بين الجيش والمقاومة: قرار الحكومة يفتح أبواب المجهول

حسن فقيهالسبت 2025/08/09
GettyImages-2199872871.jpg
لا مواجهة عسكرية مع حزب الله (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

على وقع الجلسة الحكومية الأخيرة، وما صدر عنها من قرارٍ أشعل الساحة اللبنانية، عادت قضية حصرية السلاح إلى الواجهة بكلّ ما تحمله من ارتداداتٍ سياسية وأمنية بالغة الخطورة. القرار القاضي بالشروع في خطواتٍ تنفيذية ضمن مهَلٍ زمنية محدّدة، أطلق العنان للمواقف التصعيدية؛ فاستهلّ حزب الله ردّه ببيانٍ اعتبر فيه أنّ القرار كأنّه لم يكن، لتستكمل حركة أمل المشهد باتهام الحكومة بمخالفة البيان الوزاري وخطاب القسم لرئيس الجمهورية.

وفي خضمّ هذا الاشتباك السياسي، أوكلت الحكومة إلى الجيش اللبناني مهمّة إعداد خطة قبل الحادي والثلاثين من آب، تتضمّن آلية حصر السلاح، على أن تُنجَز هذه العملية بالكامل مع نهاية العام. خطوةٌ فجّرت سلسلة تساؤلاتٍ حول دور الجيش في المرحلة المقبلة، وإمكان انزلاقه إلى مواجهةٍ مباشرة مع حزب الله، في واحدةٍ من أدقّ المراحل وأشدّها حساسيةً في تاريخ "لبنان الكبير".

 

نفي المواجهة العسكرية

وفي هذا الإطار، أكّد مصدرٌ عسكري رفيع لـ"المدن" أنّ لا مواجهة عسكرية ستقع مع حزب الله، مستخدمًا صيغة النفي المطلق: "لن تكون"، وإلا لعاد المشهد إلى فترة الثمانينيات، في إشارةٍ إلى انقسام الجيش حينها وانشقاق اللواء السادس بعد انتفاضة السادس من شباط في وجه اتفاق السابع عشر من أيار، والتي قادتها حركة أمل. ويضيف المصدر العسكري إنّ قرار المواجهة العسكرية يعني أنّ الجيش يخاطر بوحدته نظرًا لطبيعة البلد وتعدّد طوائفه، فالجيش أبعد ما يكون عن مواجهةٍ يدرك أنّها لن تقدّم سوى الانقسام والخراب إلى لبنان.

ويُشير المصدر إلى أنّ هناك أكثر من عشرين ألف عسكري شيعي في الخدمة الفعلية، وأكثر من ثلاثين ألف متقاعد، موضحًا أنّه لا يتحدث بلغةٍ طائفية حين يذكر الأرقام، بل يعالج الموضوع بمنطقية لا بشعبوية. ويضيف أنّ فوج الهندسة سيكون لاعبًا أساسيًّا في تنفيذ قرار حصرية السلاح نظرًا لإمكاناته، وعند تكليفه ستتضح الآلية اللوجستية المعتمدة.

 

الحزب لن يعاند

وردًّا على سؤالٍ حول موقف الجيش في حال أصرّ حزب الله على عدم التعاون مطلقًا، فيما أصرّت الحكومة وألزمت الجيش بالمهَل الزمنية، يجيب المصدر العسكري بأنّ الحزب عمليًّا لن يتعامل بعنادٍ مطلق أو تصعيدٍ مستمر كالذي ظهر في بيانه الأخير، لأنّه يدرك حساسية المرحلة ونتائج الحرب الأخيرة على لبنان، كما يدرك أنّ أيّ صدامٍ مع الجيش ليس في مصلحته ولا في مصلحة البيئة الشيعية ولا لبنان. ويرى المصدر أنّ الحزب يمكن أن يُسلّم الذخائر العابرة للحدود، أي الأسلحة الثقيلة والصواريخ النوعية، وهي أول ما طالبت به الولايات المتحدة الأميركية. ويشير إلى أنّ هذه الأسلحة وحدها تشكّل عمليًّا خطرًا على العدو الإسرائيلي، إذ وبعد انسحاب الحزب من جنوب الليطاني، فإنّ هذه الأسلحة وحدها القادرة على عبور الحدود نحو الأراضي الفلسطينية المحتلة، بينما لا تمثّل الأسلحة المتوسطة والخفيفة خطرًا يُذكر.

 

خصوصية السلاح اللبناني

ويؤكّد المصدر أنّ الحزب لن يتخلّى أبدًا عن الوسائل الدفاعية التي بحوزته، وهو ليس وحده من يمتلك مثل هذه الوسائل في لبنان. ويذكّر بأنّ رئيس الجمهورية أوضح سابقًا أنّ هذه الوسائل تُعَدّ من العادات والتقاليد والأعراف لدى اللبنانيين. وعندما استوضحناه عن أنّ الطلب الأميركي يشمل حتى القنابل اليدوية، أجاب بأنّ هذا الطلب غير منطقي وغير مبرّر، خصوصًا مع معرفة واشنطن بخصوصية هذا الملف وحساسيته.

وحول التعامل مع المهَل الزمنية التي وضعتها حكومة الرئيس نواف سلام، يلفت المصدر العسكري في حديثه إلى "المدن" أنّ التعامل مع هذا الجدول سيكون مناطقيًّا؛ أي بحسب المناطق، بدءًا من جنوب الليطاني التي يسيطر عليها الجيش اللبناني بشكل كامل. ويتم تقسيم المناطق التي تتواجد فيها منشآت على مددٍ زمنية محدّدة، بحيث تُخصَّص مدة لكل منطقة وفق حجمها وعدد منشآتها.

 

عقبة الاحتلال الإسرائيلي

ويشير المصدر إلى أنّ الجيش لا يمتلك القدرة الهندسية الكافية لتفكيك كلّ المنشآت دفعةً واحدة أو في فترة قصيرة، إذ يتطلّب الأمر وقتًا وجهدًا كبيرين واستقرارًا في المناطق التي يعمل فيها الجيش. كما أنّ بعض الأسلحة تحتاج إلى معالجةٍ خاصة أو إتلافٍ بحسب تعبير المصدر. ويشدّد على أنّ العائق الأول والأكبر أمام تنفيذ القرار هو وجود الاحتلال الإسرائيلي وخروقاته اليومية للأراضي اللبنانية، واستباحته للأجواء بالغارات والاغتيالات المتنقّلة. ولو أنّ إسرائيل انسحبت وأوقفت اعتداءاتها، لكان التعامل بين الجيش وحزب الله في مسألة حصرية السلاح أسهل بكثير ممّا هو عليه اليوم.

 

إشكالات محتملة ميدانيًا

وعن إمكان حدوث إشكالات بين بيئة حزب الله والجيش عند المباشرة بعملية حصر السلاح، يؤكّد المصدر أنّ الأمر وارد، لكن أيّ إشكال سيبقى ذا طابع فردي حتى لو نفّذه عناصر محسوبون على الحزب، إذ لا قرار مركزيًّا من قيادته في هذا الإطار لوعيها خطورة الموقف. ويؤكد أنّ الجيش سيتعامل مع أيّ حادث وفق المقتضى، ولن يسمح بانفلات الأمن. فالحزب كان على علمٍ بمبدأ حصرية السلاح الذي أقرّه البيان الوزاري ونال ثقة نوّاب حزب الله في المجلس النيابي. الاعتراض، بحسب المصدر، ينحصر بعدم الانسحاب الإسرائيلي، وهو أمر محقّ. أمّا المبدأ نفسه، فالحزب يدرك أنّه قادم عاجلًا أم آجلًا، وأيّ إشكال حوله لن يكون في صالحه.

 

تحذيرات ثنائي أمل–الحزب

على الضفة الأخرى، صدر بيانٌ ناريّ عن حزب الله، وآخر أقلّ حدّةً من حركة أمل تجاه الحكومة. وفي هذا السياق، تؤكّد مصادر ثنائي "أمل–حزب الله" أنّ موقفهما جاء في إطار محاولة إيقاظ الحكومة لتلتزم بأولويات بيانها الوزاري لجهة وقف الاعتداءات والانسحاب الإسرائيلي، وللعودة إلى خطاب القسم الذي تحدّث عن استراتيجية دفاعية. فلا يمكن القفز فوق هذه الأولويات دفعة واحدة نحو حصرية السلاح، بما يجرّد لبنان من آخر مقومات قوّته في منطقةٍ يمارس فيها العدو الإسرائيلي حروبه من فلسطين إلى سوريا ولبنان.

 

الاستقرار والوحدة الوطنية

وتوضح المصادر أنّ ما جاء في البيانين ليس تهديدًا، فحركة أمل وحزب الله يملكان الحرص الكافي على الاستقرار الداخلي والوحدة الوطنية والسلام بين أبناء الوطن الواحد. كما أنّ الجيش هو المؤسسة الوطنية الجامعة لكلّ اللبنانيين، ولا يجب إدخاله في أتون الصراعات السياسية. وما يريده الثنائي هو دقّ جرس إنذار حيال المخاطر الإسرائيلية، وتنبيه الحكومة إلى أنّ ما يعوق مسيرة الإصلاح في لبنان هو الاحتلال وخروقاته، لا سلاح المقاومة المكرّس لحماية لبنان وجنوبه.

 

خطر الفتنة الداخلية

وتتابع المصادر: لدى الدولة فرصة لمعالجة هذا الأمر، وعدم الانجرار خلف المطالب الأميركية الهادفة إلى زرع بذور الفتنة بين اللبنانيين. ثم ماذا عن إعادة الإعمار؟ ومن يضمن انسحاب إسرائيل وتوقفها عن الاعتداءات؟ خصوصًا أنّ أميركا أعلنت بوضوح أنّ لا ضمانات، فكيف نسير نحو الانتحار والاستسلام بهذه السهولة؟

 

ترقب شعبي حذر

وهكذا، يقف لبنان اليوم على حافة مرحلة مفصلية، يتأرجح بين هدوءٍ هشّ وعاصفةٍ تلوح في الأفق. قرار الحكومة بحصرية السلاح أشعل النقاشات وأعاد طرح الأسئلة الكبرى عن مستقبل الدولة والجيش والمقاومة. وفيما يترقب اللبنانيون بأنفاسٍ محبوسة ما ستؤول إليه الأيام المقبلة، يظلّ الأمل معلّقًا على أن تنتصر حكمة الدولة على جنون الفتنة، وأن يبقى الجيش اللبناني صمام الأمان الأخير لوطنٍ أنهكته الحروب، وأتعبته الانقسامات، لكنّه ما زال يبحث عن خلاصٍ يعيد إلى "لبنان الكبير" بعضًا من وهجه المفقود.

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث