شكّلت زيارة الوفد الأمني اللبناني إلى المملكة العربية السعودية، للمشاركة في مؤتمر أمني دعت إليه جامعة الأمير نايف العربية للعلوم الأمنية، محطة جديدة في مسار تطور العلاقات بين بيروت والرياض في عهد الرئيس جوزاف عون. فقد أتت هذه الزيارة في سياق إعادة إنتظام القنوات الأمنية والسياسية بين البلدين بعد سنوات من البرود أو حتى اللامبالاة من جانب المملكة تجاه لبنان، خصوصاً على خلفية الموقف السعودي الحاد من سلاح حزب الله، وما رافق ذلك من إتهامات بأن تهريب المخدرات إلى المملكة جرى بتغطية من جهات مرتبطة به، ما شكّل حينها تهديداً مباشراً لأمن السعودية وإستقرارها.
ترتيب أولويات المرحلة
غير أن صفحة جديدة فُتحت منذ إنتخاب الرئيس جوزاف عون، الذي لم يكن بعيداً عن الرؤية السعودية لدور الدولة في لبنان. فالمملكة، التي واكبت هذا الاستحقاق وكان لها دور رئيسي فيه، رأت في عون شخصية قادرة على إعادة بناء مؤسسات الدولة وإطلاق مسار تصحيحي في السياسة والأمن على حد سواء. ومنذ وصوله إلى بعبدا، تدرّج الدور السعودي من الدعم غير المباشر إلى المرافقة العملية لمشاريع الدولة في مجالات الإصلاح الأمني ومحاربة الفساد وتعزيز السيادة، بما في ذلك مقاربة ملف سلاح حزب الله من بوابة تحصين الدولة لا تفجير الداخل.
فالمقاربة السعودية الجديدة لا تنطلق من المواجهة بل من دعم مؤسسات الدولة اللبنانية وتثبيت منطقها، وهو ما يفسّر حرص الرياض على تشجيع توجهات الرئيس عون في السياسة والاقتصاد والأمن، مع إبقاء خطوط التواصل مفتوحة مع الأطراف اللبنانية كافة.
تعاون أمني في إطار عربي متجدّد
اليوم، تبدو العلاقات وكأنها تدخل مرحلة جديدة من الواقعية السياسية، حيث تُترجم سياسة الانفتاح السعودية تجاه لبنان بمزيد من الخطوات العملية على مستوى التعاون الأمني ومكافحة تهريب المخدرات، وهو الملف الذي كان أحد العناوين البارزة في لقاءات الوفد اللبناني مع القيادات السعودية العليا على هامش المؤتمر. وقد إتُّفق بين الجانبين على إبقاء مضمون المباحثات بعيداً من الإعلام، غير أنّ القليل الذي رشح عن المداولات يوحي بأن الرياض أعادت فتح الباب أمام تنسيق أمني مباشر مع بيروت ضمن مقاربة أكثر شمولية لأمن المنطقة.
لقاءات جانبية ذات دلالات خاصة
في معلومات "المدن" أن الاستثنائي في إجتماعات الرياض أنّ الوفد اللبناني أجرى سلسلة لقاءات جانبية، أكانت مشتركة أو منفصلة، مع قيادات أمنية سعودية بارزة، ما أضفى على الزيارة طابعاً عملياً يتجاوز الإطار البروتوكولي للمؤتمر. وقد إكتسبت هذه اللقاءات أهمية خاصة لكونها فتحت خطوطاً مباشرة بين الأجهزة الأمنية اللبنانية ونظرائها السعوديين في قضايا شديدة الحساسية.
فمدير عام الأمن العام اللواء حسن شقير، بصفته مديراً لجهاز أمني ذات إرتباط وثيق بالأمن السياسي، عقد لقاءات مطوّلة مع مسؤوليين سعوديين أمنيين كبار، تناولت مسائل تتصل بالاهتمامات المشتركة بين البلدين بالاضافة الى عناوين تتصل بالامن الحدودي، علما أن شقير سبق أن تولى وساطات ذات طابع أمني وسياسي مع العراق، ومؤخراً يعمل مع الجانب المصري من ضمن المبادرة التي تسوقها الاخيرة في بيروت تحت عنوان تخفيف الاحتقان مع اسرائيل. ويُدرك السعوديون أهمية دور اللواء شقير في هذه المسائل، إذ يُعتبر جهاز الأمن العام نافذة لبنان على محيطه العربي، ما يجعله محورياً في مقاربة السعودية للملف اللبناني من زاوية الأمن السياسي والاستقرار الداخلي.
وفي موازاة ذلك، أجرى المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء رائد عبد الله إجتماعات أخرى مع القيادات الأمنية السعودية، خُصصت للتنسيق في مجال الحرب على المخدرات وأمن الحدود. ويولي السعوديون هذا الملف أهمية قصوى، إذ يرون أن التهريب من الحدود اللبنانية السورية يشكّل بؤرة خطيرة لتصنيع وتهريب المخدرات نحو المملكة، بما يهدد أمنها الاجتماعي والاقتصادي. لذلك، فإن تعزيز التعاون مع قوى الأمن الداخلي اللبناني يدخل في صلب إستراتيجية المملكة لحماية أمنها الداخلي عبر دعم القدرات اللبنانية في الرصد والمكافحة.
من هنا، يمكن القول إن السعودية تنظر إلى لبنان من زاويتين متكاملتين: الأمن السياسي الداخلي الذي يتابعه جهاز الأمن العام، والأمن الاجتماعي والحدودي الذي يتولاه جهاز قوى الأمن الداخلي. واللقاءات الجانبية التي عُقدت في الرياض، بما حملته من رسائل تنسيق مباشر، عكست هذا الوعي بأهمية توزيع الأدوار اللبنانية في حفظ الأمن المشترك.
المسار السعودي اللبناني السوري
على الرغم من أن الملف السوري حضر في النقاشات، إلا أنّ مقاربة الرياض له بقيت في إطارها التقليدي. إذ لم تُطرح قضايا إستثنائية أو ترتيبات جديدة تتجاوز ما هو قائم ضمن المسار الثنائي اللبناني السوري الذي يُعقد في جدة برعاية سعودية. فمسار جدة، وفق مصادر مطلعة، يوازي إجتماعات الرياض ولا يندرج ضمنها، إذ يركّز على تنظيم العلاقات اللبنانية السورية تحت سقف التنسيق الرسمي بين دولتين مستقلتين، برعاية سعودية هدفها تصحيح المسار لا تعويمه.
وفي هذا السياق، يُنظر إلى الرعاية السعودية للعلاقة اللبنانية السورية كجزء من سياسة "ضبط الإيقاع العربي"، بحيث تُعاد هيكلة الملفات العالقة بين البلدين من الحدود إلى التمثيل الدبلوماسي، ومن التنسيق الأمني إلى ملف النازحين، ضمن مقاربة تدريجية تضمن إحترام السيادة اللبنانية وتكبح النفوذ الخارجي المتزايد في الداخل السوري.
مواجهة التحديات
بهذا المعنى، تُعيد الاجتماعات الأمنية الأخيرة رسم ملامح مرحلة جديدة في العلاقات اللبنانية السعودية عنوانها «الشراكة الواقعية» في مواجهة التحديات المشتركة، من الإرهاب وتهريب المخدرات إلى ضبط الحدود وتعزيز الأمن الإقليمي. وهي مرحلة يسعى الرئيس جوزاف عون إلى ترسيخها كجزء من إستراتيجيته لإعادة وصل لبنان بعمقه العربي، وتثبيت منطق الدولة في مقاربة الملفات الأمنية والسياسية الحساسة، فيما تُثبت المملكة، من جانبها، أن البوابة الأمنية هي المدخل الأكثر ثباتاً لإعادة بناء الثقة بين بيروت والرياض.
