حين قال الموفد الرئاسي الأميركي توم براك، في منتدى حوار المنامة في البحرين إن "لبنان دولة فاشلة"، فإن كثر من المتابعين انزعجوا من هذا التوصيف والكلام، الذي اعتبر تهجماً قاسياً وقوياً على لبنان، وقد شعرت قطاعات واسعة من المواطنين اللبنانيين بالحرج والتبرم، من كلام هذا الرجل الذي يكثر في التصريحات والمواقف المتناقضة والمتباينة عن بلدنا، والذي يتحدث باستمرار عن لبنان والمنطقة بكلام سلبي ومتناقض وغريب وضعيف ومفكك في آن واحد.
كما هو معروف، فإن قول الحقيقة في أغلب الأحيان، مسألة مزعجة وممضة ومحرجة، تجاه الذات والمحيط. والحقيقة الراهنة، أن لبنان يتخبط في الفشل والتعثر من دون شرح وبراهين كثيرة من قبل المدعو براك. والدليل سلسلة الأحداث التي عاشها في العقدين الأخيرين والتي جرت على أرضه، وبين يدي سلطاته المسؤولة مؤخراً. والتي بدأت في حادثة صخرة الروشة، ثم في اغتيال وقتل الشاب اليو ابي حنا في مخيم شاتيلا، وصولاً إلى فضيحة إقامة العرس الصاخب في قلب مغارة جعيتا.
من هنا، فإن كلام الموفد الأميركي الذي تحول شخصاً مزعجاً، ليس بعيداً عن الواقع، نسبة إلى ما جرى من أحداث راهنة وسابقة وفي الماضي القريب.
إذا أردنا استرجاع ما جرى في صخرة الروشة، فإن النتيجة واضحة، وهي تآكل صورة الدولة ووقارها وتحطُّمهما، أمام إصرار جماعة مسلحة على كسر هيبة السلطات الرسمية وقراراتها، من دون أي رد فعل مناسب.
صحيح أن الرئيس نواف سلام، قد يكون تسرع في إصدار تعميمه بخصوص الأماكن العامة وطرق استعمالها، لكن الصحيح أن الذي جرى بعد حادثة الروشة ومعها، كان أفظع الأحداث، حين خرج مسؤول حزب الله وفيق صفا ليشكر المسؤولين الأمنيين، ويشيد بتعاونهم معه في إنجاح الحدث، من دون أن يرف لهؤلاء المسؤولين أي جفن ولتمر الأمور مرور الكرام. وقد زاد في الطين بلة أن وزير الدفاع الموقر، خرج في بيان علني يتهجم على رئيس الحكومة من دون أن يسميه، ويعلن ما يشبه العصيان والافتراق عن رئيس مجلس الوزراء وتوجهاته، في هذه القضية، من دون أن يعتبر الوزير والقوى المسؤولة عن الأمن الداخلي والانضباط المجتمعي أنها معنية بالموضوع وبما جرى.
عملياً، إن صورة الدولة اللبنانية وهيبتها وسمعتها كمؤسسة، ظهرت بعد حادثة الروشة وردود الفعل عليها ومن حولها، كأنها انتحرت من على الصخرة، كمثل المرتبكين والمصابين بعاهات نفسية عميقة.
الصخرة وجهت لها الأضواء والصور الضوئية وألعاب اللايزر من قبل أنصار حزب الله ومناصريه، لكن النتيجة أن حزب الله المتهالك أمام إسرائيل وماكينتها الحربية، لعب بأركان الدولة وتناقضاتهم وتبايناتهم، وسجل عليها أكثر من هدف إعلامي وسياسي ومعنوي. فلا هيبة ولا احترام لتوجيهات وإرادة السلطة الرسمية المتواجهة والمتناقضة تجاه حادث مشهود.
لم تمضِ أيام على ما جرى في الروشة، حتى صُدم الشعب اللبناني في حادثة مقتل الشاب اليو ابي حنا في مخيم شاتيلا، من دون أن يتضح كيف دخل هذا الشاب إلى المخيم ووقع في قلب الوغى، من دون أي حاجز أو نقطة تفتيش تمنعه أو تحول دون انزلاقه إلى داخل المخيم.
لم يقتصر الأمر على ما جرى في الروشة ومعانيه العميقة، حتى صدمت خلال الساعات الماضية، قطاعات واسعة من الشعب اللبناني بصور حفل زفاف صاخب في قلب مغارة جعيتا، التي كانت مرشحة على لائحة عجائب الدنيا السبع، وسط رقص الحضور وضجيجهم وأصوات موسيقاهم الصاخبة التي تؤثر على المتحجرات الكلسية والجيرية التي تعطي للمغارة رونقها وجمالها.
الفضيحة أن حفلة الزفاف تبين أنها بموافقة شفهية من وزارة السياحة، نتيجة عقد موقع معها ومع بلدية جعيتا، لاستثمار المغارة وجني الأموال لتأخرها في التوصل إلى عقد استثمار مع شركات متخصّصة.
السؤال الذي طرح نفسه لدى الجميع، هو كيف يسمح بهذا الصخب والازدحام داخل المغارة، ولا يسمح للمواطنين والسواح بالتقاط الصور داخلها أثناء زيارات الوفود السياحية؟
المعلومات الواردة بعد الزفاف الفضيحة، أنه لم تجرِ مراعاة الأوزان والأعداد الداخلة، وما يمكن أن تتحمله ممرات المغارة الخرسانية والصخرية من أوزان!
الأخطر في كل ما جرى هو استسهال تحويل مرفق سياحي تاريخي فريد، عام وحساس التركيبة والمحتوى، إلى مكان لتسهيل جني الأموال من دون تأنٍّ وتدقيق ودراسة الانعكاسات وردود الأفعال والنتائج؟
بيّنت الوقائع أن ما جرى كان مقدمة لحفلات ومناسبات صاخبة أخرى مقبلة، وفق الاتفاق. وكل ذلك بعلم وزيرة السياحة المسؤولة عن المرفق العام وسلامته وصورته.
كان الحري بسبب هذا الارتكاب والخطأ الفادح، أن تُنصح الوزيرة بالانسحاب والاستقالة من الحكومة، حفاظاً على هيبة السلطة الرسمية المتخصّصة أمام المواطنين وشفافيتها ومسؤوليتها. لكن لا يبدو أن أي أمر من قبيل المحاسبة على هذا التجاوز سيجري، كما سبق أن حدث بعد حادثة صخرة الروشة.
صحيح أن الوزيرة المتخصّصة والمسؤولة قد سارعت إلى إجراءات جدية ومقبولة، لكنها ارتكبت خطيئة فادحة ومضرة.
كما يقال في العامية "الله ستر" ونجت البلاد من حادث خطير وجلل، كان من الممكن أن يقع في الحفل وبسببه.
بعض المعلومات من متخصّصين تحدث عن خطورة الازدحام الذي جرى داخل المغارة، والذي كان من الممكن أن يؤدي إلى ارتفاع نسبة أوكسيد الكاربون إلى الأوكسيجين داخل المغارة، مما قد يتسبب باختناق من في داخلها.
انطلاقا من المنطق "الأعوج" الذي سمح باستثمار البلدية للمغارة من دون رقابة أو دراسة متأنية، من أجل الكسب والاستثمار المادي، هل ستجر هذه الحادثة بلدية بعلبك مثلاً إلى تأجير القلعة التاريخية لزفاف أحد أبناء وجهاء المنطقة؟ وهل يمكن أن نرى بلدية صور في المستقبل تقوم بتأجير المسرح الروماني فيها، وأن تقدم بلدية صيدا مثلاً على تأجير قلعتها لصاحب أموال وثروة، أو أي صاحب نفوذ أو ثري من الأثرياء يرغب في زفاف لابنه فيها؟
هل اختنقت السلطات المسؤولة عن المغارة داخلها، ولم تستطع أن تتخذ أي إجراء محاسبة جدي حتى الآن؟
