أين ناس التغيير؟

نزيه درويشالخميس 2025/08/07
GettyImages-1227973172.jpg
من الخطأ إهمال تمامًا رغبة التغيير الجدية والإفلات من سطوة المافيات (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

كُتبَ الكثير مؤخرًا عن حالة التغيير و"القوى التغييرية" في لبنان. وكتبتُ عن واقعهم الانتخابي، وعن الإصلاحات الانتخابية عمومًا وتلك التي قد تؤثر إيجابيًا على وضعهم في انتخابات 2026 ، وما قد يحدّ من تراجعهم، وقد تساهم، فيما لو اعتُمدَت، في تقدّم حضورهم أيضًا. وكذلك عمّا يجدر بهم فعله لكي يرمموا علاقتهم المتدهورة بالناس. ولكن ماذا عن الناس؟ وهم المعنيون أولًا وأخيرًا بالتغيير؟ 

بدايةً، لم أعد واهمًا، مثل كثيرين غيري، أن الناس الذين انتفضوا في 2019، ما زالوا على حالهم وعلى انتظاراتهم. في كل الأحوال هم لم يكونوا كتلة واحدة أو موّحدة، كما تضطرنا اللغة الآن إلى اختزالهم فيه. وأدَقّ ما قد يُطلق عليهم عند استذكارهم هو "حالة". لأن "الحالة" عادةً تعني واقعًا معيّنًا في لحظة محدَّدة ليست ممتدة خارج الزمان والمكان؛ وإنما محصورة فيهما. طبعًا إذا لم يكن لنا رأي مخالف لهيراكليتس ونهره المتدفّق.

أقول استذكار هذه الحالة، لأنها في الحقيقة غابت في النسيان، أو تكاد. ولأن النوستالجيا تفعل فعلها "الدرامي" فينا، فتلعب في هورموناتنا العاطفية وتساهم في تشكيل الخدعة البصرية التي نمضي إليها بأعينٍ مفتوحة. تمامًا كما تصرّف أكثرنا غداة يوم الاثنين الذي وافق الرابع عشر من آذار سنة 2005، واستمرّ مخدوعًا لسنواتٍ طوالٍ بعده. 

 

خدعة بصرية؟

فعندما يحتشد مليون لبناني، أو أكثر أو أقل، في مشهد "مدني"، غير منظَّم حزبيًا، وغير مؤطر تحت يافطة واحدة أو شعار واحد، وإنما مغلِّبين قواسمهم المشتركة على انقساماتهم المختلفة، تعتقد أنك أمام "كتلة غرامشي" حقيقية في طور التشكّل، وأن ما طال انتظاره صار قاب قوسين أو أدنى من التحقّق. ولكن مرّت الأيام والسنوات، وأُغلق القوسان على خيبة كبرى. وانتهت "الكتلة" الواعدة إلى وعدٍ مغدور وأمل مهدور على مذبح مصالح القوى السياسية والزعامات والطوائف، على توافقها وتناقضها.

لا يختلف مشهد 2019 كثيرًا عن 2005. فعلى الرغم من أن "الكتلة" هنا صارت أكثر تجانسًا، أو هكذا بدا. وتوافقت، في معظمها، على "كلّن يعني كلّن"، الشعار المبدئي الذي نجح في تشكيل هوية أو بطاقة تعريف كانت ضرورية لرصّ الصفوف واجتياز المرحلة الأولى. إلا أن هذه الكتلة ما لبثت بعد قليل أن تشظّت، بسبب هذا الشعار ولأسباب أكثر جوهرية، ليس أقلّها عامل الوقت المتعِب، وامتصاص "كلّن" لغضب الناس وشن الهجوم المضاد. فبدأت أغلب جزئياتها بالانصراف، الواحدة تلو الأخرى، في كل اتجاه. 

لم تنجح انتخابات 2022، على الرغم من نتائجها المعقولة نسبيًا، في التصدّي للمسألة الأكثر صعوبة بالنسبة للكتلة وهي إنتاج "قادة" مقنِعين يستطيعون بلورة برنامج وخطاب يقارع ديناصورات الطوائف والأحزاب والملل ومافياتها، ويشدّ عصب الكتلة التغييرية (ما بقي منها)، ويستنهض "الحالة" الآخذة بالتلاشي. 

اقترعَ سنة 2022 حوالى 312000 ناخب لبناني للوائح "الكتلة" في جميع المناطق فأوصلوا 13 نائبًا إلى البرلمان (ما لبثوا أن صاروا 12 بعد قبول طعن أحد الخاسرين من الـ"كلن"). توزّع الرابحون على الدوائر كما يلي: بيروت الأولى (2)، بيروت الثانية (3)، البقاع الثانية (1)، جبل لبنان الرابعة (3)، الشمال الثالثة (1)، الجنوب الثالثة (2). 

 

تمارين العطلة

واليوم، على أبواب انتخابات نيابية جديدة بعد أقلّ من سنة، رزمة من الأسئلة ذات الطابع الذاتي تُطرح أمامنا: هل ما زال هؤلاء الناخبون على خياراتهم؟ هل أقنعهم أداء مَن انتخبوا؟ هل قام النواب المنتَخبون بصيانة علاقتهم مع ناخبيهم؟ هل نجحوا بتوسيع قاعدتهم الانتخابية؟ ماذا عن علاقتهم أصلًا ببعضهم بعضاً وتعددية خطابهم؟ هل تقدّمت الأحزاب والشخصيات المنافسة أم تراجعت في الدوائر التي نجحوا فيها؟ هل فكّر أحدٌ في الدوائر الأخرى التي لم يحالف الحظ التغييريين في الفوز بأي مقعدٍ فيها (عددها 9 دوائر)؟ هل حُلَّت معضلة التحالفات والخطوط الحمر فيها بما يضاعف حظوظهم ولا يضعفها؟ كيف ستستفيد الحالة التغييرية من تراجع واقع "حزب الله" بعد الحرب وهل هي جاهزة لذلك؟ ماذا عن مجموع الناخبين- 312000  (الذين اقترعوا للغير أو لم يقترعوا أصلًا)؟ كيف ستجري استمالتهم؟  ما أفضل الشعارات الجاذبة لأكبر عدد من الناخبين أصحاب المصلحة في التغيير؟ وبالإجمال، ماذا استقينا من دروس ثورة 2019 وانتخابات 2022؟

الأسئلة أعلاه هي بمنزلة نموذج لـ "واجب العطلة الصيفية" (devoirs de vacances) أمام "نواب التغيير"، وأمام ما تبقى من "الحالة" برمّتها. وهو واجبٌ ليس سهلًا خوضه، ولكن أي تقاعس عنه أو إهمال له سيكون رسوبًا محتومًا في امتحان الربيع القادم. 

ثم هناك رزمة أخرى من المسائل ذات الطابع الموضوعي التي ينبغي أيضًا الاعتناء بها: هل ساعد "العهد الجديد" (الرئيس جوزيف عون وحكومة نواف سلام) في تطوّر الحالة التغييرية؟ إن لجهة التباس الموالاة / المعارضة، أو بطء الإصلاحات، وتسلل الخيبات إلى الانتظارات؟ ولجهة تعويم الطبقة السياسية السابقة (ما عدا التيار الوطني الحر) إن في الوزارات أو في التعيينات أو في الإبقاء على قانونها الانتخابي من دون تعديلات جوهرية على حساب قوى التغيير ومصلحتها؟ وتأثير ذلك على جمهور الكتلة (مقترعين ومستنكفين)؟ هل يمكن الاستفادة من العهد الجديد وكيف؟ هل أثّرت الحرب الإسرائيلية، وتأخُر إعادة الإعمار، على شعبية "حزب الله" في مناطقه وشدّت عصب جمهوره على حساب معارضيه؟ هل رمّمت الطبقة السياسية المتحالفة مع معظم الإعلام ومع المصارف بناءَها ودعّمته بأفضل مما كانَ مستفيدةً من دروس ثورة 2019 ؟ 

بالإضافة إلى هذه المسائل السياسية والاستراتيجية، لا بدّ لأي عازم على خوض انتخابات 2026، من العودة إلى الأرقام وإلى أرض الواقع في دائرته ودرسها بعناية وواقعية والاعتراف بالتراجع، حيث هو، من غير إنكار أو إهمال، والعمل بجدّ على معالجته. وهي أمورٌ بديهية ليس مجالها هنا.

 

ناس من ورق

قد يفيد كل ما سبق في استنهاض ما استقرّت عليه "حالة التغيير" بعد انتخابات 2022. النواب وجمهورهم المباشر في دوائرهم. ولكن ماذا عن التغيير بما هو فكرة أو هدف لعدد كبير جدًا من اللبنانيين، ما فتئوا يعبّرون عنه في ومضات خاطفة، كل عشر أو عشرين سنة، قبل أن يعودوا إلى حيواتهم الرتيبة المخطوفة بالتعب واليأس والاستسلام واللامبالاة أمام واقع الفساد والفشل والتردي والزبائنية والطائفية.

استنتاج أول: من الخطأ إهمال تمامًا رغبة التغيير الجدية والإفلات من سطوة المافيات على حياتنا لدى أكثرية وازنة من الناس، من مختلف الطوائف وفي مختلف المناطق. وهؤلاء الناس "العاديين" يتمنون الخلاص بصدق.

استنتاج ثانٍ: ولكن ثقة هؤلاء بالسياسة عمومًا وبالعاملين فيها (من كل الأطراف) شبه معدومة. وغالبًا ما تأتي الأحداث (والخيبات) لتبرهن لهم سلامة موقفهم (عَدَمه) وصحّة استنكافهم عن أي فعل. 

استنتاج ثالث: وبناء على الاستنتاجين السابقَين، بين ثورة وأخرى، وانتفاضة وأخرى، وخيبة وأخرى، تعود هذه الناس نفسها (أغلبها) إلى "حياتها" كما دأبت أن تحياها. ولكي تستطيع أن تحياها عليها التأقلم مع الواقع. مع اضمحلال السيادة وتسلّط قوى أمر الواقع، وفساد الإدارات وتفشي الرشاوى، وراء الزعماء والقادة المُلهَمين للطائفة حُماتها من الطائفة الأخرى، والزبائنية التي يغرسونها للتحصّل على الحقوق والتهرّب من الواجبات، والقبول بالحدّ الأدنى من كلّ شيء! 

أي يتأقلمون مع كل ما ثاروا عليه وما سيثورون عليه عندما تسنح لهم فرصة أخرى. هؤلاء هم حقيقةً ناس التغيير. ناس من ورق. يحملون شعارات كبرى ويحلمون أحلامًا كبرى، ولكنهم يعودون طوعًا وخيبةً إلى القفص الذي حطّموا بابه ذات يوم، بانتظار غودو، يُفّضلونه على المجهول.

فوق كل هذه الفروض الصيفية الذاتية والموضوعية التي سقتُها آنفًا، مَن الذي سيتصدّى لمهمة إقناع هؤلاء بأن الطيران بعيدًا خارج القفص جديرٌ بالمحاولة؟ وأن شرط نجاحه ليس شاقًا كثيرًا، وأنه ليس أكثر كلفةً على مستقبلهم من القبول بفتات القفص؟ وأنه، أولًا وأخيرًا، ليس مشروطًا بقائد سربٍ ما (أو أكثر). ولعلَّ تناوب القيادة، كسباقات البَدَل، من شأنه ضخّ دماء جديدة وحيوية جديدة، وبوجهٍ خاص عندما يضلّ قائد ما أو يتعب أو ينحرف أو يفشل!

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث