السِّلم الأهلي: تدوير زوايا أم تطبيق الدُّستور؟

زياد الصائغالاثنين 2025/11/10
Image-1762709324
السِلم الأهلي ليس منةً من أحدٍ ولا هديةً من الخارج (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

منذ نهاية الحرب الأهليّة في العام 1990، عاش لبنان تحت شعارٍ مُلتبس: "السِّلم الأهلي". شعارٌ بدا في ظاهره ضمانةً لوقف الاقتتال، وفي باطنه غطاءً لتسوياتٍ متكرّرةٍ تجاوزت الدستور، وأقامت توازناً هشّاً بين الطوائف والمصالح والإملاءات الخارجيّة. اليوم، ومع تهديد القِوى غير الدَّولتيَّة الصريح بإمكانيّة فرط عقد العيش المشترك وعودة الحرب الأهليّة، في حال استمرار الحكومة اللبنانية في تنفيذ قرارها القاضي بتسليم سلاحها إلى الدولة، يُطرح السؤال الجوهري من جديد: هل حماية السِّلم الأهلي تعني تدوير الزوايا على حساب الدستور، أم تطبيق الدستور بما يضمن قيام دولةٍ واحدةٍ تحتكر وحدها السلاح والقرار؟

 

يُشكّل قرار الحكومة اللبنانية بتسليم سلاح القِوى غير الشرعيَّة إلى الجيش اللبناني لحظةً مفصليةً في تاريخ الجمهوريّة. بعد ثلاثة عقودٍ من التسويات الرماديّة، بلغ النظام اللبناني نقطةَ اختبارٍ حقيقيّ بين منطق الدولة ومنطق اللَّادولة. السِّلاح غير الشرعيّ الذي لطالما برّر سلاحه بـِ "المقاومة ضدّ الاحتلال"، وجد نفسه في مواجهة معادلة جديدة. لا مقاومة خارج مؤسسات الشرعيّة، ولا شرعيّة لمؤسسات تُعطَّل بقوّة السلاح.

التهديد غير المباشر بفرط العقد الوطني في حال المسّ بالسّلاح غير الشرعيّ، هو في جوهره تهديدٌ لجوهر العيش المشترك الذي نصّ عليه الدستور في مقدمته، والذي يشكّل الركن الأساس في الكيان اللبناني. إنّ السِّلم الأهلي لا يُبنى على توازن الخوف؛ بل على توازن الحقوق. حين يُصبح السّلاح وسيلة ضغطٍ سياسيةٍ ودستورية، يتحوّل السِّلم إلى هدنةٍ مؤقّتةٍ قابلةٍ للانفجار في أيّة لحظة.

 

منذ اتفاق الطائف، اعتادت القوى اللبنانية اللجوء إلى "تدوير الزوايا" كلّما اصطدمت بإحدى الإشكاليات البنيوية. هذا المنهج، الذي يُقدَّم تحت شعار "الحفاظ على الوحدة الوطنيّة والميثاقيّة"، أفرغ الدستور من محتواه، وحوّل الميثاق الوطني إلى أداة مساومة. بدلاً من أن تكون النصوص الدّستورية مرجعيةَ الحلّ، أصبحت مجرّد وجهة نظرٍ خاضعةٍ للتأويل السياسي والطائفي.

في لحظات الأزمات الكبرى، كان السّلاح يُفرض كأمرٍ واقع، وتُعلَّق السيادة بحجّة "الخصوصية اللبنانية" أو "الاستقرار الداخلي". هكذا، تكرّس منطق الدولة المقيّدة، التي لا تمتلك قرارها الأمني والعسكري والاقتصادي كاملاً. وبدلاً من أن يكون السِّلم الأهلي نتاجاً لتطبيق القانون، صار رهينةً لتفاهماتٍ ظرفيّة تُدار خلف الأبواب المغلقة.

 

إنّ الدستور اللبناني واضحٌ في مبدأ سيادة الدولة ووحدانيّة السلاح، كما في الفصل بين السلطات وتكافؤ الفرص بين المواطنين/ات. المادة 49 تنصّ على أنّ رئيس الجمهورية هو "رمز وحدة الوطن"، والمادة 65 تؤكد أنّ مجلس الوزراء "يتولّى وضع السياسة العامة للدولة في جميع المجالات"، فكيف يمكن الحديث عن وحدة الوطن وسلطة الدولة في ظلّ وجود تنظيماتٍ مسلّحة تتجاوز الحكومة والجيش اللّبناني وتشارك القرار الأمني والخارجي؟

تطبيق الدستور ليس مغامرةً؛ بل هو الضمانة الوحيدة لمنع الحرب. أما التأقلم مع منطق السّلاح فليس حمايةً للسِّلم؛ بل تأجيلاً لانفجاره. السِّلم الأهلي لا يقوم على مهادنة المعتدي على الدولة؛ بل على التزام الجميع بمبدأ المساواة أمام القانون. أيّة مساومةٍ على هذا المبدأ هي تخلٍّ عن روح الميثاق الوطني الذي قام عليه لبنان في العام 1943 وتجدّد في اتفاق الطائف في العام 1989.

 

يقتضي النِّظام الديموقراطي البرلماني في لبنان أن تُمارس السلطات صلاحياتها وفق الدستور، وأن تُعبّر المؤسسات عن الإرادة الشعبيّة لا عن موازين القوى المسلّحة. الميثاقيّة، التي وُضعت لضمان المشاركة المتوازنة بين المكوّنات اللبنانية، لا تُعطي لأيّ طرفٍ حقّ الفيتو على الدولة. الميثاقيّة الحقيقية هي تلك التي تُترجم في احترام الدستور، لا في تعطيله بحجّة التوازن الطائفي أو الدفاع عن خصوصيّات طائفيَّة ومذهبيّة بفائِض قُوَّة.

الديموقراطية البرلمانية اللبنانية، وإن كانت توافقيّة الطابع، لا يمكن أن تُختزل في التوافق المصلحي أو الخضوع للتهديد. جوهرها هو تداول السلطة سلمياً ضمن إطارٍ دستوريٍّ يحتكم إلى المؤسّسات، لا إلى الميليشيات. وعليه، فإنّ التهديد غير المباشر للحكومة اللُّبنانيَّة بالاستِقالة، يُشكّل سابقة خطيرة تُعرّي زيف الميثاقيّة المزعومة، وتؤكّد الحاجة إلى العودة إلى منطق الدولة، لا منطق الغلبة والابتِزاز.

 

إنّ الأزمة الراهنة ليست أزمة سلاحٍ فحسب؛ بل أزمة في مفهوم الدولة نفسه. إمّا أن تُطبّق الحكومة اللُّبنانيَّة الدستور وتُعيد احتكار الشرعية من دون مساومة، أو تستمر في منطق التعايش المُتذاكي مع الازدواجية التي تُبقي لبنان رهينةَ الابتزاز الداخلي والضغط الخارجي.

الطريق إلى السِّلم الأهلي يمرّ حكماً بتثبيت سيادة القانون، وإخضاع كلّ سلاحٍ غير شرعي لسلطة الدولة، وتجديد العقد الاجتماعي على قاعدة الدستور لا التَّسويات. وحدها الدولة المدنية، دولة المواطنة القادرة على استيعاب كلّ مكوّنات المجتمع، تستطيع أن تُنتج سِلمًا أهليًا مستدامًا، لا يُهدَّد كلّما تغيّرت موازين القوى.

السِّلم الأهلي ليس منّةً من أحدٍ ولا هديّةً من الخارج. هو ثمرة شجاعةٍ وطنيّةٍ في تطبيق الدستور وقرارات مجلس الأمن الدّولي وجامعة الدّول العربيّة ذات الصِّلة بلا تردّد. أمّا تدوير الزوايا باسم الاستقرار، فهو طريقٌ قصير نحو اللّااستقرار. لبنان لا يُحمى بالتحذير من الحرب؛ بل بالثِّقة بالدولة. الدولة لا تُبنى إلّا حين يكون الدستور هو المرجعية الوحيدة.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث