اليسارية... مسؤوليّةٌ وطنيّة

أحمد جابرالسبت 2025/08/23
12.jpg
ليكن وصف واقع حال اليسارية، دعوةً إلى مراجعتها ونقدها (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

سترد كلمات اليسارية واليمينية والشيوعية والمُدنيّة... مع التحفظ اللازم، حيالها وحيال ما يشبهها من كلمات. التحفظ يمليه الزمن وسيولته، مثلما تمليه حالات الكلمات ومعانيها، ما سال منها مع الزمن، وما ألقاه منها طوفان الزمن على الضفاف، وبعيدًا من الضفاف. 

عرف لبنان الأهلي يساريات مكانية، أي أنها ثبتت على يمينه كصفة، لكنها لم تعدله كفعل. وعرف لبنان الطائفي يساريات زمانية، أي أنها ضبطت ساعتها على ساعته، لكنها لم تسبقه إلى فجر، وسبقته أحيانًا إلى أكثر من غروب. كذلك عرف لبنان التراثي يساريات "تبديليٍة"، لكنّها تسّرعت في "حداثتها"، فثبت التراث المزركش، وسقط الحديث عاريًا. 

إذن، استحضار اليسارية ليس سلوكًا اعتباطيًا، بل هو سلوك مقصود يرى في اليساريات السابقة مجموع رؤى، ومجموع برامج وأقوال وأفعال، وجهتها الوطنية العمومية المشتركة. هذه الوجهة لا تنال من وجاهتها مآلات تلك اليساريات البائسة، ولا تسقطها من الحساب، الدعوة إلى يسارية وطنية مسؤولة جديدة. 

 

يساريّةُ الآن:

هل يمكن الحديث عن يسارية الآن؟ نعم. لماذا؟ لأن تلك اليسارية موجودة في عالم المحسوس المادي، وغير منفيّةٍ تمامًا، من عالم الملموس السياسي، وحاضرة بما يتجاوز الحياء قليلًا، في العالم الاجتماعي. 

شكل وجود الآن اليساري، الموروث القديم منه هو الكثير، والجديد الحديث منه هو النزر اليسير. وما بين الكثير والقليل، ثمّة فرديات وتجمعات وجمعيات وأحزاب وهيئات... لا تنتظم في عقد، ولا تأتلف على عهد، ولا تقيم على ودّ... والحال ما هو عليه، لنا أن نتوقع شرذمةَ كلمات، وافتراق مقاربات تنهل من مناهل ما ذكر من أحوال يساريّةِ الآن. 

ومع ذلك، ليكن وصف واقع حال اليساريّة، دعوةً إلى مراجعتها ونقدها، ذلك أنه لا يمكن البدء بيدٍ فارغة من حنطة القول، بعد عقود من سيادة زؤان الكلام. 

عليه، ما مسؤولية يساريّة الآن؟ ومن أين تبدأ؟

 

مسؤولية ثنائية:

تبدأ اليسارية بالخروج من عباءة نصوصها الموروثة، مثلما تبدأ من الخروج على ممارستها السلبية السابقة، لتؤسس لمسؤوليتها عن الخروج على الوطنية السائدة الآن، وعن التأسيس، مع مؤسسين، لوطنية جديدة. 

نصوص اليسارية كثيرة، ومرجعياتها النظرية متعددة، لكن المشترك في ما بينها عنوان الاشتراكية وعنوان القومية. 

محليًّا، وعلى صعيدٍ عربي، ساهمت الأنظمة التي قامت باسم القومية في سيادة لغة قومية لم تمكث طويلًا، فسقطت بعد هزيمة القوميات في حرب سنة 1967. 

على خطِ موازِ عاشت الاشتراكية مع مدارسها الماركسية واللينينية والماوية والتروتسكية... حقبات أطول، كانت سمتها الجمود العقائدي، والفشل الاجتماعي الاقتصادي. فكان مآلها السقوط المدوّي، في مركزها السوفياتي وفي سائر أنحاء المعمورة. 

استقبلت اليسارية اللبنانية الفشلين، الأممي والقومي، بتجاهل نظريّ لافت، فناورت "مفهوميًّا" وسياسيًّا، وفَصَلَت تعسفيًّا بين النصٌ والممارسة، ماركسيًّا، واستمر عبد الناصر حيًّا في حركاته القومية، وانبعث "الوجد" القومي البعثي، الذي ظنّ أنه خالدٌ للأبد، لكنه سقط بعد سقوط قائد "الأبد". 

استمرار يساريات الموروث على قيد الحياة، مرتبط بخصوصية الوضع اللبناني، حيث لا يتلاشى حزب يجمع في صفوفه الجدَّ والجدّةَ، والإبن والابنة، والحفيد والحفيدة...

إلى جانب حزب "العيلة"، هناك حزب الزقاق، وحزب الحيّ وحزب المحلّة. والعادي والطبيعي في لبنان، لكل صنف من يساريات الهوامش راعٍ ومموّلٍ يمدها بأسباب البقاء. هكذا تختلط اليسارية التي تحاول أن تكون حيّة، بأجسام تحركها عناوين من خارجها، وتقودها صناديق تتولّى تنظيم تحركاتها. 

 

قول في الحاضر:

لأن التاريخ لا يعرف فراغًا، على اليسارية أن تقف على أحوال الإسلاميات السياسية التي ملأت أمكنة غياب صنوف اليسارية. 

الإسلاميات اتخذت أبعادًا أممية وإقليمية ومحلية، وانخرطت في صراع دام في بلاد عديدة، وفي ظل شعارات من واقعة حال كل بلد. لقد أخذت الإسلاميات من اليساريات رايات التحرر والتحرير والاستقلال والتنمية... فعلت ذلك في أفغانستان، وفي فلسطين وفي لبنان، وفي العراق وفي الجزائر، وفي ليبيا والصومال والسودان. هذا الصراع المفتوح أعطى الإسلاميات شرعيّة داخلية وبعدًا وطنيًّا، ممّا ساعدها على فرض رؤيتها على المجتمع وعلى هندسة يومياته وفقًا لأحكام تجمع بين الشريعة والعادة ومقتضيات القبيلة. 

على هذا الصعيد، لا مفرّ لليسارية من قراءة صعود الإسلاميات، ولا مفرّ لها من قراءة المسار الانحداري الذي أخذت مجتمعاتها إليه، بقوة النصّ، وبسطوة السلاح، وبالتذكير بفضيلة مقارعة الأجنبي، المحتل أو المهيمن، أو ناهب خيرات الديار. من هيمنة الأجنبي المحتل، إلى هيمنة البلدي المحرّر، ما قول اليسارية في الأمر عمومًا، وما قولها في نسخة الإسلامية اللبنانية خصوصًا. القول اليساري اللبناني يجب أن يكتسب كامل وضوحه في ميدان عمله الوطني الحقيقي، فما هي المواضيع التي يستوجب ذكرها كل الوضوح؟

 

سجال التعريف:

للمواضيع اللبنانية الراهنة أسماء، وكل اسم يحيل إلى سجال مفتوح ومحدّد، في ظل الأوضاع المفتوحة وغير المحدَّدة.

تتصدر مسألة "المقاومة" صدارة التعقيد السياسي الراهن، ويستمرّ تبادل الحجج والاتهامات حول دورها ومستقبلها، ويُغلّف الدفاع عنها، أو المرافعة ضدها، بغلاف وطني عام له اسم الدولة السيدة المستقلّة، في حصرية سلطاتها، وفي حصرية القيام بواجباتها الوطنية في الداخل وحيال الخارج. لكن الغلاف هذا رقيق وشفّاف إلى الحدّ الذي تظهر من خلاله كل مرامي ومطالب الأهليّات الخاصة، على ضفتي السجال الدولتي أو المقاوماتي.

مدخل اليسارية إلى السجال إعادة المقاومة إلى السياسة، ونفض الغيبيّة عنها، ورفع حجاب القداسة عن القائمين بها، شهداء وأحياء. البدء من الذات هو الأصل، والخروج من دغدغة الماضي لإثبات الذات، لا يعوض فوات الحاضر، وربما المستقبل، الذي تواجهه اليسارية.

بهدوء، لقد قاتل اليساريون الاحتلال الإسرائيلي، ومثلهم فعل الإسلاميون لاحقاً، وبهدوء، لقد قام هؤلاء جميعاً بما تمليه الاستجابة الوطنية الحرّة الطوعية والتطوعية، التي لا تسعى إلى مكافأة، ولا تجعل من نضالها قيداً لاحقاً على استقامة شؤون الوطن. في هذا السياق، على اليسارية أن تتصدر السجال مع الإسلامية، من موقع الشراكة في المهمة، ومن موقع الحرص على الأساسي، أو الجوهري، من هذه المهمة الثلاثية: التحرير والتوحيد والديمقراطية.

 

ماذا عن القوى التي ساهمت في التحرير؟ هذا سؤال آخر، والجواب عنه سجالي، وهنا يقع اليوم "مربط الفَرَس". على اليسارية، ومن موقعها الجديد، أن تكشف مربط الفرس، وأن تتقدم للمساهمة في حلّ إشكالاته، وفي معالجة مشكلاته بوضوح، النقاش في المقاومة، نقاش طائفي ومذهبي، تلك هي حال الإسلامية المقاوِمَة اليوم، وتلك هي حال الطائفية والمذهبيات الأخرى. ليكن السؤال: ما المعالجة الأصلح لهواجس الشيعية المقاومة، في بلد الهواجس المتنقلة؟ وليكن السؤال: كيف يحمي اللبنانيون لبنانهم في ظل العدوانية الإسرائيلية الجامحة. الجوابان اليساريان، لا يحملان تسريحاً تلقائياً للشيعية المقاتلة، ولا استجابة لتعريفها، أو لفهمها، لضرورات تمسّكها بسلاحها، الذي صار سلاح دفاعٍ خاص، يحمل اقتراح أن يصير سلاح دفاع عاماً.

حلّ إشكالية "المقاومة" له دور أساسي في إعادة صياغة الوفاقية اللبنانية الجديدة، وفي مجال الحلول، لا بديل من حشد القوى مجدّداً من قبل اليسارية التي عليها استعادة زمام مهماتها الشعبية الأصلية، التي هي من تنوير معرفي، وتطوير دولتي، وإصلاح سياسي ديمقراطي، ونهوض اقتصادي، وتأسيس جديد لذاكرة لبنانية حديثة... كل ذلك على طريق إعادة بناء الوطنية اللبنانية على قاعدة الولاء المشترك لوطنٍ لا يستمرّ إذا لم يكن وطناً جديداً.

في البدء كان الكلمة، صحيح، لكن الكلمة يجب أن تصير برنامجاً، والبرنامج له قواه، ليصير واقعاً... وعليه أين قوى اليسارية؟ وكيف يُعاد نسج "حرير" قيامتها؟

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث