبة يرى أن العرب منقسمون وغير منظمين عسكريًا ويعتمدون على خطابات تعبئة أكثر من اعتمادهم على خطط فعلية، بالرغم من أنهم لا يملكون ميزان قوى يتيح لهم الانتصار. قال عبارته الشهيرة: "نحن نغامر بالشعارات ونترك إسرائيل تستعمل العقل." وكان يدعو إلى تعويض ضعف القوة العسكرية بالقوة الدبلوماسية والسياسية.

رأى أيضًا أن العرب يتعاملون مع القضية الفلسطينية بعاطفية مفرطة، بدلاً من بناء مؤسسات ودولة فلسطينية تستطيع الإدارة والتفاوض، ثم الكفاح المنظم. كان يرى أن الفلسطينيين يجب أن يكونوا أصحاب المبادرة في إدارة قضيتهم، لا مجرد ورقة في يد الأنظمة العربية.

كان طرح بورقيبة نقيضًا لخطاب جمال عبد الناصر. فناصر كان ينتهج الشمولية، التعبئة، الوحدة عربية، والخطاب الثوريّ. في حين أن بورقيبة نهجه إصلاح تدريجي، مؤسسات، واقعية، ودولة القانون. 

 

بعد الهزيمة سنة 1967، بدا كلام بورقيبة أكثر واقعية. فكثير من المثقفين العرب كتبوا لاحقًا أن "خطاب أريحا" كان نبوءة سياسية. كان يرى أن السياسة هي فن الممكن، لا فنّ الأمنيات، والشرعية الدولية ليست تفصيلًا بل جزءاً من القوة، وأن التفاوض ليس خيانة بل وسيلة لإنقاذ ما يمكن، كما أن الصراع الطويل يحتاج إلى حل تدريجي لا انقلابيّ. لكن هذه الرؤية تقارب فلسفات البراغماتية الغربية، وتختلف عن المقاربة القومية الراديكالية.

في المقابل، فإن دافيد بن غوريون، أبُو الدولة الإسرائيلية ومهندسها، كان يؤمن بمشروع قومي طويل المدى، براغماتي عقائدي، يرى قيام الدولة هدفًا وجوديًا ينجز عبر مزيج من القوة العسكرية والتحالفات الدولية. هو رأى الصراع وجودياً وقومياً ودينياً-تاريخياً. فاعتبر أن إسرائيل لن تبقى إلا بالقوة والتفوق العسكري. كما أنه لا ثقة بالعرب ولا بالمجتمع الدولي. من هنا، يجب فرض الأمر الواقع على الأرض وبناء حقائق دائمة، معتبرًا أن الأمر الواقع أهم من القانون الدولي. فسعى إلى بناء جيش متفوق دائمًا وتهجير السكان العرب أو احتوائهم ديموغرافيًا، والتحالف الكامل مع الغرب، والتوسع عندما تسمح الفرصة عبر الاستناد إلى مبادرة العرب إلى الحرب.

 

من هنا، اعتبر بورقيبة أن الحرب خاسرة للعرب، وأن الحل الوحيد هو سياسة النفس الطويل والتفاوض. في حين أن ناصر ظن أن الحرب خيار مبدئي، ولو بمعنى الاستعداد لها. ورأى أن توازن القوة يمكن أن يتشكل بمرور الزمن.

أما بن غوريون فقد رأى في الحرب فرصة لبناء الدولة وترسيخها.

في المحصلة، فإنَّ بورقيبة سبق عصره، فما رُفض من أفكاره وقتها، أصبحت أمنيات الحاضر بحل الدولتين والمفاوضات وتوظيف الشرعية الدولية.

يمثل موقف الحبيب بورقيبة من الصراع العربي–الإسرائيلي أحد أكثر المواقف إثارة للنقاش في الخطاب العربي، فهو جمع بين براغماتية مبكرة وبين حدود فكرية وسياسية ظهرت لاحقًا مع تحولات القوة الإقليمية والدولية. ولتبيّن مكانة طرحه، يصبح من المفيد وضعه في مقارنة مباشرة مع طرحين أساسيين في المرحلة نفسها هما الطرح الناصري العربي من جهة، والطرح البنغوريوني الصهيوني من جهة أخرى، قبل الانتقال إلى نقد معاصر يعيد تقييم تلك الرؤية ضمن قراءة بنيوية لفلسطين بوصفها قضية استعمارية لا نزاعًا قانونيًا فقط.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث