منذ أن استأنفت واشنطن قنوات التواصل مع دمشق بعد سقوط النظام وصولاً الى استقبال الرئيس السوري أحمد الشرع في البيت الأبيض، في أول زيارة رسمية لرئيس سوري للولايات المتحدة، عاد النقاش في بيروت حول موقع لبنان في الحسابات الأميركية. هل يعني هذا الانفتاح أنّ الولايات المتحدة قرّرت تحويل اهتمامها شرقاً نحو سوريا على حساب اهتمامها بلبنان، أم أنه جزء من إعادة تنظيم أوسع للنفوذ في المشرق، حيث يتداخل الملفان السوري واللبناني ضمن مقاربة واحدة؟
الجواب، حتى الآن، لا يوحي بانسحاب أميركي من لبنان؛ بل بإعادة توزيع للأدوار. فالإدارة الأميركية، بعد التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، باتت تنظر إلى المنطقة كوحدة مترابطة، تتحرك فيها السياسة الخارجية عبر مستويات إقليمية متكاملة، لا عبر ساحات منفصلة.
من"إدارة الأزمة" إلى "إدارة النفوذ"
المرحلة الراهنة تُظهر تحوّلاً في أدوات واشنطن أكثر مما تُظهر تبدلاً في أهدافها. فهي لم تتخلَّ عن التزاماتها تجاه الجيش اللبناني الذي لا يزال ضمن محور المساعدات الأميركية، لكنها أصبحت تتعامل مع الملف اللبناني من زاوية "إدارة النفوذ" لا "إدارة الأزمة".
هذا يعني أن الدعم العسكري والتعاون الأمني مستمران، لكنّهما محكومان اليوم بشروط تتصل بالإصلاحات، وضبط الحدود، وتطبيق القرارات الدولية، وأهمها سحب سلاح حزب الله، من دون أن يصاحبهما اندفاع سياسي أو تغطية دبلوماسية، كما أنها لا تمارس أي ضغط على إسرائيل لإرغامها على تنفيذ التزاماتها من اتفاق وقف الأعمال العدائية الذي وُقّع عليه في 26 نوفمبر 2024.
سوريا مدخل لتوازن إقليمي جديد
في المقابل، يظهر الانفتاح الأميركي على دمشق كجزء من مقاربة إقليمية أوسع. فبعد تثبيت اتفاق وقف النار في غزة، باتت واشنطن تنظر إلى سوريا بوصفها "نقطة ارتكاز" يمكن عبرها الحدّ من تمدّد النفوذ الإيراني في المشرق.
الوساطة السعودية كانت المدخل الأساسي لهذا المسار، الذي يستند إلى فكرة إعادة دمج دمشق ضمن الإطار العربي والدولي. والولايات المتحدة تتعامل مع هذه العملية كاختبار لإمكان خلق توازن جديد. ولهذا السبب بدأت برفع العقوبات الاقتصادية المعروفة بقانون قيصر. كما أن المفاوضات السورية-الإسرائيلية المباشرة مع إسرائيل للوصول إلى اتفاق أمني وتبادل معلومات استخباراتية لا تزال قائمة. وهذا الاتفاق تريده إدارة ترامب أن يصل إلى التطبيع، في حين تحاول سوريا أن تتمسك في هذه المرحلة باتفاقٍ أمني بحت، هدفه الأساسي وقف الخروقات والاعتداءات الإسرائيلية على سيادتها.
اتفاق من هذا النوع يسعى إليه الجانب اللبناني أيضاً، وإن كان شكل التفاوض في بيروت لا يزال رهناً بمعطيات مختلفة. وتجدر الإشارة إلى أن التطبيع السوري المحتمل مع إسرائيل، إذا تم، سيضع بيروت أمام معضلة سياسية كبرى؛ إذ لطالما كان الموقف الرسمي اللبناني يقوم على قاعدة أن "لبنان لن يطبّع قبل سوريا".
ومن جهة ثانية، المطلوب من دمشق القضاء على التطرف السني، في ما يُعدّ انقلاباً على تاريخ الرئيس أحمد الشرع السياسي، وهو ما يفسّر انضمام سوريا إلى التحالف الدولي ضد الإرهاب خلال لقائه بالرئيس الأميركي دونالد ترامب.
إلا أن الهدف الأميركي الأوسع، لا يقتصر على الإرهاب المتمثل بجماعات مثل "داعش"؛ بل يمتد أيضا إلى القضاء على مظاهر التطرف الشيعي أيضاً في المنطقة، وهو ما يطرح تساؤلات حول كيفية انعكاس هذا التوجّه على لبنان.
في هذا الإطار، يُنظر إلى سوريا كعامل مؤثّر في استقرار لبنان لا كبديل عنه. فتغير علاقة دمشق بطهران، أو سيطرتها على المعابر الحدودية، ستكون له انعكاسات مباشرة على الوضع اللبناني. لذلك فإن المسارين اللبناني والسوري يسيران متوازيين، حتى إن بدا أحدهما أكثر نشاطاً في المرحلة الراهنة.
سياسة الضغط الأميركية
تشير التحركات الأخيرة إلى أن الإدارة الأميركية تنتهج سياسة الضغط تجاه لبنان، بعد مرحلة تقييم ومراقبة. تقوم هذه السياسة على الجمع بين استمرار الدعم العسكري، ووضع سقف واضح للتوقعات اللبنانية، بحيث يُترك للبنان مجال محدود للتحرك قبل أن تقدم واشنطن أيّة تسهيلات إضافية.
الهدف من هذا النهج هو دفع الدولة اللبنانية إلى اتخاذ خطوات ملموسة في ملفات الإصلاح وتعزيز السيادة، بما يشمل ضبط الحدود وتطبيق القرارات الدولية ومكافحة التمويل غير المشروع. داخل الإدارة الأميركية نفسها لا يوجد إجماع كامل حول ترتيب الأولويات بين لبنان وسوريا، فبعض الدوائر يدعو إلى المضيّ في المسارين معاً. في المقابل، يرى اتجاه آخر أن توظيف التقارب مع دمشق يمكن أن يكون وسيلة ضغط على بيروت في ملفات السلاح والقرارات الدولية.
أما الاتجاه الثالث، وهو الأقل حضوراً، فيدعو إلى تقليص الانخراط في الملفات اللبنانية، والاكتفاء بالحفاظ على الحد الأدنى من الحضور، حتى الوصول إلى مقاطعته تماماً، كما حدث أيام وزير خارجية الولايات المتحدة جورج شولتز. في كل الأحوال يفسّر هذا التريث في الإعلان عن سياسات جديدة، انتظار تقرير السفير الأميركي الجديد ميشال عيسى الذي يصل الى بيروت نهار الجمعة، ويترك له تقديم تصور دقيق عن جاهزية المؤسسات اللبنانية للاستجابة لمعايير هذه السياسة، قبل تحديد أولويات الإدارة الأميركية للمرحلة المقبلة.
بين المقاربة الإقليمية والمصالح اللبنانية
لبنان لم يخرج من دائرة الاهتمام الأميركي، لكنه ليس أولويتها. فالمقاربة الأميركية الجديدة تسعى إلى خلق توازن طويل الأمد في المنطقة، حيث تُدار الملفات المترابطة من سوريا إلى لبنان ضمن رؤية موحدة، هدفها احتواء النفوذ الإيراني وتثبيت الاستقرار بعد الحرب، والوصول إلى التطبيع، من دون الانخراط العسكري أو السياسي المباشر.
لا مؤشرات حتى الآن إلى أن تقارباً أميركياً- سورياً يجري على حساب لبنان. الأقرب إلى الواقع أن واشنطن تختبر إدارة مختلفة للنفوذ، تستخدم فيها المسار السوري لتثبيت معادلات جديدة في المشرق، مع الإبقاء على خطوط الدعم للبنان مفتوحة.
الرهان الأميركي يقوم على أن الاستقرار في دمشق يمكن أن يخلق توازناً يمنع الانفجار في بيروت. أما التحدي الحقيقي، فهو ما إذا كان لبنان قادراً على استثمار هذا التبدّل ليحافظ على موقعه في الخريطة الجديدة، أم سيكتفي بدور المتلقي في لعبة تتغير حدودها من حوله.
