ما صدر عن مجلس الوزراء في 5 آب 2025، بتكليف الجيش وضع خطة لحصر السلاح، يشكل نقطة تحول تاريخية في الحياة السياسية اللبنانية، بكل ما يحمله من دلالات سياسية. لكنه في جوهره قرار بديهي. خطوة تعيد تثبيت ما يفترض أنه من المسلمات في أي بلد في العالم: أن السلاح لا يكون إلا بيد الدولة، وأن الجيش هو الجهة الحصرية المخولة إدارة القرار الدفاعي.
هذا القرار يردنا إلى المبادئ الأساسية للسيادة الوطنية، كما رسَّخها الدستور، وأكدها اتفاق الطائف، والتزم بها خطاب القسم والبيان الوزاري، ورسَّختها قرارات الشرعية الدولية. لكن قبل كل ذلك، هو ببساطة تأكيد أن الدولة، بمؤسساتها، هي الإطار الوحيد الممكن لتنظيم القوة، وحماية الناس.
يخطئ كثيراً من يتعامل مع القرار كأنه استفزاز أو تحد لطرف بعينه. جوهر المسألة أننا أمام لحظة تصحيح لمسار اختل طويلاً. وهذا التصحيح من غير المفيد التعامل معه بمنطق الاتهام بالإقصاء أو سحب الحقوق المكتسبة من أحد. حبذا لو يجري التعامل معه على نحوٍ يفتح الباب أمام توافق أوسع، على قاعدة تنظيم القوة داخل المؤسسات، لا خارجها.
فوق كل ذلك، واقع ما بعد الحرب كشف على نحوٍ واضح أن السلاح، بوضعه الحالي، لم يعد يحمي. لا ينتج ردعاً، ولا يشكل ضمانة، ولا يحظى بإجماع وطني. بالعكس، بات مصدر انكشاف سياسي وأمني، وعقبة أمام إعادة الإعمار، وعودة الحياة إلى القرى المدمرة.
بكل موضوعية، لم تعد مسألة حصرية السلاح مجرد مطلب ظرفي؛ بل قضية تتصل مباشرة بالمصلحة الوطنية العليا. بل أكثر من ذلك، هي مفتاح الخروج من منطق الانقسام، وشرط أساسي لإعادة بناء الثقة بين المواطنين ودولتهم.
في المقابل، تبقى الدولة، رغم ما فيها من ضعف وهشاشة، هي الطرف الوحيد القادر على إعادة البناء، وتحصين الاستقرار، والذهاب إلى مواجهة سياسية دبلوماسية تنطلق من مشروعية واضحة. لذا، فمن غير المفهوم أن يتكرر التشكيك بقدرة الدولة، كأن عليها أن تثبت شرعيتها في كل مرة. هذا النوع من الأسئلة لا يطرح أصلاً في أية دولة طبيعية. وإذا كان هناك خلل، فالحل يكون في تعزيزها لا في تجاوزها.
الأهم أن من يلوح اليوم بضعف الدولة هو نفسه من كان ممسكاً بمفاصلها منذ عقود، وشارك في إضعافها أو تعطيلها عمداً. فإذا كانت عناصر القوة غير مكتملة، فالمطلوب هو استكمالها من داخل المؤسسات، لا الإبقاء على واقع استثنائي خارجها.
لذلك، حبذا لو يعاد التفكير في ربط السلاح بمصير الطائفة. فالحزب، وهو يراجع موقعه بعد انكفاء دوره الإقليمي، مدعو إلى مقاربة مختلفة. إذ من الخطير جداً، ومن أجل أهداف سياسية موغلة بمرحليتها، اختزال أمن الجماعة الشيعية واستمرار حضورها بهذا السلاح، كأن المواطنة لا تكتمل إلا به، أو كأن الشيعة من دونه في خطر وجودي. الشيعة، كما جميع اللبنانيين، مواطنون كاملو الحقوق قبل السلاح وبعده، وكانوا حاضرين وفاعلين في تاريخ الدولة، لا على هامشها. مصلحة البلد، ومصلحة الجماعة نفسها، تقتضي الانتقال من هذا المنطق باتجاه شراكة فعلية في مشروع الدولة، حيث الحماية لا تتأتى من فائض القوة؛ بل من عدالة النظام وضمانات القانون.
القرار ليس لحظة نهائية؛ بل بداية ممكنة أو إمكانية بداية، وخطوة أولى على طريق أطول. نجاحها لا يقاس بالإعلان عنها؛ بل بمدى القدرة على مواكبتها بهدوء سياسي، وتفاهم وطني واسع، يعيد تثبيت ما يفترض أنه بديهي: كما في أي بلد في العالم، لا أكثر ولا أقل... الدولة، وحدها هي التي تحمي.
