أقام المجلسُ الإسلاميُّ الشيعيُّ الأعلى في مقره بالحازميّة ندوةً بعنوان "تطبيق اتفاق الطائف، إخفاقات وتحدّيات"، شارك فيها القائمُ بالأعمال في السّفارةِ السعوديّة، والسّفيرُ المصريّ، والرئيسُ الأسبق للحكومة فؤاد السّنيورة، وحاضر فيها الوزراءُ السّابقون سمير الجسر، وزياد بارود، وعبّاس الحلبي، ورئيسُ الجامعةِ اللبنانيّة السّابق زهير شكر.
وأشار نائبُ رئيسِ المجلسِ الشّيعيّ الأعلى الشّيخ علي الخطيب إلى أنّ "اتّفاقَ الطائف كان تسويةً لوقفِ الحرب، مفتوحةً على إصلاحٍ سياسيٍّ وإداريٍّ واجتماعيٍّ، كان يمكن أن يُحقّق استقرارًا مستدامًا لو طُبِّق بالكامل"، موضحًا أنّ "ما جرى أنّنا أوقفنا الحرب، أو هكذا توهّمنا، ونظّمنا السّلطات، لكنّنا أهملنا الحلّ، وها نحن اليوم ندفع الأثمان الباهظة في كلّ المجالات نتيجة هذا الواقع".
وشدّد الخطيب على أنّ "اتّفاقَ الطائف بالنسبة إلينا هو المَخرجُ الوحيدُ للحلِّ الوطنيِّ الجامع في لبنان، وهو المدخلُ إلى قيامِ الدّولةِ القائمةِ على المواطنة"، مؤكّدًا: "لا نملك أيَّ رؤيةٍ وطنيّةٍ خارج هذا الاتّفاق، وليس لدينا مشروعٌ سياسيٌّ مستقلّ خارج الإجماع الوطنيّ، ولذلك ندعو إلى تطبيقه كاملًا من دون زيادةٍ أو نقصان".
ودعا الخطيب إلى "مؤتمرِ حوارٍ وطنيٍّ جامعٍ برعايةِ رئيسِ الجمهوريّة جوزاف عون، يضع الأسسَ الضّروريّة لاستكمالِ تطبيقِ مندرجاتِ الاتّفاق، وتحويلِه من شِقِّه الأمنيّ والتنظيميّ إلى شِقِّه الإصلاحيّ"، مناشدًا "الأشقاءَ العرب الذين رعَوا الاتّفاق، ولا سيّما السّعوديّة والدّول الشقيقة، دعمَ هذا الحوار وعدمَ تركِ لبنان في مهبِّ الرّياح". كما لَفَت إلى أنّه "لا بدّ من العمل على تصحيحِ الوضع القائم جرّاء العدوانِ الإسرائيليّ المستمرّ على لبنان"، مقترحًا "تشكيلَ لجنةِ متابعةٍ لتحريكِ هذا الملفّ بصورةٍ فاعلة". وختم بالقول: "لبنانُ لنا جميعًا، وإنّ أكثرَ ما يؤذي الوطن هو الانقسامُ الدّاخليّ".
وفي مداخلتِه، رأى الوزيرُ السّابق سمير الجسر أنّ "استمرارَ الأزماتِ السياسيّة في لبنان، بين تأخيرِ انتخاباتِ رئاسةِ الجمهوريّة، وإثارةِ اللّغط حول الاستشاراتِ المُلزِمة، وإشكاليّاتِ تأليفِ الحكومة، يعود إلى الخروجِ على الدّستور وعدمِ تطبيقِه، ومحاولاتِ تفسيرِ النّصوص وتحميلِها ما لا تحتمل طمعًا في نفوذٍ إضافيّ، ما يخلخل النّظام ويعرّض الدّولة للفراغ".
وقال الوزيرُ السّابق زياد بارود: "في الزمنِ الضائع، نبحثُ في أساسيّاتِ البلد، في ميثاقيّته، في شبكاتِ الحمايةِ الدستوريّة، كي نكون جاهزين، عندما تضعُ الأزمةُ أوزارَها، لنجلسَ معًا كلبنانيّين، فنُحصّن لبنانَ الرّسالة، ونقارب التحدّيات التي تواجه انتظامَ الحياةِ السياسيّة". وأضاف: "يقع على الطّبقةِ السياسيّة مجتمعةً أن تُبادِر إلى نفضِ الغبار عن أحكامِ الطائف التي لم تُطبَّق، فتذهب إمّا إلى تصويبِ المسار إذا تبيّن أنّ المشكلة في النصّ والآليّة، أو إلى إزالةِ المعوّقات، لأنّ الإخفاق ليس قدرًا، بل جريمةٌ متماديةٌ بحقّ لبنان واللبنانيّين".
بدوره، شدّد الوزيرُ السّابق عبّاس الحلبي على أنّ "منذ إبرامِ اتّفاق الطائف، لم يهدأ الجدلُ حول مدى قبولِ الطّائفةِ الشيعيّة به"، مؤكّدًا أنّ "الوقائعَ التاريخيّة تُثبت العكس، فقد كانت الطّائفةُ ممثّلةً في اجتماعاتِ الطائف عبر نوّابِها، كما أنّ القياداتِ غيرَ الممثّلة في المجلسِ النيابيّ كانت حاضرةً بواسطة عددٍ من النوّاب الذين حملوا مطالبَها"، لافتًا إلى أنّ "الاتّفاق أنهى الحرب الأهليّة، وكرّس استقلالَ لبنان وهويّته العربيّة، وأعاد تثبيتَ النظام الجمهوريّ البرلمانيّ، ووضع خريطةَ طريقٍ لبناء دولةٍ مدنيّةٍ عادلة، غير أنّ التطبيق لم يَرقَ إلى مستوى النّصّ، فاستُنسِب بعضُه وجُمِّد بعضُه، ورُهِنت مؤسّساتُ الدّولة للمحاصصة".
ومن جانبه، أكّد زهير شكر أنّ "وثيقةَ الوفاقِ الوطنيّ لها قيمةٌ ما فوق دستوريّة، باعتبارها الوثيقةَ الأساسيّةَ للدستور اللبناني المعدّل، التي أفضت تعديلاتُها إلى قيامِ الجمهوريّة الثانية"، مشيرًا إلى أنّ "الغالبيّةَ الساحقة من اللبنانيّين، ولا سيّما بين المثقّفين، مؤمنةٌ بأنّ خلاصَ لبنان يكمن في تنفيذِ كلّ الإصلاحات الدستوريّة والإداريّة والقضائيّة التي نصّت عليها الوثيقة".
