خسارة أم هزيمة.. ربح أم انتصار؟

أحمد جابرالسبت 2025/11/08
Image-1762506506
يتمسك "حزب الله" بخلاصة انتصارية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

التساؤل حول الخسارة والهزيمة، والربح والانتصار، لا يراد به التدقيق اللغوي؛ بل المراد معاينة واقع الحال الذي صار إليه لبنان، بعد الحرب اللبنانية- الإسرائيلية الأخيرة. من شأن المعاينة أن تشكّل قاعدة النقاش السياسي الحالي، الذي يتوزّع أطرافه بين قائل بانتصاره، ورافض لما ينسب إليه من أسماء ومرادفات الهزيمة.

في الحالة الصراعية الراهنة، يتمسّك "حزب الله" بخلاصة انتصارية ترفض ما يساق إلى أصحابها من بنات الأضداد، وعلى ضفة المواجهة المقابلة، يتابع العدو الإسرائيلي ترداد عبارة انتصاره أيضاً، ويمعن في ممارسات قتالية مستمرّة، تُرسّخ مفاعيل عبارته وتؤكدها. 

 

قبل الحديث عن حزب الله وإعلانه الانتصاري المتكرّر، نسأل: هل يمكن الحديث عن هزيمة مقاومة وطنيّة ما هزيمة نهائية؟ وهل يستطيع العدو المحتلّ، اجتثاث ردّ الفعل المحليّ على فعل احتلاله؟ هذا السؤال تأسيسي، والجواب تأسيسي أيضاً، والسياق الناجم عن السؤال والجواب، يُعَدّ بمثابة إعادة تأسيس للبلد، لا يشبه ما كان البلد عليه، من دون قطيعة، ولا يشبه ما صار البلد إليه، من دون تكرار. هذا يعني أن مقاومة الاحتلال من شأنها أن تحدث تغييراً في الوطن التي تنتمي إليه، يحمل الكثير من الجديد، ويقطع وينقطع عن الكثير ممّا كان قديماً. يحصل التغيير، أو إدخال الجديد، في حالتي الانتصار والهزيمة، بحيث ترتدي الحالة الجديدة حلّة مفاعيل انتصارها أو تجرجر أذيال مفاعيل هزيمتها.

نعيد الحديث إلى سياقه الداخلي. للقول، إن المقاومة لم تهزم، لكنها خسرت، هذا ليس قفزاً بين معنىً أو معنىً؛ بل هو تقرير لواقع الحال. لقد خسرت المقاومة معركتها في مرحلة خوض حرب إسناد غزّة، وخسرتها في مواجهة العدو على الحدود اللبنانية، وفي ما يتجاوز هذه الحدود، وخسرت أيضاً، عندما عجزت عن منع العدو من احتلال شريط أرضي إضافي، ثمّ التمركز فيه.

 

خسارة المقاومة، تنفي رواية انتصارها، انحياز الأكثرية اللبنانية إلى الاعتراف بالخسارة، يعجز عن مواجهته تمسّك أهل المقاومة بلفظة الانتصار، واستمرار واقع الحال العدواني، من مطاردة جويّة، ومن توغّلات بريّة، يؤكد بالملموس ما انحازت إلى القول به الأكثرية، ويدحض بالملموس أيضاً، ما تذهب إليه أقليّة وحيدة من اللبنانيين.

على جادّة ذات السياق الداخلي، نتوقف أمام مقولة الانتصار المعادية، لنقول إن العدو قد فاز، أو ربح معركته، لكنه لم ينتصر. من دون تعداد مظاهر الربح الذي حققه العدو، يكفي القول إنها المظاهرنفسها التي شكّلت عناصر خسارة المقاومة. لنقل بكلامٍ آخر، إن قَصَبَ التفوقِ كان للعدو في هجومه، وإن صفّارة الحكم الأخيرة، قد أوقفت "اللعب" وأسدلت الستارة على نقاط ربح للهجوم المعادي.

المشهد الجديد الذي بات ثابتاً منذ عامٍ لا يذهب بالرائي إلى النظر أبعد من كلمتي الخسارة والفوز، ولا يذهب بالمتمعّن أبعد من مفردة التوازن المختل الرجراج، الذي لم يطوّر الخسارة لتصير هزيمة، ولم يتدحرج بالفوز ليجعله انتصاراً. ربما الأدق القول: إن المقاومة لم تخسر إلى الدرجة التي تسمح بفرض معادلة الهزيمة عليها، وإن العدو لم يربح إلى الدرجة التي تسمح له بفرض شروطه.

 

ماذا يمكن القول في حالة المشهد الجديد؟ ربما تكون جملة الثبات في المكان، هي الأقرب إلى واقع ثنائي المواجهة، الثبات عند خطوط التماس التعريفية، من دون تجاوزها حالياً بسبب من حسابات المواجهة في حال استئنافها، على الصعيدين الميداني والسياسي، وبسبب من حسابات فائض القوة، وشروط استخدامه من جهة، وحسابات القدرة المحدودة وإمكانية تطوير نتائجها، من جهة أخرى.

من الثبات المرفوض، إلى التحرك المرغوب، كيف يمكن النظر إلى ممكنات العدو العملية؟ وكيف يمكن تقدير ممكنات المقاومة الإسلامية الحقيقية؟ مصدر السؤال افتراض رغبة كل طرف من الطرفين تطوير نتائج معركته. كي تلامس نصر أهدافها المرسومة، أو ملامسة الأجزاء الرئيسة من عناصرها الأصلية.

تتداخل في حسابات الممكنات العوامل السياسية والعوامل العسكرية، ويُبنى تقدير الموقف "العملياتي" الشامل، على القراءة المدققة لكل هذه العوامل، ويُتخذ القرار بالتحرك بعد تكوين رأي واضح حول آفاق النجاح العام، وحول حسابات بعض الإخفاقات الجزئية، وحول نقطة الوقف التي ترتسم عندها الصورة الأوضح للانتصار، ولتحقيق الهدف الأساسي للعملية القتالية.

 

بناءً على ما تقدم، ما ممكنات العدو في حال اتخاذ قرار استئناف عدوانه؟ لن يدور جدال حول التفوق العام الذي يتمتّع به العدو، لذلك يذهب السؤال إلى ما المرجّح من أهداف تحرّكه؟ هذا يعني السؤال أيضاً حول ما هو مدى هذه الأهداف، جغرافياً، ما دامت الجغرافيا لدى العدو مساحة أمن سياسي و"أمن وجودي"؟ 

ومن دون فصل بين السياسي والمادي، لا تظهر اللوحة انشقاقاً داخلياً في المجتمع الإسرائيلي، حول استئناف مسيرة "الأمن"، أو عدم استئنافها، كذلك، لم يرفع الغطاء الدولي، الذي يختزله السياسي الأميركي اليوم، عن "الرغبات" الإسرائيلية، التي بدا أنها "رغبات" أميركية أيضاً.

في سياق الممكنات، ما هو المتوقع من الحركة الميدانية الإسرائيلية، وضمن أي نطاق جغرافي؟

يستطيع العدو القيام بحملة جوية مكثفة، فيستهدف بعنف تجمعات سكنية، وبنى اقتصادية واجتماعية لم يستهدفها من قبل.

ويقع ضمن قدرة العدو، استحداث منطقة حدودية عازلة، بالوجود العسكري في بعض النقاط العالية، أو بجعل هذه المنطقة، مساحة قتلٍ لكل من يدخل إليها. اتساع مساحة هذه المنطقة العازلة، أو ضيقها، يتوقف على حسابات العدو "الأمنية"، وعلى حسابات الضغط السياسي، التي يستهدف بها المقاومة، ومجمل البنية اللبنانية. لا داعي للتذكير، بأن العدو أخلى الشريط المحتل سنة 2000، لكن التذكير واجب، بأن هذا الشريط يمكن أن يكون الآن هدفاً للمنطقة العازلة، إنما بشروط يحدّدها العدو، وهذه الأخيرة قد يُمهّد لها بالتدمير، وبما يرافق التدمير من تهجير، بحيث يكون العزل الأمني بالنار وبالفراغ؛ أي باستبعاد الكتلة السكانية التي شكّلت في السابق الحاضنة لكل المقاتلين الوطنيين.

 

بين التهويل والواقعي، تظل الأولوية لالتقاط حقيقة الموقف. قد يكون المرجّح هو ما ذهبنا إليه، وقد يظلّ المرجح هو ما استبعدناه حالياً، من اجتياح برّي واسع، يروّج له البعض فيوصله إلى نهر الأوّلي، ويبالغ البعض الآخر، فيأخذه إلى العاصمة بيروت. وسط ذلك، سيظلّ الحقيقي أن العدو لن يوقف أشكال عدوانه، ما دام يحظى بموافقة ودعم راعيه الأميركي، وما دام يستند إلى "اجتماع" متطرف أنجب حكومة "دينية" متطرفة، وما دام يراقب بدأب، حال التشرذم على "حدوده" السورية واللبنانية، وما دام يقرأ بهدوء، أحوال العجز العربي العام. 

في مقابل الواقعي لدى العدو، ما الواقعي لدينا؟ سيظلّ مقبولاً كل القول حول ضرورة الدفاع عن الأرض اللبنانية في مواجهة كل عدوان، هذا في الداخل، وسيظلّ مطلوباً مخاطبة العالم بأن الدفاع عن الوطن حق مشروع لنا، لكن المقبول والمشروع، أن يكون خطاباً دولتيّاً لبنانيّاً، شاملاً، وليس خطاب فئة لبنانية، باتت هي وسلاحها موضوع إشكال.

 

لا يستطيع الوضع اللبناني الاستمرار في ظل ازدواجية القرار، فهذه الازدواجية تمعن في إضعاف حصانة الداخل، وعند حساب الممكنات في الدفاع، يجب القول إن الازدواجية عامل عرقلة لهذه الممكنات. لن نتحدث عن الممكنات القتالية، وسنكتفي بالقول إن ما لدينا يخوّلها الدفاع فقط، ولا يمكننا من القيام بهجوم تحريري لا طويل النفس، ولا قصير النفس. ثم لا يوجد اليوم بين اللبنانيين، من يريد أن يستدعي العدو لاحتلال أرض جديدة، ولا يوجد بينهم من يريد إخضاع لبنان لتجربة قتالية مريرة جديدة. 

عليه، ما يجب سحبه من التداول، هو كل خطاب يعلو فوق خطاب الدولة، أكان سياسيّاً أم عسكريّاً. نستطرد في هذا السياق للقول إن بعض الكلام السياسي لا يقدم دعماً لبناء دولة؛ بل يأخذ من مقوّمات هذا البناء، وإذا كان البعض يسوق إلى حزب الله تهمة أنه لا يريد الدولة، فإن هذا البعض، بقوله وبتكتيكاته، وبإثارته لمواضيع متفرقة، يبدو أنه لا يريد قيام الدولة أيضاً. نفتح مجالاً هنا للقول، ما دامت مسألة مواجهة العدو مسؤولية وطنية عامة، وما دام سلاح حزب الله مسألة عامة أيضاً، فإن هذه المسؤولية تفرض على أصحابها لغة حوارية هادئة، تنطوي على اقتراح برامج وخطط تتيح تجاوز عقبة السلاح، إلى مسألة الدفاع الوطني العام، وتتجاوز مسألة مناوشة حزب الله، إلى مسألة مناقشة المصالح الخلفية لكل الكتلة الشيعية، التي ينطق باسمها حزب الله وحركة أمل، ويتقدمان تمثيلها.

من المناوشة إلى المناقشة، ومن الداء إلى الدواء، ومن طلب البُعد إلى طلب القربى... هذه معادلة لبنانية لم يستطع أحد تجاوزها.

 

ولنذكّر، ويجب أن تنفع الذكرى: كل فئة لبنانية خاضت مقاومتها على طريقتها، ولم تنجُ مقاومة واحدة من تهمة الفئوية. حتى جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية، لم تنلْ تأييد كل اللبنانيين؛ بل ظلّت في موقع الاتهام السياسي، وهذا كان سهلاً على خصومها السياسيين. ما كان صعباً مع "جبهة المقاومة" كان وما زال سهلاً، عندما تتحدث القوات اللبنانية عن مقاومتها. وصف القوات بالفئوية سهل... ولعل في لصق الفئوية بحزب الله سهولة الآن، واستسهالاً في زمن قتاله ضد العدو الإسرائيلي وحتى التحرير. لقد جمع حزب الله بين الوطنية والإسلامية، باسم قضية الوطن، ولقد تساهل "النظام السياسي" فانتفع به ونهب وسرق وقمع... هذا هو ذات النظام، ينقلب على طرف منه، كان نافعاً وصار مصدر ضرر... إذن، ليس المطلوب أكثر من إعادة صياغة الممكن الدولتي، مع طرف من أطراف النظام. هذا الطرف أصلي وراسخ حتى تاريخه ضمن بيئته. للمتعجلين، هذه البيئة لا تؤخذ إلاّ من داخلها، وكل صدمة خارجية تزيد توجّسها، وتصلّب التفافها حول نفسها، لذلك سيظل الداخل وخطابه جسر عبور إلى "فكفكة" الخطاب الشيعي الحالي، وستظل المصالح واسطة عقد الكلام، وستظل الدولة راعية كل المصالح.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث