نشرت صحيفةُ "هآرتس" الإسرائيليّة تقريرًا قالت فيه إنّ "حزبَ اللهِ لا يزال يمتلكُ آلافَ الصواريخِ والطائراتِ المُسيَّرةِ المُوجَّهةِ نحوَ إسرائيل"، وأشارت إلى أنّه "على الرغمِ من الجهودِ الدبلوماسيّةِ التي تبذلُها إدارةُ ترامب ودولٌ عربيّة، لا يبدو أنّ هناك مسارًا حقيقيًّا لتفادي التصعيد"، مؤكِّدةً أنّ فكرةَ أن يتولّى لبنانُ حلَّ "مشكلةِ حزبِ الله" الآن تبدو "ضربًا من الخيال".
وبحسبِ التقرير، تحلُّ بعدَ ثلاثةِ أسابيعٍ ذكرى مرورِ عامٍ على توقيعِ اتفاقِ وقفِ إطلاقِ النارِ بينَ الحكومةِ الإسرائيليّةِ وحزبِ الله، والخبرُ الجيّدُ أنّ الاتفاقَ ما زالَ سارِيًا على الورق، إذ لم يُعلِن أيٌّ من الطرفينِ رسميًّا تراجُعَهُ عنه، والخبرُ السيّئُ أنّه قد ينهارُ خلالَ أيّام، بل إنّ "البعضَ يجادلُ بأنّه ليس أكثرَ من حبرٍ على ورق".
وذكرت "هآرتس" أنّ الاتفاقَ تمَّ التوصُّلُ إليهِ بوساطةٍ أميركيّةٍ وفرنسيّة، بعدَ أربعةَ عشرَ شهرًا شاقّةٍ من الحربِ بينَ إسرائيلَ وحزبِ الله، إذ أعلنَ التنظيمُ اللبنانيُّ الشيعيُّ الحربَ على إسرائيلَ بعدَ يومٍ واحدٍ من هجومِ حماسَ في السابعِ من أكتوبر/تشرينَ الأوّل، وخلالَ الأشهرِ الإحدى عشرةِ الأولى من القتالِ أنهكَ إسرائيلَ، مُجبِرًا إيّاها على تخصيصِ مواردَ وقوّاتٍ ضخمةٍ للجبهةِ الشماليّة، ما أطالَ أمدَ الحربِ في غزّةَ وأخَّرَ اتّخاذَ إجراءٍ سريعٍ وحاسمٍ ضدَّ حماس، غيرَ أنّهُ ابتداءً من سبتمبر/أيلول 2024، حينَ نفّذت إسرائيلُ "عمليّةَ البيجر" "أجهزةِ النداءِ"، ثمَّ اغتالت قادةً كبارًا في حزبِ الله، وجدَ التنظيمُ نفسَهُ في موقعٍ دفاعيّ.
وأضافت الصحيفةُ أنّ حزبَ اللهِ، وعلى الرغمِ من الضرباتِ القاسية، واصلَ القتالَ شهرينِ إضافيَّين، وفاجأ إسرائيلَ باستخدامِ طائراتٍ مُسيَّرةٍ هجوميّة، وفي حادثةٍ واحدةٍ سقطت طائرةٌ مُسيَّرةٌ أُطلِقت من لبنانَ داخلَ قاعدةٍ عسكريّةٍ على بُعدِ نحوِ ثمانينَ كيلومترًا من الحدودِ اللبنانيّة، وبعدَ أيّامٍ أصابت طائرةٌ مُسيَّرةٌ أخرى منزلَ عطلةِ عائلةِ نتنياهو في شمالِ وسطِ إسرائيل، غيرَ أنّ هذه النجاحاتِ التكتيكيّةَ لم تُلغِ ضعفَهُ الاستراتيجيَّ، وفي نهايةِ المطافِ أواخرَ نوفمبر/تشرينَ الثاني وقَّعَ اتفاقَ وقفِ إطلاقِ نارٍ منفصلًا مع إسرائيلَ قبلَ انتهاءِ حربِ غزّة.
ورأت "هآرتس" أنّ ذلكَ شكَّلَ تنازلًا كبيرًا من جانبِ حزبِ الله، فيما احتفت القيادةُ السياسيّةُ في إسرائيلَ بالخطوة، قائلةً إنّ الجماعةَ "استسلمت من أجلِ البقاء"، لكنّ مقاربةً أكثرَ تفصيلًا داخلَ المؤسَّستينِ العسكريّةِ والاستخباريّةِ حذّرت من أنّ الحزبَ "لن يكتفي بالبقاءِ، بل سيسعى إلى التعافي وإعادةِ بناءِ قدراته"، إذ أتاحَ الاتفاقُ ومعه "رسالةٌ جانبيّة" لإسرائيلَ تنفيذَ ضرباتٍ محدودةٍ لمنعِ إعادةِ تأهيلِ البُنى التحتيّةِ العسكريّةِ للحزبِ في جنوبِ لبنان.
وخلالَ العامِ المنصرمِ انخرطَ الطرفانِ في "لعبةِ القطِّ والفأر"، فالحزبُ يُعيدُ تأهيلَ طرقِ التهريبِ ويُجنِّدُ مقاتلينَ وخبراءَ جُدُدًا ويستخلصُ دروسًا من الاختراقاتِ التي طاولت شبكةَ اتّصالاتِه، وإسرائيلُ تُحاولُ إحباطَ هذه المساعي عبرَ قصفٍ متواصلٍ لأهدافٍ في جنوبِ لبنانَ لتعطيلِ جهودِ إعادةِ البناءِ وتأخيرِها، غيرَ أنّ هذه الهجماتِ وحدَها غيرُ كافيةٍ ولم تُصمَّم لتكونَ الأداةَ الرئيسيّةَ لفرضِ الالتزامِ بالهدنة، بل كان مُفترَضًا أن تتولّى الحكومةُ والجيشُ في لبنانَ، بدعمٍ أميركيٍّ وعربيّ، مهمّةَ نزعِ سلاحِ الحزبِ وإبقائِه شمالَ الليطاني.
ويرى التقريرُ أنّهُ بعدَ قرابةِ عامٍ على الاتفاقِ تبدو فكرةُ أن "يتكفّلَ لبنانُ بمشكلةِ حزبِ الله" ضربًا من الخيال، فلا مؤشِّراتَ إلى رغبةِ الحكومةِ في بيروت بالقيامِ بذلك، وحتى لو رغبت، فلا دلائلَ على القدرةِ على النجاح، ونتيجةُ هذا الواقعِ هي تزايدُ احتمالِ تصاعُدِ الهجماتِ الإسرائيليّةِ على لبنانَ خلالَ الأسابيعِ المقبلةِ لتتحوّلَ إلى حربٍ شاملة، وقد يختارُ الحزبُ، على ضعفه، خيارَ الحربِ بدلَ نزعِ السلاح.
وختمت "هآرتس" بأنّ "حزبَ اللهِ ما زالَ يمتلكُ آلافَ الصواريخِ والطائراتِ المُسيَّرةِ القادرةِ على بلوغِ شمالِ إسرائيلَ ووسطِها"، محذِّرةً من عدمِ التقليلِ من احتمالِ تجدُّدِ تعرُّضِ البلداتِ على طولِ الحدودِ الشماليّةِ لإسرائيلَ للقصف، بعدما عادَ معظمُ السكّانِ إلى منازلِهم قبلَ أشهرٍ قليلة، وأوضحت أنّ إدارةَ ترامب وحكوماتٍ عربيّةً تُشاركُ في جهودٍ دبلوماسيّةٍ لتجنُّبِ هذا السيناريو، غيرَ أنّ "أيَّ مخرجٍ من دوّامةِ التصعيدِ سيبقى صعبًا ما لم يحدث تغيُّرٌ جوهريٌّ في ميزانِ القوى بينَ حزبِ اللهِ والدولةِ اللبنانيّة"، بينما تبدو حربُ غزّةَ في طريقِها إلى خواتيمِها، وتعودُ الحربُ في لبنانَ إلى جدولِ الأعمال.
إسرائيل تكشف 4 سيناريوهات محتملة ضد حزب الله
في سياق متصل، سلّطت صحيفة "يسرائيل هيوم" الضوء على الواقع الذي يعيشه حزب الله بعد الحرب الأخيرة، معتبرةً أنّ قدراته في المنطقة الحدودية مع إسرائيل تراجعت بشكل ملحوظ نتيجة الضربات المتواصلة والعقوبات المالية المفروضة عليه.
ورغم هذا الواقع، تؤكد الصحيفة أنّ حزب الله ما زال يكرّس موارده لإعادة بناء قدراته العسكرية. وفي ضوء هذه المعطيات، تحدّث التقرير عن أربعة سيناريوهات قالت إنّ إسرائيل تدرسها للتعامل مع المرحلة المقبلة:
أولاً: الاستمرار في سياسة الغارات الجوية شبه اليومية ضد أهداف الحزب دون الانجرار إلى مواجهة شاملة.
ثانياً: تكثيف القصف الجوي على البنى التحتية للحزب في مختلف المناطق اللبنانية، وهو خيار قد يؤدي إلى رد مباشر من الحزب.
ثالثاً: تنفيذ حملة غارات مترافقة مع مناورات برّية محدودة في القرى الحدودية، لكنّ الصحيفة استبعدت هذا السيناريو خشية التصعيد الواسع.
رابعاً: شنّ هجمات متزامنة مع تطبيق الحكومة اللبنانية والجيش خطة نزع السلاح قبل نهاية العام، باعتبار أنّ المهلة الممنوحة تقترب من نهايتها، وأنّ دور الجيش اللبناني سيزداد في الجنوب خلال المرحلة المقبلة.
