بدت بيروت اليوم غارقةً في مشهد لبناني مشحون بالرموز، بين شارع فتح الله ومعوّض. فـ"حزب الله" أحيا يوم الشهيد في شارع فتح الله، المنطقة التي تختزن في ذاكرته الجماعية جرحاً قديماً، إذ شهدت في أواخر الثمانينيات اشتباكات دامية بينه وبين الجيش السوري، انتهت بمجزرة نفّذها نظام حافظ الأسد في ذلك الشارع.
العودة إلى شارع فتح الله في برج أبي حيدر (حيث الخليط السني والشيعي)، اليوم ليست تفصيلاً عابراً، بل استعادة رمزية للمكان، الذي شهد ولادة الوعي الإسلإمي والحركي في بيروت. فالعودة لا تُقرأ فقط في سياق استعراضي، بل استعادة لذاكرة جهادية وحضور سياسي، ورسالة بأن الحزب ما زال قادرًا على تحويل هذه الذاكرة إلى مشهد قوة وانضباط.
وفي المقابل، نظّمت حركة أمل عرضاً كشفياً حاشداً عبر جمعية كشافة الرسالة الإسلامية - مفوضية بيروت فقط، إحياءً لذكرى شهادة السيدة الزهراء و"شهداء أفواج المقاومة اللبنانية - أمل" الذين سقطوا في العدوان الأخير.
تحركات كشفية لتثبيت وجود
هذه التحركات، وإن اتّخذت شكلاً كشفيّاً ودينياً في ظاهرها، بدت في جوهرها رسالةً سياسية واضحة، تثبيت الحضور في بيروت، وإعادة الاعتبار إلى النفوذ الشيعي داخل العاصمة. فالعروض التي تُقام اليوم ليست مجرد نشاطات رمزية، بل تمارين على استعادة الفضاء العام وإعادة رسم مشهد القوة الناعمة عبر الحشد والتنظيم.
في الخلفية، يطفو ما يشبه ردّ الاعتبار السياسي بعد أزمة صخرة الروشة، حين قرّرت الحكومة تعليق عمل جمعية "رسالات" التابعة لبيئة حزب الله، على خلفية الفعاليات التي نُظّمت بمناسبة استشهاد الأمينين العامين. ومنذ ذلك القرار، يسعى الطرفان، "حزب الله" و"حركة أمل"، إلى إعادة رسم مشهدهما في بيروت، عبر عروض تحاكي العسكرية في انضباطها، لكنها تتدثّر بثوب ديني وكشفي، كمحاولة مزدوجة لإثبات أن العاصمة ليست منطقة رمادية أو خارج المعادلة، بل مساحة اختبارٍ للنفوذ والذاكرة معاً.
بمعنى آخر، ما أرادت "أمل" قوله بهذا النشاط هو أن غيابها عن الشارع في السنوات الماضية لم يكن عجزاً، بل قراراً مؤقتاً، وأن عودتها اليوم هي قرار سياسي محسوب، موجّه إلى من يعنيهم الأمر: إلى الداخل الشيعي، لتأكيد التوازن، وإلى الخارج السياسي، لتذكير الجميع بأن بيروت تبقى ميدان تقاسم النفوذ داخل الثنائية الشيعية، لا ساحة احتكارٍ لأحد.
في المقابل، تعبّر عودة حركة "أمل" إلى الشارع عن قرارٍ سياسي اتخذته القيادة بعد غيابٍ قسري. عودةٌ حملت في طيّاتها رسالةً مزدوجة، إلى الداخل الشيعي بأنّ الثنائية لا تزال قائمة، وإلى خصومها في العاصمة بأنّ الضاحية وبيروت وجهان لوجودٍ واحد لا يزال متجذّراً وقادراً على فرض نفسه متى شاء.
وقد جاءت عودة "أمل" لعرضها الكشفي هذا العام بعد غيابٍ لعامي 2023 و2024، بمشاركة نحو 3500 شخص من مختلف الفئات العمرية، من مفوضية بيروت فقط. عرضٌ بدا أقرب إلى عودة تنظيمية سياسية إلى العاصمة منه إلى إحياءٍ ديني تقليدي. فالمناسبة التي تجمع بين ذكرى شهادة السيدة الزهراء و"شهداء أفواج المقاومة اللبنانية - أمل" تحوّلت إلى استعراضٍ للحضور السياسي، هدفه القول إنّ الوجود الشيعي في بيروت ليس حكراً على طرف واحد.
خاصة اختيار مفوضية بيروت فقط للمشاركة، لم يكن صدفة، بل إعلاناً مدروساً بأنّ الحركة لا تزال تمتلك جمهوراً حاضراً في العاصمة، وقادرة على تنظيم مشهد تعبوي له صداه، خصوصاً على أبواب الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
مقارنة تنظيمية
لكنّ المقارنة بين العرضين لم تغب عن الكواليس. فعلى الرغم من الزخم الشعبي الذي رافق استعراض حركة أمل، بدا المشهد أقلَّ إحكاماً وتنظيماً من عرض "حزب الله" في يوم الشهيد، الذي تميّز بانضباط مدروس ونسق تعبويّ محسوب حتى أدقّ التفاصيل.
الفرق هنا لم يكن شكلياً ولا تقنياً؛ بل هو فارقٌ في المنهج: فـ"حزب الله" يعمل كجهازٍ منظَّم تُدار فيه التعبئة بعقلٍ مؤسسيّ، بينما تعتمد "أمل" على الرمزية التاريخية والعاطفة الشعبية أكثر من البناء التنظيمي الصارم.
في المحصّلة، لا يمكن قراءة هذه العروض إلّا كتمارين رمزية على النفوذ والهوية داخل البيئة الشيعية، في لحظةٍ دقيقةٍ من التوازن السياسي.
النتيجة أنّ بيروت تعود لتكون اليوم منصّةَ اختبارٍ للتوازن داخل الثنائية الشيعية، حيث يحاول كلّ طرفٍ تثبيتَ حضوره بـ"عرضٍ كشفيّ" ظاهري، و"عرضٍ سياسيّ" ضمني.
