على حدّته وصراحته في التعبير عن موقفه من المفاوضات التي يتحضّر لبنان لخوضها مع إسرائيل، لم يكن متوقعًا أن يقول حزب الله أقلّ مما تضمّنه البيان وعبّر عنه. ففي مفاوضات ترسيم الحدود البحرية، التي رفض حزب الله شكلها حينها إلى جانب الرئيس نبيه بري، خرج بموقف رافض عالي اللهجة، ومع ذلك سلّم بنتيجة المفاوضات واعتبر أنّه لعب دورًا حينذاك في تقوية الموقف اللبناني من خلال المسيرة التي أرسلها لتحلّق فوق كاريش.
اليوم، وفي خضمّ الحراك وهجمة الوفود الغربية والعربية التي يشهدها لبنان، خرج حزب الله بموقفه مطالبًا "بوقف العدوان بموجب نصّ إعلان وقف النار والضغط على العدوّ الصهيوني للالتزام بتنفيذه"، نائيًا بنفسه عن "الخضوع للابتزاز العدواني والاستدراج نحو تفاوض سياسي مع العدوّ الصهيوني على الإطلاق، فذلك ما لا مصلحة وطنية فيه وينطوي على مخاطر وجودية تهدّد الكيان اللبناني وسيادته".
مجموعة رسائل توجّه بها حزب الله قاصدًا الدولة في الداخل، ومن تقدّم منها باقتراحات طالبًا تجميد عمل سلاحه، والمقصود على وجه التحديد ما تقدّم به الوفد المخابراتي المصري من أفكار بلورها في مبادرة طالبًا ردّ حزب الله عليها.
وبموازاة الحوار الجاري بين بعبدا وحزب الله حيال موضوع المفاوضات، وإزاء ما عبّر عنه رئيس مجلس النواب نبيه برّي، أراد حزب الله أن يؤكّد المؤكّد من قبله برفض مبدأ التفاوض، لكنه لم يقفل الباب أمام ما تنوي الدولة فعله ولو تحت الضغط، مراعيًا اعتبارات الدولة اللبنانية.
لا شكّ أنّ بيان حزب الله جاء بالاتفاق المسبق مع شريكه في الثنائية، أي الرئيس نبيه برّي، خصوصًا عندما يتحدث باسم مكوّن سياسي أساسي في البلد، ولم يكن بعيدًا عن رئيس الجمهورية الذي استبق حزب الله صدور البيان بإبلاغه بموقفه، وهو لا بدّ سيقصد قصر بعبدا لتوضيح المقصد من البيان وما ورد فيه، وفي ذلك تأكيد من الحزب على العلاقة مع عون وأنّ البيان وإن كان سلبيًا فليس موجّهًا إلى بعبدا.
بيان مسهب، فيه الكثير من النقاط والرسائل، لكن ما يمكن التوقّف عنده على عجل هو ثلاث نقاط تطرّق إليها:
أولًا: تأكيده على الالتزام بوقف النار وتنفيذ ما صدر عن الحكومة اللبنانية آنذاك والتي قالت إنّه و"اعتبارًا من الساعة الرابعة فجر الأربعاء 27/11/2024 فصاعدًا، ستمنع حكومة لبنان حزب الله وجميع الجماعات المسلحة الأخرى في الأراضي اللبنانية من تنفيذ أي عمليات ضدّ إسرائيل، وإسرائيل لن تقوم بأي عمليات عسكرية هجومية ضد الأراضي اللبنانية، بما في ذلك الأهداف المدنية أو العسكرية أو غيرها من الأهداف التابعة للدولة، عن طريق البر أو الجو أو البحر".
ليقول من خلال ذلك إنّه التزم بعدم خرق الاتفاق الذي تمّ التوصل إليه، وإنّه لم يطلق أي عملية في مواجهة إسرائيل وقد جمّد دور سلاحه بموجب قرار صدر عن الحكومة، ليردّ بذلك على الأفكار المصرية أو المبادرة التي أودعها الوفد المخابراتي المصري خلال زيارته الأخيرة للبنان.
ثانيًا، وهنا المهمّ والمستجدّ، أنّ حزب الله لم يتحدث من موقعه كحزب مقاوم بل "بصفتنا مكوّنًا مؤسّسًا للبنان الذي التزمناه وطنًا نهائيًا لجميع أبنائه"، ليؤكّد "حقّنا المشروع في مقاومة الاحتلال والعدوان والوقوف إلى جانب جيشنا وشعبنا لحماية سيادة بلدنا، ولا يندرج الدفاع المشروع تحت عنوان قرار السلم أو قرار الحرب، بل نمارس حقّنا في الدفاع ضدّ عدوّ يفرض الحرب على بلدنا ولا يوقف اعتداءاته بل يريد إخضاع دولتنا".
لبنان وطن نهائي
استعاد الحزب التأكيد على كونه وبيئته مكوّنًا أساسيًا التزم لبنان وطنًا نهائيًا وأنّه متجذّر في الأرض، وأنّ السلاح المقاوم هو لمساندة لبنان، لكنه بالمقابل قالها ولأول مرة إنّ هذا السلاح لم يعد مرهونًا بأي مشاريع خارجية أو متأثرًا بأي ظروف إقليمية محيطة، مؤكّدًا "حقّنا المشروع في مقاومة الاحتلال والعدوان" لكنه يقف في ذلك "إلى جانب جيشنا وشعبنا لحماية سيادة بلدنا"، وأنّه لا يملك قرار السلم والحرب المحصور بالدولة، بل يمارس حقّه في الدفاع ضدّ عدوّ يفرض الحرب على بلدنا ولا يوقف اعتداءاته، بل يريد إخضاع دولتنا.
أراد حزب الله تقوية موقف الدولة التي يريدها أن تذهب قويّة إلى التفاوض وبموقف موحّد، وأنّها لا تزال تملك أوراق قوة، بدليل الهجمة الخارجية عليها طلبًا للتفاوض. وإذا كان لا بدّ من التفاوض على موقف الحزب وسلاحه، فليكن تفاوضًا من موقع القوّة.
يجزم حزب الله ويتحدث بموقف قاطع تجاه المفاوضات، معتبرًا "التورّط والانزلاق إلى أفخاخ تفاوضية مطروحة، ففي ذلك المزيد من المكتسبات لمصلحة العدوّ الإسرائيلي الذي يأخذ دائمًا ولا يلتزم بما عليه، بل لا يعطي شيئًا. ومع هذا العدوّ المتوحّش والمدعوم من الطاغوت الأميركي لا تستقيم معه مناورة أو تشاطر. إنّ لبنان معنيّ راهنًا بوقف العدوان بموجب نصّ إعلان وقف النار والضغط على العدوّ الصهيوني للالتزام بتنفيذه، وليس معنيًا على الإطلاق بالخضوع للابتزاز العدواني والاستدراج نحو تفاوض سياسي مع العدوّ الصهيوني على الإطلاق".
وعليه، فإنّ حزب الله يرفض التفاوض السياسي، أي أنّه لم يعطِ رفضًا بالمطلق لكلّ أشكال التفاوض، بل ترك مساحة يلاقي من خلالها موقفي رئيس الجمهورية جوزاف عون ومجلس النواب نبيه برّي بالحديث عن مفاوضات عبر الميكانيزم ولو تمّ تطعيم الوفد المفاوض بمدنيين.
يمكن الفهم أنّ بيانًا كهذا قد يكون القصد منه تقوية الموقف اللبناني الذاهب حُكمًا نحو المفاوضات، ومن باب التفاوض بما يملك من أوراق قوة، خصوصًا في ظلّ الهجمة الدولية التي قصدت لبنان ساعية للعب دور في التفاوض بين لبنان وإسرائيل، وكان لكلّ دولة عرضها ومبادرتها من البريطاني إلى الألماني فالفرنسي ثمّ المصري. وبمعنى آخر، فقد حاكى البيان حركة سياسية تهيّئ الأجواء للمسارات التفاوضية التي انطلقت.
حدّد البيان إطارًا للمفاوضات، وهو الذي يخوض نقاشًا مع المعنيين حول برنامج التفاوض وما سيكون عليه الموقف اللبناني الرسمي، ومثل هذا البيان قد يستدعي لقاءً قريبًا لحزب الله مع رئيس الجمهورية لوضع الأمور في نصابها وتوضيح الموقف.
يبقى أن حزب الله، الذي يُستهدَف يوميًا ويسقط له شهداء، ليس من المنتظر منه أن يخرج على بيئته ببيانٍ أقل حدة، على عتبة دخول لبنان في مفاوضاتٍ غير مضمونة النتائج، ستكون حُكمًا مفاوضاتٍ تحت النار. والدليل أن البيان انتهى فيما كانت المسيرات تحلّق على علوّ منخفض في سماء الضاحية الجنوبية لبيروت، مع استئناف إسرائيل غاراتها جنوبًا.
الخوفُ أن تُلاقي إسرائيلُ البيانَ بتصعيدٍ أكبر، ليشكّل الحجة التي تبحث عنها كمبرّرٍ لعدوانٍ أوسع.
