أبو كسم يطلق "لبنان ما بين شرعية الدولة والشرعية الدولية"

المدن - سياسةالأحد 2025/11/09
Image-1762695495
المحامي البروفسور انطونيوس أبو كسم (وطنية)
حجم الخط
مشاركة عبر

أطلق المحامي البروفسور انطونيوس أبو كسم مؤلفه الجديد "لبنان بين شرعية الدولة والشرعية الدولية كتابات في جائحة المعاناة والاختبار 2019-2025"، في ندوة احتفالية أقيمت في قاعة المحاضرات الكبرى في بيت المحامي في بيروت، برعاية نقابة المحامين في بيروت، شارك فيها كلّ من نائب رئيس مجلس الوزراء الدكتور طارق متري، وزير العدل عادل نصّار، نقيب المحامين فادي مصري، وحشد من الشخصيات السياسة والديبلوماسية والإعلامية. 

 

وكانت كلمة لمتري توقف خلالها عند الفصل الرابع من الكتاب، وتساؤل الكاتب عن التقصير اللبناني السياسي والديبلوماسي في توصل القرارات الدولية وغيرها من الاتفاقيات والترتيبات إلى تعزير شرعية الموقف اللبناني وصدقيته، معتبراً أن ذلك دفعه إلى "التوقف عند حالتنا الحاضرة والتي تبدو لي معلّقة كما كانت غير مرة، بين تمسّكنا بالقرارات الدولية والترتيبات كالتي اتُّفق عليها في 27 تشرين الثاني الماضي بقرار مجلس الامن1701 وبرعاية أميركية وفرنسية، وبين التعثر في تطبيقها، نحن معلّقون بين الاثنين". وبعد اسهاب في شرح مندرجات القرار 1701، قال متري: "لم تنجح محاولاتهم الخجولة للانتقال من وقف الأعمال العدائية إلى وقف دائم لإطلاق النار، ومهما يكن من أمر، ففي العام 2023 اسقطت حرب الإسناد كما سميت وقف الأعمال العدائية فشنت بعدها إسرائيل حرباً واسعة مدمرة، وكان من المفترض أن يضع اتفاق تشرين الثاني 2023 حدّا لكنه لم يفعل حتى الآن. والفقرة الأولى منه تدعو إلى وقف الأعمال العدائية، أما الثانية فتقول إن حكومة لبنان ستحول دون قيام حزب الله وغيره من المجموعات المسلحة بعمليات ضد إسرائيل اي نزع سلاح غير سلاح الحكومة بدءاً من جنوب الليطاني. وما جاء في الفقرة الأولى تحقق. وأما ما جاء في الفقرة التالية، فيبدو لنا أنه قيد التحقق. لكن ما ذُكر في الفقرة الاولى لم تلتزم به اسرائيل، بل خرقته آلاف المرات، وهي الآن تصعد من عملياتها وتنذر بتصعيد أكبر".

وتابع متري: "في حقيقة الأمر يبدو لنا أن عدم التزام إسرائيل بالاتفاق هو الوجه الآخر لاشتراطها استكمال نزع سلاح حزب الله في الأراضي اللبنانية كافة لوقف الاعمال العدائية، وأنّها بذلك لا تتقيد او تتمسك بالقرار 1701 وكأنها تضرب عرض الحائط به، وبالصحافة الإسرائيلية تجد ما يؤكد ذلك، أن القرار 1701 لم يعد أساساً لتعامل إسرائيل مع لبنان، وحين ابدى لبنان استعداده للتفاوض بشكل مباشر كان أو غير مباشر، جاء الجواب غير المباشر بقنوات الدبلوماسية، اننا لا نريد التفاوض معكم  انطلاقًا من تطبيق اتفاق العام الماضي ولا انطلاقًا من القرار 1701، وما لم يقله هؤلاء بات معلوماً لدى الديبلوماسيين اننا بصدد ما سماه الجيش اللبناني في تقريره بالأمس لمجلس الوزراء، إعاقة لعمله في جنوب الليطاني. وقد اكمل القسم الاكبر منه ولعلّه استكمله، ويعرف الوزراء الذين صفقوا لتقرير قائد الجيش بالأمس ماذا أعني، لكن استمرار الانتهاكات الإسرائيلية فرضت عليه تعقيدات كبيرة. بالأمس كانت الميكانزيم تكتفي بسماع التقارير وبأخذ اتهامات إسرائيل للجيش اللبناني بالتقصير على محمل الجد، لكن الأمر تغير وبات اعضاء الميكانزيم  بمن فيهم الجنرال الاميركي لا يخفون امتعاضهم من الممارسات الاسرائيلية وشكّهم في الانتقادات وبخاصة الموجهة الى الجيش اللبناني. وكل ذلك لا يزال محدود الأثر طالما نحن اللبنانيين لسنوات طويلة، "لم نظهر قدرة كبيرة على استحقاق حقنا"، وهذه العبارة من معلمنا قسطنطين زغيب".

وختم متري: "لأننا نفتقر اليوم لجهة ضامنة وفاعلةٍ تفرض احترام الاتفاقات والقرارات، ولأن مجلس الأمن مشلول أو شبه مشلول، غني عن القول ان مسؤوليتنا نتيجة كل ذلك باتت مضاعفة، وتقوم في ظني على الثقة في الجيش ودعمه وعلى الوضوح في الموقف، وعلى استعادة رصيد لبنان المتآكل وعلى بذل الجهود السياسية والدبلوماسية في هذا السبيل".

 

نصار: لامتلاك الدولة قيادة واضحة 

أما وزير العدل عادل نصار فأشار في كلمة إلى أن "شرعية الدولة تعني، وجوب أن تمتلك الدولة اللبنانية قيادة واضحة، وأن تكون مؤلفة من ثلاثة عناصر أساسية هي: الأرض، الشعب، وحصرية القوة.  فإذا أردنا دولة حقيقية، يجب أن تكون حصرية القوة تحت سقف القانون وفي إطار الأمم. لبنان يحدد شرعيته بين خيارين: شرعية الدولة وشرعية المجتمع الدولي. ويجب أن يحدد لبنان شرعيته أولاً من خلال سيادته، فالمفاهيم التي سمعناها عن السيادة ليست شعارات فحسب، بل هي شرط أساسي لوجود الدولة، وليست خياراً يمكن القبول به أو التخلي عنه. ونصل إلى الشرعية الدولية من خلال ممارسة السيادة، فحين نمارس سيادتنا نصبح دولة قادرة وفاعلة ضمن المنظومة الدولية. أما إذا لم تكن هناك سيادة داخلية، فحينها تنتقص الدولة من معناها ودورها وإن السلطة التنفيذية هي الجهة المخولة اتخاذ القرار ببسط سلطة الدولة، وهي السلطة المنبثقة عن السلطة التشريعية، وهذه الأخيرة تستمد شرعيتها من الشعب".

 

وقال: "المطلوب أن تتخذ السلطة التنفيذية القرار ببسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية. وإذا اتخذت هذا القرار استناداً إلى النصوص الدستورية، فهذا ليس خطأ، بل هو واجب. الخطأ كان سيكون في حال امتنعت السلطة عن اتخاذ هذا القرار، لأن ذلك سيجعل الدولة ناقصة المواصفات، ودولة ناقصة المواصفات لا تستطيع أن تؤدي دورها الداخلي ولا أن تكون جزءاً فاعلاً من المنظومة الدولية، كما لن تتمكن من الدفاع عن حقوقها في المحافل الدولية".

أمّا عن الشرعية الدولية، فتابع: "بالنسبة إلى الشرعية الدولية، هي تتجلى عندما يدافع لبنان عن حقوقه بعد أن يكون قد بسط سلطته على كامل أراضيه. عندها، يمكنه أن يلجأ إلى المجتمع الدولي للمحافظة على سيادته، فتكون السيادة اللبنانية عنصرا أساسيا لتمكين الدولة من الدفاع عن نفسها ومواجهة كل الانتهاكات التي تتعرض لها، خصوصاً الاعتداءات الإسرائيلية المعروفة والمستمرة. لكن بما أن ميزان القوى ليس متكافئا مع العدو الإسرائيلي، لا يمكن للبنان أن يواجهه فقط من خلال القوة، بل يجب أن ينقله إلى ساحة الشرعية الدولية، رغم الانتقادات التي توجه إلى هذه الساحة. فلبنان، بخلاف دول أخرى، لا يحتل أراضي الغير، بل يدافع عن أرضه وحقوقه، وله الحق الكامل في ذلك، شرط أن تكون لديه سيادته الكاملة وكلمته المسموعة، وأن يتمكن من الالتزام بما يقرره".

 

واعتبر أنّ "التفاوض الجدي لا يمكن أن يتم إلا عندما يكون المفاوض قادراً على الالتزام بما يتفق عليه والمطالبة بحقوقه. لذلك فإن شرعية الدولة والشرعية الدولية لا تتناقضان، بل تتكاملان". 

وقال: "البروفسور أبو كسم استشهد بقول للأمين العام للأمم المتحدة الذي يقول إن العدالة شرط السلام والسلام والعدالة غير قابلين للتجزئة. وبالتالي، إن التأخير في ارساء حكم قانون يقوض السلام الدائم حيث تبقى العدالة هي أصل السلام الحقيقي، من هنا نقول إن هناك ملفات كبيرة يومية، وعلى الجسم القضائي مسؤولية كبيرة وهو يتحملها من دون أن ننسى الظروف التي مر بها لبنان والمخالفات الجسيمة والجرائم الكبيرة التي ارتكبت في كل الاطر وفي كل المؤسسات.  لذلك المطلوب اليوم من القضاء عمل جبار، فاستقلالية القضاء مصانة بالفعل اولا من قبل مجلس القضاء الأعلى ورئيسه وكذلك من قبل هيئة التفتيش، وواجب المحافظة على العدالة لا ينفي واجب المصارحة والمصالحة".

 

مصري: شكراً أنطونيوس أبو كسم

ثم ألقى النقيب فادي مصري كلمة، قال فيها " أقول شُكراً " أنطونيوس أبو كسم"... شكراً لك ست مرات. مرة، شكراً لك، لأن مؤلفك هذا ليس إضافةً شكلية إلى المكتبة القانونية، بل هو قراءة معمقة وضرورية لوضع لبنان الراهن. ومرة ثانية، شكراً لك، لأنك تناولت أيضاً الشرعية الدولية ... تلك الشرعية التي كان لبنان رائداً في تأسيسها كعضو مؤسس في الأمم المتحدة، والتي تمثل اليوم شبكة الأمان الأخيرة لنا. ومرة ثالثة، شكراً لك لأنك أكدت في هذا المؤلف أن العدالة هي أساس الشرعية والقانون، وأن شرعية الدولة لا تكتسب فقط بالاعتراف الدستوري أو الإقليمي، بل ترسخ يومياً بمدى القدرة على تحقيق العدالة الناجزة والشاملة". 

أضاف: "مرة رابعة، شكراً لك لأنك توقفت عند الذروة المأسوية لهذه العدالة: جريمة انفجار مرفأ بيروت ... ولأنك أبرزت أن المرحلة بين 2020 و2025 جسدت ما سميته "العدالة التعطيلية" أو "العدالة بالامتناع". وتابع: "ومرة خامسة، شكراً لك لأنك وضعت إصبعك أيضاً على أن ما يواجهه لبنان اليوم هو معضلة سيادة بامتياز: فشل الشرعية الداخلية يفتح الباب واسعاً أمام التدخلات الأجنبية، ويجعل لبنان رهينة التوترات الإقليمية والدولية. ولا شك أن حضور هذه الكوكبة من المرجعيات السياسية، القضائية، الروحية، والدبلوماسية في بيت المحامي اليوم، يثبت أنّ موضوع الشرعية والسيادة والعدالة ليس نقاشاً أكاديمياً ضيقًا، بل هو صلب اهتمام الدولة والمؤسسات". 

وأردف: "مرة سادسة، شكراً لك وأنت هذه القامة القانونية الشابة الأكاديمية اللامعة على هذا الجهد البحثي القيم، لأنك قدمت لنا خارطة طريق لفهم التحديات القانونية والسياسية التي تضعنا على مفترق الطرق: إما العودة إلى كنف دولة القانون والمؤسسات، وإما الانزلاق نحو ما أسماه المؤلف نفسه "الدولة الفاشلة" في قانون الأمم. ولذلك، أدعو الزملاء المحامين والباحثين وطلاب الحقوق إلى قراءة هذا الكتاب بتمعن ففيه مفاتيح لكثير من الألغاز التي تحيط بمصيرنا".

 

 أبو كسم: لا تنازل عن السيادة الداخلية والخارجية

واختتمت الندوة بكلمة للمؤلّف الذي توجه بالشكر إلى المدعوين، واعتبر أنّ "مشقّة الحضور ليست إلّا تكريماً لحريّة الرأي التي هي الركيزة الأساس للديمقراطيّة الصحيحة". وأشار إلى أنّ هذا "المؤلَّف ليس دعاية سياسيّة أو مهنيّة، بل هو وليدة أزمة الحريات الأكاديميّة، حيث إنّ بعض المقالات في هذا الكتاب التي تناشد احترام مبدأ الشرعيّة وسيادة لبنان، كانت سبباً لمحاولات إقصاء أو لاستعداء مباشر وغير مباشر في مؤسسات تعليم عالٍ رسميّة وخاصّة. إنّ الحريات الأكاديمية أساس للتطور العلمي ولتطوّر الفكر ولإعلاء ورفع مستوى التعليم العالي". وأشار إلى أنه "دفاعاً عن حريّة الفكر ووفاءً لقسم المحاماة فضّل الحريّة المطلقة بدلاً من الخضوع أو الرضوخ عبر قول الحقيقة، إيماناً بتعاليم السيّد المسيح "تعرفون الحقّ والحقّ يحرّركم".

وقال: "إنّ قول الحقّ وحتى في الأنظمة الديمقراطية له تبعات، "فما ترك لي الحقُّ صاحباً" حسب قول الإمام عليّ. فأيّ صاحب هذا تبني العلاقة معه على الرياء بعيداً عن الشفافيّة؟ وعلى المصالح بدلاً من القيم؟ أو على الفساد بدلاً من الإصلاح؟ حضور المدعوين الحاشد في الحفل يبعث الأمل، ويُثبت أنّ لسيادة القانون ليس فقط أصحاباً، بل أيضاً سيّدات وسادة مناضلات ومناضلين أوفياء ملتزمين بقضيّة لبنان الدولة".

وتوجّه بتحيّة لطلابه في الجامعة اللبنانية، معتبراً أنّها "جامعة الوطن التي ستستمرّ بفضل الشرفاء، فالحقّ أقوى من الشرّ". وأضاف أنّه في البدء كان الكلمة، مشيراً إلى أنّه استشهد "بكبار من لبنان من أجل حريّة الكلمة، وما بخلت النهار حتّى بفلذة كبدها". ونذكّر أنّ "لبنان بلد الحريات العامة في الشرق ولهذا يتمّ اغتيال الشخصيات لكمّ أفواههم وعشية ذكرى اغتيال الشهيد جبران تويني نقول ممنوع كمّ الأفواه" (اقتباس من مرافعة المحامي أبو كسم أمام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان بتاريخ 5 كانون الأول 2015)".

وأشار إلى أن مؤلّفه الجديد "محاولة تعبير صادقة عن رأي أكاديمي علميّ متجرّد في العلوم القانونيّة وفي علوم السياسة، هو عصارة اختبار محنة وطن وألم شعب. هو احترام للآخر وليس تهجماً عليه". وشدّد على أنّ "حريّة الرأي هي أساس الكرامة الإنسانيّة، ولا قيمة لمواطن يعيش من دون كرامة، فتمرّسنا على الدفاع عن الحقوق في هذه النقابة العريقة وما رسالة المحاماة إلّا نضالٌ في سبيل حماية الحريات العامّة. لا شراكة في السيادة ولا شراكة في الكرامة ولا شراكة في العدالة. فلا كرامة من دون رأي حرّ ولا سيادة من دون كرامة، ولا لبنان من دون سيادة، ولا سيادة من دون جيش، من دون جيش لبنانيّ، ولا نظام من دون قضاء".

وختم: "لا يمكن السكوت عن التنازل عن السيادة الداخلية والخارجية، فالسكوت ليس جبنٌ أو تآمرٌ، بل هو جريمة امتناع لا تسقط بمرور زمن أنظمة الاحتلال والوصاية والاستقواء والمتاجرة والتنازلات".

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث