لقاء بغداد 2001: الدرس الأول
في العاشر من أيلول 2001، كنت ضمن وفد طرابلسي يزيد على ستين شخصًا في زيارة لكسر الحصار عن العراق. كان العراق المخنوق لا يزال يحتفظ ببقايا إرثه الثقافي والعلمي، بالرغم من الجوع والإفقار والعزلة. وقبل عودتنا إلى لبنان، طلب نائب الرئيس العراقي طه ياسين رمضان لقاء ثلاثة من أعضاء الوفد: الوزير السابق مصطفى درنيقة، رئيس غرفة التجارة والصناعة المرحوم عبدالله غندور، وأنا.
بعد أحاديث مقتضبة، بادرتُ بالسؤال من خارج سياق المجاملات : لماذا لا تفاوضون الأميركيين؟ استقام رمضان في جلسته وأجاب من دون أن يتفاجأ من سؤالي، بعكس رفاق الجلسة : "هل تعتقد أننّا لم نحاول؟". وتابع: "إلا أن الأميركيين لم يريدوا التفاوض؛ بل الإذلال. يريدون ضرب النظام وإسقاطه مهما كان الثمن، وهذا ما لن نسمح به".
غادرنا بغداد في اليوم التالي، 11 أيلول. وما إن هبطت الطائرة حتى عرفنا أن ما حدث في الولايات المتحدة سيبدّل وجه المنطقة والعالم. كما كان اقتحام أرييل شارون للحرم القدسي في أيلول 2000 قد أعاد إشعال الصراع، ودفع إلى اندلاع الانتفاضة الثانية.
من تلك التجربة خرجتُ بدرس لا يُنسى: في السياسة، السؤال ليس هل نفاوض أم لا؛ بل متى نفاوض وبأي شروط. والأهم أنه حين تنعدم القدرة على التفاهم السياسي الداخلي، وحين ينقسم الناس في لبنان إلى معسكرات متقابلة بحدية، تهون الحرب من خارج الحدود، وتتحوّل البلاد المنقسمة بين سرديات ومحاور إلى ساحة لا دولة.
التفاوض ليس ضعفًا بل إدارة واقع
ندرك جميعًا أن إسرائيل لا تلتزم الاتفاقات، وأنها تسعى دائمًا لقضم الأرض وفرض الوقائع. لكن رفض التفاوض لا يحمي لبنان؛ بل يتركه مكشوفًا وغارقًا في العجز. والكل يعرف ان إسرائيل هي دولة تحتل أراضي فلسطين وأراضٍ في سوريا ولبنان وهي توسعية بلا شك، كما وأنها دولة الفصل العنصري الوحيدة اليوم في هذا الكون. والتفاوض اليوم لا يرتبط حصريًا بميزان القوى بين حزب الله وإسرائيل؛ بل بميزانٍ أوسع تحكمه معادلات دولية وإقليمية مالت بوضوح صوب الولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، يكتسب ما كُشف من وثائق في الذكرى الثلاثين لاغتيال إسحاق رابين أهمية خاصة. فالرجل، أحد أبرز رموز المؤسستين العسكرية والسياسية في إسرائيل، لم ينظر إلى "السلام" كغاية؛ بل كتكتيك. قال في العام 1977 إن المسار السياسي لا يقوم إلا على فائض القوة، وإن أي تنازل إسرائيلي يبقى محكومًا بالتفوّق الميداني وقدرتها على فرض الشروط. ولم يتردد في الاعتراف بأن إسرائيل لا تستطيع الحفاظ على قوتها العسكرية وتطلعاتها الاقتصادية والاجتماعية من دون الدعم الأميركي.
فإذا كان خط رابين كذلك، فكيف يكون نتنياهو الذي فرح لقتل رابين؟ نتنياهو وأبوه وجدّه لأبيه هم امتداد لخط فكري وضعه زئيف جابوتنسكي في مقالته الشهيرة "الجدار الحديدي" المنشورة في نوفمبر 1923، وهو نصّ تأسيسي حدَّد طبيعة المشروع الصهيوني بوصفه مشروعًا لا يستند إلى الإقناع أو التفاهم مع العرب؛ بل إلى خلق واقع من القوّة يجعل أيّة محاولة لمقاومته بلا جدوى. اعتنقها الجدّ الحاخام في عشرينيات القرن الماضي، ثم عمّقها الابن بنزيون (بن صهيون) نتنياهو -مؤرخًا وكاتبًا- خلال الثلاثينيات والأربعينيات حين كان قريبًا من جابوتنسكي نفسه، قبل أن يورثها لابنه بنيامين الذي حوّلها منذ التسعينيات إلى سياسة دولة.
وهكذا يبدو بنيامين نتنياهو اليوم ابنًا مباشرًا لفكرة "الجدار الحديدي": إدارة الصراع لا إنهاؤه، واستبدال التفاوض بالهيمنة، وإخضاع الفلسطينيين والعرب لمنطق القوة وحده.
لكن كل ذلك لا يمكن أن ينفي أن إسرائيل على جبروتها، ليست قوة مكتفية بذاتها؛ بل هي تعتمد على مظلة أميركية في استمرار تفوقها، وأن التفاوض معها ليس رهانًا على نواياها؛ بل إدارة لواقع لا يمكن تجاهله.
ميزان القوى… من العالم إلى الإقليم
منذ نهاية الحرب الباردة، بات النظام الإقليمي قائمًا على هيمنة أميركية واضحة. وحتى مع ظهور خطاب عن محاور مضادة، لم تظهر قوة قادرة على ملء مكان واشنطن. روسيا لم تجد موطئ قدم جديًّا في المنطقة إلا في سوريا الأسد. وروسيا بوتين تنظر إلى نتنياهو بإعجاب قائم على اعتبارات القوة والسيطرة، وتدرك أن ثلث سكان إسرائيل يتحدثون الروسية لترى موسكو في تل أبيب امتدادًا بشريًا وثقافيًا غير يسير. ومن سوريا التي تخلّت عن خطابها واصطفافاتها القديمة وانتقلت بسلاسة من محور موسكو-طهران إلى المقلب الآخر، إلى باكستان وماليزيا وإندونيسيا وتركيا، ومعظم الدول العربية، نرى اصطفافًا واضحًا نحو واشنطن. ليس حبًا بها؛ بل لأنها القوة الوحيدة القادرة على الإيذاء: شنّ الحروب، إسقاط الأنظمة، خنق الاقتصاد وإفقاد السلطة معناها.
الصين بدورها تتجنب الصدام، ولا تجد مصلحة في مواجهة مع الولايات المتحدة في منطقة تدير مصالحها فيها بهدوء: من ميناء حيفا إلى استيراد النفط من الخليج، إلى تصدير الصناعات والتقنيات إلى المشرق والمغرب العربيين والدول الخليجية. أما علاقتها بإيران فتقوم على حاجة متبادلة لا على تحالف عضوي.
إيران إمبراطورية تاريخية محاصرة خارجيًا ومنهكة داخليًا؛ تتجنب أي شرخ كبير في أمنها الداخلي أو في سمائها وبحرها. وإسرائيل قوة عسكرية غاشمة، لكنها تعاني عزلة سياسية تتسع تدريجيًا مع المجازر المتكررة، وتتعامل مع نفسها بوصفها قوة خاضعة للقرار الأميركي حين تدعو الحاجة لذلك.
الدولة… والقرار الموحد
في هذا المشهد، بدا أن هناك محاولة جادة لإعادة القرار إلى الدولة بوصفها مرجعية واحدة. فإدارة الملف التفاوضي يجب أن تكون بقيادة الدولة عبر مؤسساتها وبموافقة أركانها الثلاثة: رئاسة الجمهورية، رئاسة الحكومة، ورئاسة المجلس النيابي كما النواب لتأمين قبول شعبي بالحد الأقصى عبر ممثليهم في البرلمان إلى إقناع أوسع الشرائح اللبنانية بهذا الخيار، بما يضمن توحيد الموقف وعدم تحويل التفاوض إلى مادة صراع داخلي.
أما الحكومة فمنوط بها -بالتوازي- إعادة صلابة الهيكل الإداري، تنفيذ الإصلاحات، قيادة ورشة إعادة الإعمار، إعادة تفعيل الاقتصاد، ومعالجة الودائع المتعسّرة لإعادة الحياة إلى القطاع المصرفي وفتح طريق النمو، وهو ما يعزز قدرة الدولة على الصمود وعلى الندية في التفاوض حتى. وهنا تكمن الفكرة: التفاوض ليس أداة لعزل أي مكوّن لبناني أو استهداف طائفة بعينها؛ بل هو محاولة لحماية الجميع. فالتفاوض بحد ذاته لم يكن يومًا المشكلة؛ بل الفراغ والانقسام الداخلي. ولهذا، لا بد من الالتفاف حول مبدأ التفاوض لتحصين الجبهة الداخلية، ولانتزاع أكبر قدر ممكن من المكاسب للبلد والناس ضمن الممكن.
ليس استسلامًا ولا عزلًا لأحد… بل حماية للناس والبلد
لبنان لا يفاوض من موقع تفوّق عسكري أو توازن ناري. واللبنانيون يدركون أن الحرب الأخيرة لم تكن بين إسرائيل وحزب الله فقط؛ بل كانت حربًا كونية على كل الأدوات العسكرية الخارجة عن الدول في الإقليم.
ولبنان يفاوض -وغير مباشرة- من موقع الدولة التي تحاول أن تمنع الحرب لا أن تجرّ إليها. ليس التفاوض استسلامًا، وهو بالتأكيد ليس تطبيعًا؛ بل محاولة لحماية ما تبقّى من البلاد، ومنع أن يتحوّل الجنوب إلى بوابة دائمة للنار، ومنع البقاع من أن يُبتلع بالحريق، ولأجل صون الضاحية النوّارة، كما وصفها الكبير الراحل طلال سلمان، بكل ما تختزنه من ناس وذاكرة وحياة.
بلدان كثيرة اختبرت نتائج الهروب من التفاوض:
العراق اعترض ، فانهار.
الأسد ماطل، فدُفع إلى الخروج من دون أن تنجو بلاده من الخراب.
إيران، بالرغم من خطابها المتشدد، لم تتوقف يومًا عن التفاوض مدًا وجزرًا للخروج من عنق الزجاجة.
أما لبنان، فيقف اليوم أمام خيارين: إما إدارة المخاطر بالعقل والتفاوض، أو ترك الحدود مشرّعة أمام اعتداءات يومية واحتمال حربٍ لا تُدار من بعبدا أو اليرزة أو السراي؛ بل من خارج البلد كله.
دولة لا ساحة
التفاوض لا يلغي الحق ولا ينسف الثوابت. لكنه يحاول اقتناص الممكن في لحظة اختلال. إنه محاولة لجعل لبنان طرفًا في إدارة التحولات بدلاً من أن يكون مسرحًا لها.
ما خرجنا به من بغداد قبل دقائق من سقوط البرجين أن الدول التي لا تُحسن قراءة موازين القوى، تتحول إلى خشب يابس في مسرح النار. واليوم، في لحظة إقليمية متبدلة، يصبح التفاوض ضرورة وطنية لا خيارًا سياسيًا، ما دام قرار الدولة موحدًا ومحصنًا، وما دام هدفه حماية الناس والأرض.
