تُمسك كلّ من إيران وإسرائيل خيوط اللعبة في لبنان اليوم. من جهة، يستند فريق إلى طهران بوصفها سنداً عسكرياً وسياسياً، من دون التّمييز بين مصلحته الخاصّة كمجموعة، ومصلحة إيران كدولة؛ فالدول، عادةً، تساوم على الجماعات من أجل مصالحها العليا.
ومن جهة أخرى، يتكوّن رأي عام مضادّ لا يرى مشكلة في أن تتولّى إسرائيل مهمّة مواجهة حزب الله، ما دامت الدولة عاجزة، من دون الأخذ بالاعتبار ارتدادات هكذا سيناريو على الداخل وعلى التزامات لبنان كدولة.
نحن إذن أمام مأزق مركّب (شديد التّعقيد): يُختصر بلد بكامله بصراع خارجي، يتحوّل معه اللبنانيون إلى أوراق ضغط وليس إلى أصحاب مصير.
تكمن خطورة هذا الاصطفاف في إصابة المجتمع برمّته بندوب جديدة وعميقة : إذا تغلّب السّلاح غير الشرعيّ، سيشعر جزء من اللبنانيين بأنّهم خارج المعادلة وتحت الوصاية. وإذا تغلّبت كفّة "الرّهان على إسرائيل"، سيشعر الجزء الآخر بأنّه مهدّد في وجوده وكرامته. في الحالتين يتوسّع الشّرخ بين اللبنانيين، ويتراكم "لا سلام" جديد فوق اللاسلام القديم، وهذا ما يُضعف "الأخوّة" فندخل هدنة جديدة بانتظار الجولة المقبلة من النزاع الأهلي.
سلام عام برعاية الدولة
"الأخوّة" هنا، فكرة سياسية وليست مجرّد عبارة شاعريّة، وإحدى أبرز مبادئ الثورة الفرنسية التي شكّلت نقطة تحوّل عالمي في مفهوم المواطنة والدولة. الأخوّة في السياسة تعني أن يرى كلّ طرف في الآخر شريكاً في المصير لا خصماً يجب كسره. فكلّ قضيّة، مهما علا صوت خطبائها، تصبح ادّعاءً فارغاً - بل خبيثاً- إذا تنكّرت لهذا المبدأ، فتكون الدولة ساحة لتصفية الحسابات، لا إطاراً يحمي الجميع.
إضافة لهذا التشرذم الداخلي، نعيش في إقليم نظامه متقلّب وحارق ويسوده عدم اليقين. أمام هذا الانكشاف ماذا يسع لبنان أن يفعل، دولة ومجتمعاً، غير الاستسلام وتحويل أزمته إلى مادّة للتنظير في المقاهي والتراشق عبر المنصّات؟
في الاقتصاد، لا تستطيع الدولة ترك الصحّة والتعليم والنقل لرحمة السوق وحده. لذلك وُجدت المدرسة الرسمية والمستشفى الحكومي، والنقل المشترك كشبكة أمان تحمي الأضعف. في السياسة، نحن بحاجة إلى منطق مشابه: لا يكفي أن نترك المجتمع لرحمة المحاور والأحزاب.. وحزب الله على رأس القائمة. فكما أن هناك صحّة عامّة وتعليم عام، يجب أن يكون هناك أيضاً سلام عام ترعاه الدولة، مستقلّ عن صفقات الطبقة السياسية وارتباطاتها وحسابات الخارج. فمأزقنا المركّب لا تُعالجه وصفات خطيّة وشعارات جاهزة؛ بل حلول عضويّة تنبت من قلب المجتمع ومن آليات عمل الدولة نفسها.
حماية السلم الاهلي أوّلاً
فإذا كانت الدول تعدّل في هيكلها كلّما تبدّلت حاجات المجتمع، عبر استحداث وزارات جديدة (للسعادة، للتحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي، للبيئة...)، يأتي اقتراح استحداث وزارة "بناء السلام" كضرورة ملحّة، لأن السلام اللبناني-اللبناني مفقود، تحتلّ مكانه الدعاية التحريضية والاستقطاب وخطاب الكراهية، في حين تبقى الدولة متفرّجة. ولأن السياسة الخارجية تُصنع في الداخل، المطلوب اليوم سلام داخلي يمكّن الدولة من تقوية موقعها مع الخارج، بدلاً من أن يبقى لبنان مهزلة على لسان المبعوث الأميركي، أو صندوق بريد للمرشد الأعلى.
وزارة "بناء السلام" هي جهة رسمية مهمّتها الأساسية حماية السلم الأهلي وتطويره. تعمل كغرفة عمليات مدنيّة ترصد مزاج المجتمع، تراقب مؤشّرات التوتّر والوصم، وتنسّق كلّ ما يتعلّق بالحوار والوساطة ومنع الانزلاق من الخلاف إلى المواجهة. هي المكان الذي يتعامل مع "الأخوّة" كمبدأ منظّم للسياسات العامّة، لا كحالة أخلاقية فرديّة أو وعظيّه.
بهذا المعنى تتحوّل الوزارة إلى منصّة لديبلوماسية متعدّدة المسارات: مسار رسمي تقوده الدولة، ومسارات موازية يقودها المجتمع والبلديات والنقابات والجامعات والهيئات الأهلية، تتغذّى بعضها من بعض.
هي شبكة حوارات ووساطات متزامنة، تشبه إلى حدّ بعيد ما قامت به مثلاً لجان السلام في جنوب أفريقيا، حين جرى ربط التفاوض الرسمي بحوارات ميدانية تحفظ المجتمعات من الانفجار. وميزة هذا المسار المتعدّد أنّه لا يكتفي بتهدئة التوتّرات، بل قادر على إحداث تغيير جذري في المشهد السياسي اللبناني. فتتحوّل هذه الشبكة إلى خزّان كوادر وخبرات، قادر على أن يُغذّي السياسة بوجوه جديدة ومقاربات مختلفة ورؤى خلّاقة نابعة من التجربة الميدانية، لا من غرف الأحزاب والزعامات المغلقة التي أكل الزمن عليها وشرب، وأكلت وشربت بدورها من المجتمع والدولة.
أدوات عمل الوزارة
عملياً تبدأ الوزارة من مسألة بديهيّة: إخضاع كلّ قرار حكومي أساسي لـِ "تقييم أثر على السلام". قبل إقرار أيّ إجراء كبير، يُطرح داخلها سؤال حول من يدفع الكلفة، وكيف تُعوّض، وما المخاطر على الثّقة بين المكوّنات اللبنانية، ثمّ تُرفع إلى مجلس الوزراء تقارير مختصرة، يمكن إطلاع الرأي العام عليها. هكذا يدخل السلم الأهلي في صلب صناعة القرار بدلاً من أن يبقى شعاراً عاماً في الخطابات.
في الوقت نفسه، تتولّى الوزارة تشغيل ورشة حوار من القاعدة إلى القمّة: لجان محلية مستقلّة في الأقضية والبلدات، تمثيل متنوّع، بروتوكول أمان واحترام، وتيسير مهني للنقاش. تَعقد هذه اللجان لقاءات دوريّة بأسئلة محدّدة لا بشعارات فضفاضة، وتخرج في كلّ مرّة بخلاصات مكتوبة: نقاط متّفق عليها، نقاط خلاف مُعلنة، وخطوات تالية بمهل ومسؤوليات واضحة. نشر هذه الخلاصات يجعل الناس شريكة ويفصل عملياً بين الحزب (أي حزب) وبيئته (وخصوصاً يُعطي صوتاً ومساحة للأكثرية الصامتة) عبر طمأنة الناس لا الزعماء، ويُعيد نقاش السلاح إلى مكانه الصحيح: بين الدولة وحزب الله، لا بين شيعة وباقين.
إلى جانب ذلك، تُدير الوزارة نظام إنذار مبكر وإجراءات سريعة: ترصد تصاعد خطاب الكراهية أو التوتّر في منطقة معيّنة أو حادثة قابلة للتحوّل إلى شرارة، فتتدخّل بأدوات مدنيّة.
بهذه الأدوات، تتحوّل وزارة بناء السلام إلى جزء من منظومة الدفاع الوطني، لا عبر السلاح أو القمع؛ بل عبر تحصين الجبهة الداخليّة، واعتبار العلاقة بين اللبنانيين ملفّاً بحدّ ذاته، يحتاج إلى سياسة وتمويل ومحاسبة، لا إلى خطابات فقط.
بين المثالية والواقع
قد يبدو كلّ ما سبق مثالياً في بلد تعوّد على سلطة أبويّة، وعلى علاقة بالسياسة تقوم على الخوف لا على النقاش، وعلى استخفاف بفكرة الحوار أصلاً. يُمكن بسهولة تسخيف الحديث عن وزارة لبناء السلام باعتباره ترفاً. لكن السياسة ليست فقط فنّ الممكن، هي أيضاً فنّ الرّغبة. من دون رغبة صريحة في حماية السلام اللبناني-اللبناني لا يُخصّص له وقت ومال وطاقة، سيبقى مجرّد مادّة تُستعمل في الخطابات.
الرغبة هنا ليست شعوراً رومانسياً؛ بل قرار بأن السلام بين اللبنانيين ليس كمالية بل شرط بقاء، وأن مواجهة المحاور الخارجية تبدأ من جبهة داخلية، لا ترى في نفسها جبهات متقابلة؛ بل شركاء يعيشون مع بعضهم البعض. إذا توفّرت هذه الرغبة، يصبح إنشاء وزارة لبناء السلام خطوة واقعيّة تماماً.
ففي زمن يتهاوى فيه معنى السلام عالمياً، قد يكون أهمّ ما يفعله بلد صغير مثل لبنان هو أن يبدأ من هنا بالذات: من الاعتراف بأن بيننا "لا سلام" متراكم يحتاج إلى هندسة معاكسة، وإلى مؤسسة اسمها "وزارة بناء السلام" باتت ضرورة.
