"المدن" تعاين الحدود وناسها: جدارٌ وقضم ورائحة حرب!

نغم ربيعالأربعاء 2025/11/12
Image-1762888856
تحاول إسرائيل ربط الجدران الإسمنتية على طول الحدود من دون أي تثبيت للنقاط المتنازع عليها (علي علوش)
حجم الخط
مشاركة عبر

على الطريق الممتدّ نحو الجنوب، يلوح المشهد كأنه لوحة حرب معلّقة بين الحياة والموت. الأعلام الصفراء والخضراء تتناوب على الأعمدة، وصور الشهداء تتدلّى على مداخل القرى، مع شعارات منها "اليد التي ستمتد إلى سلاح المقاومة، سنقطعها". بين صورة وأخرى، محلّ صغير لبيع الورود، يعرض أكاليل الوداع المزيّنة بالمجسّمات البيضاء والوردية. فكلّ يوم تقريبا، هناك تشييع جديد في الجنوب. كأن الحداد صار جزءاً من دورة الحياة اليومية.

 

من "الدفاع" إلى التمدّد

وصلت "المدن" إلى الخطوط الأمامية، في الجنوب، حيث لا شيء يوحي بالهدوء. الطائرات المسيّرة لا تغيب عن السماء، والتعزيزات العسكرية مستمرة على طول الخط الأزرق، في حين أنَّ العدو يواصل تنفيذ هندسته الميدانية، عبر رفع جدار إسمنتي في محيط عيترون، وطرق عسكرية تُشقّ في عمق التلال المقابلة لمارون الراس.

عبر ما رصدته "المدن"، الواضح أن ما تقوم به إسرائيل لا يدخل في إطار الدفاع؛ بل في مشروع توسّعٍ محسوب. الجدار الذي رفعته لا يقف عند الخط الأزرق؛ بل يمتدّ في عمق الأرض اللبنانية المحتلة، كجزءٍ مما تسميه "منطقة أمنية متقدّمة". 

إثر اتفاق وقف إطلاق النار في 27 من تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، احتفظ الجيش الإسرائيلي بعدد من المناطق التي كان قد احتلها خلال الحرب من جنوب لبنان، بذريعة عدم التزام حزب الله ببنود الاتفاق.
وتحديداً في 18 شباط/ فبراير 2025، أعلنت إسرائيل رسمياً أن جيشها سيبقى متمركزاً في 5 نقاطٍ استراتيجية داخل الأراضي اللبنانية، تمتدّ من القطاع الشرقي إلى القطاع الغربي.

بدأت هذه النقاط من تلة الحمامص عند أطراف بلدة الخيام، حيث عمل الجيش الإسرائيلي خلال الأشهر الأخيرة على توسيع الموقع وتحصينه، وتجهيزه بمدرجٍ لهبوط الطائرات المروحية ومنصّةٍ لإطلاق المسيّرات الهجومية.
إلى جانبها، أقام العدو موقعاً دائماً في تلة الدواوير بين بلدتي حولا ومركبا، ونقطة ثالثة في تلة جلّ الدير داخل نطاق بلدة عيترون، ورابعة فوق تلة جبل بلاط المشرفة على مروحين، وصولاً إلى تلة اللبونة قرب الناقورة عند أقصى الجنوب الغربي.

كانت هذه النقاط الخمس، حتى مطلع عام 2025، تمثّل أبرز خروق الاحتلال داخل الأراضي اللبنانية. غير أنّ المشهد تغيّر، ففي آب/ أغسطس من العام نفسه، وبعد تنفيذ الجيش الإسرائيلي عمليات توغّلٍ بريةٍ جديدة، أضاف 3 نقاطٍ أخرى إلى خارطة احتلاله، ليصبح مجموع المواقع 8 الممتدة على طول الخط الأزرق.

أولى هذه النقاط الجديدة كانت في خلة المحافر جنوب بلدة العديسة، وهي تلة استراتيجية تُشرف على المنطقة المحيطة من الشرق والغرب، وتقع عند السفح المقابل لموقع "مسكاف عام" الإسرائيلي. هناك، شيّد العدو تحصيناته وحوّلها إلى نقطة مراقبةٍ ثابتة.
أما النقطة الثانية فكانت عند الجدار الفاصل قبالة بلدة كفركلا، حيث أنشأ الجيش الإسرائيلي بدايةً نقطة حراسةٍ موقتة، قبل أن يعزّزها بالتحصينات ويعتمدها كمركزٍ دائم.
وتمركزت النقطة الثالثة فوق تلة الحدب في خراج بلدة عيتا الشعب، وهي منطقة سبق أن شهدت توغلاتٍ متكررة خلال الأعوام الماضية، قبل أن يعيد الاحتلال تثبيتها كنقطةٍ متقدمة ضمن ما يُعرف بـِ "المنطقة الأمنية المتقدّمة".

وبهذا، تحوّلت عمليات التوغّل المحدودة إلى احتلالٍ فعليٍّ لثلاث نقاطٍ إضافية داخل الأراضي اللبنانية. ومع توسعة التحصينات وربط المواقع بعضها ببعضٍ عبر الجدار الإسمنتي نفسه، تسعى إسرائيل إلى خلق منطقةٍ عازلةٍ جديدة تحت شعار "الأمن"، حيث تُرسّخ واقعاً ميدانياً يتجاوز الخط الأزرق، وتفرض على الأرض ما تسعى لاحقاً لتكريسه سياسياً.

 

ضغط سياسي وأمني

ترغب إسرائيل في تحويل الجيش اللبناني من جيش دولة إلى شرطة حدود تعمل لحساب العدو، عبر الضغط عليه ليقوم بمهام تفتيش المنازل في القرى الحدودية، بحثاً عن أسلحة لحزب الله. وهذا الضغط يتجاوز البعد الأمني. فتل أبيب تسعى إلى إعادة تشكيل المعادلة الجنوبية.

إسرائيل تتصرّف على قاعدة أن ما يُفرض ميدانياً سيتكرّس سياسياً لاحقاً.
قواتها تحاول ربط الجدران الإسمنتية على امتداد الحدود، من دون أي تثبيت للنقاط المتنازع عليها، وقبل الدخول في أيّة مفاوضات لترسيم نهائي.

لكن خلف الجدار، هناك أيضاً معركةٌ دبلوماسية لا تقلّ سخونة. فالإسرائيلي ما زال يُبلغ الأميركيين أن حزب الله يعزّز بنيته التحتية في الجنوب. وقد عرض على المبعوث الأميركي جاريد كوشنر صوراً وتقارير يدّعي أنها تثبت ذلك.
بواسطة هذه التقارير، يحاول إقناع واشنطن بأنّ التصعيد ضد لبنان ضرورة استراتيجية، لا خياراً عسكرياً عابراً.
بمعنىً آخر، هو يحاول تسويق الحرب المقبلة كحربٍ وقائية، تماماً كما فعل في كل الحروب السابقة.

 

ما بعد الحرب: عودة الحياة على الهامش

تحضُر قوّات اليونيفيل كظلٍّ ثابت في المشهد اليومي. لاحظت "المدن" انتشارها عند المداخل، وتحرّك آلياتها البيضاء باستمرار. في مارون الراس تحديداً، كانت الدوريات الأممية حاضرة خلال تنفيذ بعض الأعمال الإنشائية. تحت أنظار عناصر اليونيفيل، تُزال الأنقاض وتُرفع بقايا المنازل المدمّرة. وبالرغم من كلّ هذا الركام، بدأت العودة إلى القرى الحدودية. في بنت جبيل، الحياة تتسلّل. بعض المحال فتحت أبوابها من جديد، والطرق تستعيد حركةً جزئية. أطفالٌ عادوا إلى الأزقة يركضون بين الجدران التي تحمل آثار القذائف، في حين أنَّ قلّةً من الأهالي بدأت بترميم بيوتها، حجراً بعد حجر، كأنهم يرمّمون ذاكرتهم أيضاً.

وليس الأهالي وحدهم الذين عادوا. تلامذة المدارس أيضاً. حافلات النقل المدرسي عادت إلى طرقٍ كانت حتى الأمس القريب فارغة إلا من الآليات العسكرية. الأصوات التي كانت تختبئ، صارت الآن تُسمع في باحات المدارس، جرس الصباح، وضحكات الصغار، وأحاديث المعلّمين عن عام دراسيّ غير مكتمل لكنه ضروريّ للحياة.

وفي عيترون، المشهد شبيه لكنه أكثر صعوبة. خاصة مع تسلل قوات جيش العدو إلى منطقة الخانوق وتفجير عدد من المنازل فيها. حيث بعد أن عاينت "المدن" المكان، رأت بعض من مخلفات العدو، والمباني متضررة على نحوٍ كبير. والتقت المدن" حيدر السيد حسين، الذي دمّر الاحتلال شقتي ابنه في البلدة، واختصر الوجع بغضب شديد قائلاً "إذا بدي إحكي، ما بترك شي ولا حدا… خليني ساكت أحسن."

في المقابل، يقول علي حمد، مدير معمل ألبانٍ وأجبانٍ في البلدة: "عدنا إلى المنطقة، ونحاول أن نعيد الحياة الاجتماعية والحركة الاقتصادية فيها". كلامه يعكس مزاج الأهالي. إصرار على الاستمرار بالرغم من الخسارة، ورغبة في استعادة دورة الحياة ولو تحت القصف.

في النهاية، حتى الفندق الذي يقيم فيه الصحافيون الذين تابعوا الحرب عاد ليجمع بعضهم من جديد. وجوه قليلة التقت في المكان نفسه الذي غطّوا منه القصف والمعارك قبل عام. لكنّ السؤال الذي يخيّم على صالة الانتظار ليس عن الذكريات؛ بل عن الغد هل اجتمعوا في الذكرى السنوية الأولى لوقف إطلاق النار؟ أم لأنّ رائحة حربٍ جديدة بدأت تلوح من خلف الحدود؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث