لدى زيارة دمشق، ولقاء المسؤولين في السلطة السورية الجديدة، يتلمس المرء ارتياحاً سورياً إزاء التطورات القائمة ومسارها. في مقابل استشعار فوارق متعددة لدى فئات اجتماعية أو نخب سياسية كانت سابقاً معارضة لنظام الأسد، لكنها حالياً تطرح علامات استفهام كثيرة حول أداء القيادة الجديدة، خصوصاً بعد أحداث الساحل والسويداء. نخب كثيرة تشير إلى تبدد الآمال أو إضاعة الفرصة الحقيقية للانطلاقة التي كان يمكن البناء عليها في بناء سوريا الجديدة. أما بالنسبة إلى القيادة فهي ترى أن الفرصة لا تزال قائمة، وعلى الرغم من الاعتراف بالكثير من الأخطاء التي ارتكبت في الساحل أو في السويداء أو في ملفات أخرى غير أمنية، إلا أنها ترى إمكانية تجاوز هذه الأخطاء.
تركز النخب السياسية السورية على ضرورة العودة إلى مؤتمر عام سوري، وإعادة إحياء منتديات وحوارات فعلية وجدية تقودها السلطة الجديدة لانتظام عقد اجتماعي جديد يضع البلاد على سكة بناء دولة حديثة، إضافة إلى إجراء مصالحات حقيقية مع مختلف مكونات الشعب السوري، والتفاهم على شكل الدولة، وضمان مشاركة جميع المكونات الاجتماعية والطائفية والدينية فيها. أما بالنسبة إلى السلطة فإن تركيز الاستقرار وتثبيته وضمان نجاح التجربة تحتاج إلى سنتين بالحدّ الأدنى نظراً لكل ما مرتّ به سوريا طوال السنوات الماضية. لذا فإن القوة التي ترتكز عليها دمشق حالياً هي تعزيز العلاقات مع الخارج والحصول على الدعم اللازم لتثبيت السلطة في الداخل.
وفق هذا المعيار، يبدي المسؤولون السوريون ارتياحاً لمسار الأمور وتطوراتها في سوريا. بمعزل عن الملاحظات والاعتراضات الداخلية. في حين يتركز العمل على نوع من الترتيبات البسيطة والتي تحمل دلالات، مثل الزيارة التي أجراها وفد وزاري إلى المطران يوحنا العاشر يازجي، والذي بدوره زار القصر الجمهوري والتقى بالرئيس السوري أحمد الشرع. خطوات أخرى يُعمَل عليها باتجاه الساحل والعلويين لإجراء مصالحة أيضاً. أما الملفان العالقان حتى الآن فهما ملفا السويداء وقوات سوريا الديمقراطية في شمال شرق سوريا.
لا إدارة ذاتية ولا انفصال
تبدو القيادة السورية مرتاحة للمسار مع المنطقتين؛ فيجزم المسؤولون السوريون أنه لن يكون هناك أي كيان لإدارة ذاتية في سوريا، ولا انفصال، فمع قوات سوريا الديمقراطية سيكون الخيار الوحيد هو العودة إلى اتفاق 10 آذار، مع إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع قسد، والتي وفق المسؤولين السوريين تنقسمُ ثلاثةَ أقسامٍ. قسم تمثله العشائر التي تمتلك العدد البشري الأكبر. وقسم يمثله مظلوم عبدي. والقسم الثالث يمثله المحسوبون على حزب العمال الكردستاني ولديهم ارتباط بجبال قنديل. بالنسبة إلى دمشق فإن العشائر وعبدي يؤيدون اتفاق 10 آذار، ويريدون نسج تفاهم مع القيادة السورية، وهذا ما ستسعى دمشق إلى تحقيقه في المرحلة المقبلة.
هناك جهود حثيثة لتجنب حصول أي معارك أو مواجهات، بالتركيز على الدور الذي يمكن أن يلعبه عبدي مع العشائر لتطويق القسم الثالث وتثبيت اتفاق آذار. في حين تتوقع مصادر أخرى أن تقع المواجهات العسكرية لتتمكن دمشق من استعادة دير الزور والرقة، وعندها تُحصر قوات سوريا الديمقراطية في الحسكة، علماً أن المسؤولين السوريين ينفون ذلك، ويؤكدون أن المحافظات الثلاث ستكون خاضعة لتفاهم 10 آذار.
أما في السويداء، فإن دمشق تبدو مرتاحة أيضاً نظراً لما يتجمع بين يديها من معطيات وأجواء دولية، ويعتبر المسؤولون السوريون أنه لن يكون هناك أي انفصال أو إدارة ذاتية ولا حتى ممر إنساني لا بين السويداء والجولان، ولا بينها وبين شمال شرق سوريا. ويؤكد المسؤولون السوريون أن الطريق الوحيد للسويداء هو باتجاه دمشق، وهذا ما تبلغه الجميع من مسؤولين أميركيين وغربيين، على أن يُعمَل على فتح طريق السويداء دمشق خلال ساعات.
في هذا السياق، تشير مصادر متابعة إلى أن الشيخ موفق طريف والمقربين منه قد تراجعوا عن مواقف سابقة تخص مسألة فتح المعبر "الإنساني" بين إسرائيل والسويداء. وأن المعبر الوحيد هو عبر دمشق. وأجرى طريف اتصالاً بالهجري ناصحاً إياه بالتواصل مع دمشق ومعالجة الأمور بالحوار معها. الآن، هدأت الأمور نسبياً، وثُبِّتت مسألة إدخال المساعدات إلى المحافظة عبر طريق دمشق، وتعزيز دخول القوافل التجارية، وفتح سوق للتجار على تخوم السويداء، لأن هناك مجموعات من داخل المحافظة تمنع التجار من استيراد البضائع، على أن يبدأ العمل سريعاً على معالجة ملف المخطوفين. وهذا ما عمل عليه الموفد الأميركي توم باراك خلال اللقاءات التي عقدها في باريس، ولا سيما مع الشيخ طريف.
أما الملف الأكبر، فهو مسار التفاوض مع إسرائيل. ووفق ما تؤكده مصادر في القيادة السورية، فإن دمشق لن تذهب لتوقيع اتفاق سلام مع إسرائيل، وأن المفاوضات التي تجري تخص بعض الترتيبات الأمنية لمنع التصعيد وعدم الدخول في أية مواجهة، وتضيف المصادر أنَّ دمشق تتمسك باتفاق فض الاشتباك؛ أي ما يُعرف باتفاقية 1974. وتشير المصادر إلى أن الشرع يرفض التنازل عن الجولان أو الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية عليه. أقصى ما يمكن الوصول إليه بالنسبة إلى سوريا هو ترتيبات أمنية لفض الاشتباك عملاً باتفاقية 1974، في الوقت الذي لا تزال إسرائيل تصر فيه على الاحتفاظ بنقاط استراتيجية في سوريا تتجاوز تلك الاتفاقية، خصوصاً عبر احتفاظها بنقطة مرصد جبل الشيخ، وتل الحارة ونقاط أخرى.
