منذ انطلاقته، لم يكن حزب الله معنيًا بشرعية قانونية أو سياسية، أو حتى بإجماع وطني حول سلاح المقاومة، رغم أن الإجماع في قضية كهذه يبدو مستحيلًا. إلا أن المشهد تغيّر بعد تحرير الجنوب عام 2000، واكتمل هذا التغيّر عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري، حين دخل الحزب معترك الحياة السياسية والوزارية، لتُصبح مسألة الشرعية ـ السياسية والشعبية ـ أكثر أهمية.
اكتفى الحزب، لسنوات، بشرعية رسمية من الحكومات اللبنانية المتعاقبة، وشرعية شعبية وفّرتها بيئته الحاضنة، إلى جانب شرعية سياسية منحته إياها تحالفات عابرة للطوائف والمناطق. لكن مشهد اليوم اختلف جذريًا.
الشرعية الرسمية، التي كانت تنعكس في بيانات وزارية داعمة أو متفهمة لدور المقاومة، غابت، وحلّ مكانها قرار حكومي بتكليف الجيش إعداد خطة لحصر السلاح بيد الدولة قبل نهاية العام الحالي.
أما الشرعية الشعبية والسياسية، فقد انحسرت إلى حدّ كبير داخل الطائفة الشيعية، في حين ابتعدت عنها شرائح أخرى لأسباب متعددة: من الأوضاع الاقتصادية الضاغطة، إلى الضغوط الدولية والعربية، وصولًا إلى تغيّر المزاج السياسي لدى بعض الحلفاء التقليديين.
فهل تهدف جولات حزب الله السياسية الحالية إلى استعادة الشرعية السياسية؟
بحث عن توازن أم محاولة لاستقطاب؟
يرى البعض في لبنان أن جولات الحزب على القوى السياسية تأتي في سياق محاولة لإيجاد حلفاء جدد أو استعادة حماسة الحلفاء القدامى، الذين فقدوا الحافز بعد الحرب. لكن مصادر مطّلعة على موقف الحزب تؤكد أن الهدف ليس بناء جبهة انتخابية أو إعادة اصطفاف سياسي؛ بل إيجاد نقاط تفاهم مشتركة، لا سيما حول مسائل محددة: أولها "عدم تحويل النقاش حول سلاح المقاومة إلى مشكلة داخلية لبنانية"، وثانيها شرح موقف الحزب من حصر السلاح و"بناء الدولة القوية والقادرة"، مع التشديد على أن الخطر الإسرائيلي يبقى ـ من وجهة نظر الحزب ـ جوهر المشكلة الوطنية والإقليمية.
وتكشف المصادر أن قرار إجراء هذه الجولات اتُّخذ قبل تحديد موعد جلسة الحكومة لمناقشة ملف السلاح، مؤكدة أن الهدف ليس دعمًا حكوميًا مباشرًا؛ بل رسم مسار سياسي استباقي يؤمّن مساحة لتفاهمات وطنية، ولو ظرفية ومحدودة، انطلاقًا من إدراك الحزب لحساسية المرحلة وخطورتها.
ماذا يريد الحزب فعلًا؟
لا شك أن أي تقوقع طائفي، شيعي أو غيره، سيزيد من عزلة الطائفة، وهو لطالما حذّر منه الرئيس نبيه بري، خصوصًا مع تآكل شبكة الحلفاء والأصدقاء، وتحول "المقاومة" إلى مفهوم محصور بطائفة، والشيعة إلى حالة سياسية معزولة عن النسيج اللبناني.
يبدو أن حزب الله يدرك اليوم هذا الخطر، ويسعى لتجنّبه عبر حوار مفتوح مع مختلف القوى السياسية، لأن أي تقوقع، سياسيًا كان أو خطابيًا، سيؤدي حتمًا إلى مزيد من العزلة عن بقية مكونات المجتمع، خصوصاً في ظل ماكينة إعلامية تعمل على تصوير المشكلة كأنها في المقاومة نفسها، لا في الاحتلال والعدوان الإسرائيلي.
من هنا، تبرز أهمية انفتاح الطائفة الشيعية، بخطابها ومواقفها، على المستوى الوطني العام. فالانفتاح لا يعني التخلي عن الثوابت؛ بل صياغة خطاب جامع يربط بين حق المقاومة وحق جميع اللبنانيين في دولة آمنة ومستقرة.
هذا ما يفسر ـ وفق المصادر المطلعة ـ جولات الحزب الأخيرة، التي لا تهدف لإعادة إنتاج مشهد 8 آذار أو الاصطفافات الحادة؛ بل تبني مقاربة أكثر انفتاحًا على مختلف الأطراف، بمن فيهم الخصوم التقليديون، في محاولة لخفض مستوى الاحتقان الداخلي، بما يسمح بمواجهة التحديات الخارجية من دون انقسام داخلي خطير، إلى حين بلورة رؤية وطنية أوسع. كما أن الحزب يحرص على إبقاء الباب مفتوحًا أمام تحالفات ظرفية قد تُستخدم لاحقًا في الانتخابات أو إدارة الملفات الحساسة في الدولة.
إعادة التموضع السياسي
لا شك أن حزب الله بات يدرك أن بعض الحلفاء السابقين، وحتى بعض الأصدقاء الحاليين، يبدون ترددًا في إعادة خوض التجربة السياسية نفسها، التي جمعتهم في لوائح انتخابية موحدة بالجنوب والبقاع. هذا التردد ناتج عن مزيج من الحسابات الانتخابية المحلية، والضغوط الخارجية، والقلق من المستقبل السياسي.
لذا، فإن الحزب اليوم لا يبحث فقط عن حلفاء بالمعنى التقليدي؛ بل عن إعادة تموضع سياسي يتناسب مع التحولات الحاصلة في المشهد اللبناني، مدركًا أن الاستقطابات القديمة لم تعد صالحة، وأن أي فراغ في شبكة العلاقات السياسية سيزيد من عزلة السلاح وفكرة المقاومة.
ومن المؤكد أن جلسة الحكومة الأخيرة وما تضمنته من قرارات، ستكون ذات أثر على مسار الحزب السياسي في المرحلة المقبلة، حيث يُجري الحزب، وفق المعلومات، قراءة موسعة لمجريات الجلسة للبناء عليها. ومع ذلك، تشير أجواء الحزب إلى عدم وجود نية لإقفال باب المشاورات السياسية مع القوى اللبنانية، حتى وإن عرقلت بعض المستجدات هذا المسار أو أخّرته.
