جُلّ التقارير والتسريبات الإسرائيلية عن إعادة ترميم "حزب الله" قدراته، وما يترافق معها من قرع طبول الحرب، في لبنان وإسرائيل، عصية على التصديق في ظل استمرار الضربات، لكن في طياتها اعترافات ورسائل تفوق بأهميتها أصل الموضوع، أي تسليح التنظيم.
أولاً، وبشكل منظّم، خرجت التصريحات الإسرائيلية على المستويين السياسي والعسكري عن إعادة بناء "حزب الله" بعض قدراته العسكرية وتلقّي أسلحة من إيران عبر العراق وسوريا، وفشل الجيش اللبناني في أداء مهمة نزع سلاحه.
جاء الكلام الإسرائيلي في أعقاب تصريح السفير الأميركي لدى تركيا والمبعوث إلى سوريا ولبنان توم برّاك يوم السبت الماضي، عن قلقه من بطء وتيرة نزع سلاح الحزب، مبرراً أن إسرائيل ما زالت تقصف جنوب لبنان لأن آلاف الصواريخ والقذائف ما زالت هناك وتشكل تهديداً لها. برّاك تحدث أيضاً عن دولة فاشلة في لبنان، مصوباً سهامه على الحكومة والعهد، مطالباً بمفاوضات مباشرة مع إسرائيل.
صحيفة "هآرتس" (مقال يانيف كوبوفيتش وليزا روزوفسكي) نقلت عن مسؤول عسكري إسرائيلي، إن تصريحات برّاك "لم تأتِ من فراغ"، إذ "لدى إسرائيل أدلة على أن حزب الله ينتهك وقف إطلاق النار". بكلام آخر، تصريح برّاك جاء نتيجة معلومات ودوافع إسرائيلية.
صحيح أن "هآرتس" تحدثت عن احتمال توسيع إسرائيل عملياتها ضد الحزب، لكنها أشارت الى أن جهود "حزب الله" "لإعادة بناء قدراته تتركّز في شمال نهر الليطاني فقط، وليس بالقرب من الحدود الإسرائيلية".
هذه المعلومة عن بناء القدرات شمال الليطاني فقط، وليس على حدود إسرائيل، تخفض من مستوى التهديد الذي أوحته الادعاءات والتصريحات.
النقطة الثانية هي التركيز على فشل الدولة اللبنانية (تماماً كما جاء على لسان المبعوث الأميركي)، إذ قال مسؤولون إسرائيليون للصحيفة إن "وتيرة إعادة تسليح الحزب تفوق جهود الجيش اللبناني لنزع سلاحه"، وأن "الجيش اللبناني يتجنّب مواجهة مقاتلي حزب الله بالكاد ويتّخذ خطوات محدودة لمنعه من إعادة بناء قوته".
اللافت هنا أن مقال الصحيفة ذاته، ينقل عن مسؤولين اعتقادهم بأن جهود إعادة البناء تهدف إلى الحفاظ على مكانة الحزب كقوة مُعتبرة داخل لبنان، ولردع الحكومة القائمة، أي لأهداف داخلية بحتة، لكن "الموقف الأمني الإسرائيلي تغيّر منذ السابع من أكتوبر. وسيتولّى جيش الدفاع الإسرائيلي التعامل مع أي تهديد يظهر، بغضّ النظر عن دوافع العدو".
بالنسبة للجيش الإسرائيلي، "حزب الله" بات مقاومة تركز على الداخل فحسب، ولا رغبة لديها في مواجهة مع إسرائيل. وهذا توصيف ينسحب على نشاط الحزب لسنوات عديدة، إذ كان أكثر اهتماماً بمواجهات محدودة ومحسوبة جداً مع إسرائيل، يُحصّل على أساسها مكتسبات في الداخل اللبناني لمصلحة المحور بقيادة إيران. دخل الحرب الحالية متردداً بضربات محدودة، وحاول امتصاص الكدمات للحفاظ على محدوديتها، ولم يتبدل موقفه إطلاقاً رغم فشله الكارثي.
حتى التصريحات الإسرائيلية عن الترميم عصية على المنطق. كيف يُرمم تنظيم تعرّض لنكبة استراتيجية هائلة، صفوفه وقدراته تحت القصف والاغتيال اليومي لعناصره وقيادييه؟ يحتاج أي طرف مسلح إلى سنوات لبناء كوادره العسكرية والقيادية، فكيف يُرمم نفسه تنظيمياً وقد خسر مئات من هؤلاء منذ وقف النار؟
هناك تحسّن وحيد لدى قدرات التنظيم، وهي مهارته في التخفي بعدما كانت معدومة خلال السنتين الماضيتين، إذ لا تبدو الاغتيالات قادرة على أن تطال قياديين من الصف الأول بالوتيرة نفسها للحرب وبضعة شهور بعدها. والأرجح أن إسرائيل لن تكون فاعلة في استهدافاتها بالقدر ذاته لحرب العام الماضي، بل قد تُركز في ضرباتها على تدمير البنى التحتية المتبقية للقرى الحدودية لإخلائها بشكل كامل ومنع عودة سكانها مستقبلاً. هذا تصعيد ما دون الحرب الشاملة.
لكن بشكل أوسع، هذه العملية تستهدف إضعاف الحكومة اللبنانية الحالية، وإظهارها كعاجزة على مستويين: نزع سلاح حزب الله (بالنسبة لواشنطن وحلفائها) ووقف العدوان الإسرائيلي. في موازاة ذلك، تضغط الولايات المتحدة على الحكومة للدخول في مفاوضات مباشرة من دون أي أفق واضح، إذ لا رغبة في اتفاق ينتهي بانسحاب إسرائيلي، بل بترتيبات أمنية وسيادة إسرائيلية-لبنانية مشتركة في الحزام الحدودي. مفاوضات فاشلة مسبقاً، ونتيجتها إضعاف الحكومة سياسياً.
في نهاية المطاف، قد تتجه إسرائيل إلى التصعيد جنوباً، بالتزامن مع ضغط أميركي لمفاوضات مباشرة، لكن هذين المسارين لن يُقوضا "حزب الله"، بل سيُعززان موقفه الداخلي، ويُضعفان الحكومة الوحيدة التي اتخذت خطوات علنية وعملية من أجل حصر السلاح بيد الدولة. هذه حرب على الحكومة والناس. أما مقاومة "الداخل"، فقد تكون أمام فرصة حقيقية للتعافي سياسياً العام المقبل.
