نيويورك.. نيويورك

يوسف بزيالخميس 2025/11/06
Image-1762429084
نيويورك عاصمة العالم (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

إذا كانت واشنطن عاصمة الولايات المتحدة، فنيويورك عاصمة العالم. إنها المدينة الأكثر كوزموبوليتية، حيث التنوع في أقصى تجلياته، والاختلاط في أفضل مثالاته. والأهم أن القيم التي تتبناها هذه المدينة، تشجع على المزيد من التسامح والتعايش والاختلاط والتثاقف والتهجين. وفيها كل جنسيات الأرض وكل الانتماءات والهويات التي لا تُحصى، كأنها بابل العصر الحديث.

 

تاريخياً، تلك سمات المدن الامبراطورية، الكوزموبوليتية حتماً، من روما إلى بغداد، ومن اسطنبول إلى الاسكندرية وفيينا وهونغ كونغ...

في هذه المدن، تُصنع الهوية يومياً، تتحول دوماً وتتهجن باستمرار، عرقياً ودينياً وثقافياً، فيغيب أو يضمحل وهم النقاء والأصل، وتتسع حقيقة الامتزاج والتفاعل والتبدل. 

والمدن إنما يصنعها الغرباء، المهاجرون والخارجون من عصبية الهويات والانتماءات، نحو الفردية المتحررة، والمنفتحة على الاختلاف في فضاء حرّ وحيوي. ومن المستحسن أيضاً، أن يصاحب ذلك تعدد في اللغات والمعتقدات. ومن البديهي أن تُحكم بقوانين المساواة وحرية التفكير والتعبير.

غلب الظن منذ منتصف القرن الماضي، أن المدن "المزدهرة" والجذابة والناجحة إنما هي التي تبني ناطحات سحاب، على مثال نيويورك، من غير اهتمام بروحها أو سرها الذي يتخطى وجود بورصة وول ستريت أو الشركات العملاقة. لذا، هناك اليوم في العالم عشرات المدن الكبيرة المحتشدة بناطحات السحاب ومراكز المال والشركات العابرة للحدود، لكنها ليست أبداً كوزموبوليتية أو جاذبة أو مبدعة أو تستحق حقاً صفة "مدينة"، رغم عمرانها أو "حداثتها".

 

المفارقة، أن الذين عرفوا "خطورة" نيويورك أو سرها وسحرها، هم الأشد عداء لها ولما تمثله، لا كعاصمة للرأسمالية فقط، أو كنموذج للديموقراطية، بل أيضاً كأسلوب حياة وثقافة وفن وليبرالية اجتماعية مضادة للهويات. يمكن هنا العودة إلى الأدبيات النازية الكارهة لنيويورك "المنحطة"، قدر كرهها لبرلين ما بين الحربين (جمهورية فايمار) حين كانت برلين المدينة الأكثر تقدمية وتحرراً في كل أوروبا. أما في زمننا المعاصر، فكان الإسلام الجهادي (تنظيم القاعدة) هو وريث كراهية نيويورك "الكافرة". فهو حين فجّر البرجيّن في 11 أيلول 2001، كان يعلن الحرب على الغرب كله، المتعولم والذي ينشر قيمه ويهيمن بها على مستقبل البشرية. كان تنظيم القاعدة يطمح إلى تدمير التاريخ المبتدئ من عصر الأنوار، نكوصاً إلى عصر سلفي متخيل ومتوهم.

بمعنى آخر، تجسّد نيويورك كل ما يكرهه الأصوليون والمتعصبون والسلفيون والقوميون والمتزمتون. وها هي اليوم، وعلى عكس وقائع العالم، ووقائع أميركا بالذات، إذ تنتفض فعلياً وتقاوم كل ما تجسده الترامبية أو البوتينية أو النتنياهوية أو الخامنئية أو الداعشية، لتنتخب شاباً عمدة لها يمثل معنى "المزيج" القومي والإثني والديني والثقافي واللغوي، تماماً كما يليق بأسطورة نيويورك وتاريخها. هذا الشاب، زهران ممداني إذ "صنع" نفسه وسيرته بإرادته وبمؤثرات إرثه العائلي، كذلك هو صنيع المدينة بما منحته وألهمته وعلّمته. 

 

"انتصار" ممداني لم يبدأ من السياسة، أو هو ليس سياسياً بالمعنى السائد، بقدر ما هو انتصار الطليعية الفنية والفكرية. فالمدينة أولاً هي عاصمة الفنون والجماليات الجديدة. وباستمرار كان يصنع صورة نيويورك فنانون ونقّاد وسينمائيون وكتّاب وأكاديميون وطلاب جامعات ومسرحيون ومفكرون. ممداني هو ابن الجيل الجديد من النيويوركيين المنتمين إلى فضاء وبيئة تتقدم فيها قيم الجمال على المال، الإبداع على الثروة، التعاطف على الربح، والفن على السياسة.

وبهذا المعنى، أنجزت نيويورك أجمل "ثأر" (أو أرقى جواب) على كل 11 أيلول 2001 ومعانيه، وعلى الترامبية وأخلاقها، وعلى النيوليبرالية الاقتصادية، وما شابه ذلك في أنحاء العالم.

 

ربما كان زهران ممداني بداية يقظة للحزب الديموقراطي وانتعاشة ملهمة لليسار الديموقراطي، إلا أنه أيضاً جاء في لحظة مناسبة كعلامة إضافية على أفول الإسلام السياسي، وكإشارة أمل لتجاوز الفوبيات التي تمرِض العالم: الخواف من المهاجرين، الخواف من المسلمين، الخواف من اليهود، من المثليين، من النساء، من السود، من العرب، من الملحدين، من المؤمنين إيماناً ذاتياً وفردياً، من اليساريين، من الصحافيين، من كل أجنبي ومختلف.

لهذا السبب، لا بد أن نخاف على ممداني وعلى نيويورك من 11 أيلول آخر، فالكارهون هم الآن أسياد العالم.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث