في منعطفٍ وطنيٍّ حاسم، حرّك قرار حصر السلاح بالمؤسّسات الشرعيّة اصطفافًا سياسيًّا وروحيًّا عابرًا للطوائف: أحزابٌ سياديّةٌ ومرجعيّاتٌ سنّيّةٌ ومارونيّةٌ تقف اليوم صفًّا واحدًا خلف الحكومة ورئيسها. ومن تجلّيات هذا الالتفاف، الاتصال الذي أجراه مفتي الجمهوريّة الشيخ عبد اللطيف دريان برئيس الحكومة نواف سلام، مُشيدًا بالقرار، ومشدّدًا على ضرورة المضيّ قدمًا في الوفاء بـ"التعهّدات الواردة في البيان الوزاريّ خدمةً للبنان واللبنانيّين".
"القوّات": قرار تأخّر 35 عامًا
وأصدرت الدائرة الإعلاميّة في حزب "القوّات اللبنانيّة" بيانًا أشارت فيه إلى أنّ "القرار التاريخي الذي اتّخذه مجلس الوزراء أمس وجب اتّخاذه منذ 35 عامًا، لولا الانقلاب على "وثيقة الوفاق الوطني" التي نصّت حرفيًّا على "بَسْطِ سلطة الدولة اللبنانيّة على كامل الأراضي اللبنانيّة بواسطة قوّاتها الذاتيّة." وأضافت: "القرار التاريخي الذي اتّخذته الحكومة وجب أن يصبح نافذًا منذ 21 عامًا لولا الانقلاب على القرار 1559 الذي ارتكز في بنوده إلى اتّفاق الطائف ونصّ حرفيًّا على "حلّ جميع الميليشيات اللبنانيّة وغير اللبنانيّة ونزع سلاحها." وتابع البيان: "القرار الحكوميّ بتكليف الجيش إنهاء السلاح غير الشرعي وجب أن يصبح نافذًا منذ 19 عامًا لولا الانقلاب على القرار 1701 الذي نصّ حرفيًّا على "أهمّيّة بَسْطِ سيطرة حكومة لبنان على جميع الأراضي اللبنانيّة وفقًا لأحكام القرار 1559 (2004) والقرار 1680 (2006) والأحكام ذات الصلة من اتّفاق الطائف، وأن تمارس كامل سيادتها، حتى لا تكون هناك أي أسلحة من دون موافقة حكومة لبنان ولا سلطة غير سلطة حكومة لبنان."
وأضاف: "كذلك وجب أن يصبح القرار الحكوميّ نافذًا منذ ثمانية أشهر، لولا الانقلاب على اتّفاق وقف إطلاق النار الذي نصّ حرفيًّا على "نزع سلاح جميع الجماعات المسلّحة في لبنان، بحيث تكون القوّات الوحيدة المسموح لها بحمل السلاح في لبنان هي القوّات المسلّحة اللبنانيّة (LAF) وقوى الأمن الداخليّ ومديريّة الأمن العام والمديريّة العامّة لأمن الدولة والجمارك اللبنانيّة والشرطة البلديّة. وبعد هذه الانقلابات كلّها على النصوص المرجعيّة، بدءًا باتّفاق الطائف ومرورًا بالقرارات الدوليّة، وصولًا إلى اتّفاق وقف إطلاق النار وخطاب القسم والبيان الوزاريّ، كان حريًّا بالفريق الانقلابيّ الاعتذار من اللبنانيّين عمّا ارتكبه بحقّهم وبحقّ لبنان طوال 35 عامًا. ولكنّه، بدلًا من أن يعتذر، خرج مهاجمًا ـ بوقاحة تامّة ـ رئيس الجمهوريّة جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، كأنّ رئيس الجمهوريّة هو مَن تسبّب بحرب تموز 2006، أو مَن اتّخذ قرار حرب 7 أيار 2008، أو مَن أعلن الحرب ضدّ الشعب السوري، أو مَن تسبّب في "حرب الإسناد" وتداعياتها الكارثيّة على لبنان؛ أو كأنّ رئيس الحكومة هو مَن عطّل الحياة السياسيّة، وأخّر تشكيل الحكومات، وقاد البلد إلى الانهيار الماليّ والاقتصاديّ بفعل حروبه وتحالفه مع أفسد الفاسدين".
وأوضح: "وبعد كلّ ما أصاب البلد من موتٍ ودمارٍ وخرابٍ وكوارثَ ووَيْلاتٍ وانهيارٍ وتهجيرٍ بسبب محور "الممانعة"، وبعد أن تخلّى حلفاء هذا المحور عنه، وبعد أن بات عاجزًا عن تأمين مصالحهم، وأصبحت الأكثريّة الساحقة من الشعب اللبنانيّ مصرّةً على خيار الدولة الفعليّة، كانت المراجعةُ الشاملةُ مطلوبةً من هذا المحور لما اقترفه بحقّ الوطن والشعب، ولا سيّما بيئته. لكنّه، بدلًا من تعديل سلوكه التخريبيّ ومساره الانتحاريّ، صبّ جام غضبه على رئيس الجمهوريّة لأنّه التزم خطاب قسمه ولم يحد عنه قيد أنملة، وعلى رئيس الحكومة لأنّه التزم البيان الوزاريّ ولم يحد عنه قيد أنملة".
وختم بالقول: "لقد وضعت جلسة مجلس الوزراء في 5 آب لبنان على سكّة العودة إلى دولةٍ فعليّةٍ وطبيعيّةٍ؛ والمدخل إلى هذه العودة هو التزام النصوص المرجعيّة، وهذا تحديدًا ما فعله رئيس الجمهوريّة ورئيس الحكومة."
مجلس المطارنة: لبناء دولة قوية
إلى ذلك، صدر عن مجلس المطارنة الموارنة، عقب اجتماعه الشهريّ في الصرح البطريركيّ في الديمان، برئاسة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي ومشاركة الرؤساء العامّين للرهبانيّات المارونيّة، بيانٌ رحّب بمقرّرات الحكومة اللبنانيّة، ولا سيّما قرار حصر السلاح بيد الدولة، معتبراً أنّه "استكمالٌ لبناء دولة قويّة قادرة على بسط سيادتها على كامل الأراضي اللبنانيّة بعيدًا من منطق الاستقواء". وشدّد على أنّ "هذه الدولة القويّة هي المرجعيّة الوحيدة لجميع اللبنانيّين وتضمن لهم الإنماء المتوازن".
وفي الشأن الإقليميّ، أكّد المجلس تطلّعه إلى "ترسيخ الاستقرار في الجمهوريّة العربيّة السوريّة صونًا لكرامة أبنائها وتشجيعًا لعودتهم إلى أرضهم، ولا سيّما النازحين المقيمين في لبنان، معربًا عن أمله في نجاح قوافل العودة ومواصلتها حتى تحقيق غايتها". وأثار البيان كذلك "المخاوف الشعبيّة التي خلّفتها الجريمة المروّعة في منطقة المعاملتين ـ غزير (كسروان)، مناشدًا الدولة وأجهزتها الأمنيّة اتّخاذ خطوات عمليّة تعيد الطمأنينة إلى المواطنين، وتفعيل الجسم القضائيّ لإنزال العقوبات الرادعة بالمجرمين".
وأشاد البيان بالجهود العسكريّة والأمنيّة المبذولة لكشف خلايا التطرّف وإحباط مخطّطاتها، مثمّناً يقظة المؤسّسات المعنيّة التي حالت دون إشعال فتنة جديدة. وفي السياق الانتخابيّ، عبّر الآباء عن استغرابهم للمعالجة "المبتورة وغير العادلة" لحقّ اللبنانيّين المنتشرين في الاقتراع أسوةً بالمقيمين، ودعَوا مجلس النوّاب إلى تصحيح الخلل في مشروع القانون الانتخابيّ، وتفادي أيّ ذريعة قد تفضي إلى تمديد الولاية النيابيّة الحاليّة.
وختم المجلس داعيًا المؤمنين إلى الصلاة "من أجل إحلال السلام في لبنان والمنطقة والعالم، مستنزلين أنوار الروح القدس على المسؤولين ليعملوا على وقف الحروب ورفع الظلم وترسيخ علاقات قائمة على الحقيقة والعدالة والتضامن والحريّة".
معوّض: الشعب يستحقّ السلام
من جهته، رأى رئيس "حركة الاستقلال" النائب ميشال معوّض أنّ "وضع مهلة واضحة تؤدّي إلى حصر السلاح بيد الدولة قبل نهاية العام هو منعطفٌ مفصليّ في مسار استعادة السيادة وبسط سلطة القانون على كامل الأراضي اللبنانيّة." وأضاف: "وحده هذا المسار يؤمّن الحماية للبنان من الانزلاق في حروب عبثيّة جديدة، ويشكّل نقطة التقاء للبنانيّين حول دولةٍ قادرةٍ على تحرير أرضها، وترسيم حدودها، وإعادة إعمار ما تهدّم، وإعادة أهلها إلى قراهم، وتثبيت الاستقرار، واسترجاع الثقة فيها وفي لبنان. وكلّ الدعم لرئيس الجمهوريّة، ولرئيس الحكومة، وللحكومة، وللمؤسّسة العسكريّة في تنفيذ هذا القرار التاريخيّ." وختم: "الشعب اللبناني يستحقّ، بعد طول انتظار، أن يعيش بسلامٍ واستقرارٍ وازدهار."
"الكتائب": العِبرة في التنفيذ
وعقد المكتب السياسيّ الكتائبيّ اجتماعًا برئاسة رئيس الحزب النائب سامي الجميّل، وبمشاركة المجلس المركزيّ، خُصِّص لإحياء الذكرى الخامسة لانفجار مرفأ بيروت واستذكار الشهداء الذين سقطوا، ومن بينهم شهداء الكتائب: الأمين العام نزار نجاريان، جو عقيقي، جو أندون، وأنطوان برمكي.
ونوّه المكتب السياسيّ، في بيان له، "بتصويت الحكومة على البند المتعلّق بالسلاح غير الشرعيّ مقرونًا بتكليف الجيش وضع خطّة للتنفيذ وتحديد المهل"، واعتبره "قرارًا تاريخيًّا يضع لبنان على سكّة استعادة السيادة، والدولة على طريق استعادة قرارها الحرّ"، مجدّدًا "ثقته بالحكومة في استكمال النقاش حول بند حصر السلاح وصولًا إلى خواتيمه."
وحذّر المكتب "من أيّ محاولة للتعاطي مع القرار بسلبية أو التمادي في منطق الترهيب والاستقواء ـ وهو زمنٌ ولّى ولن يسمح بعودته تحت أيّ ذريعة"؛ رافضًا "كلام الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم الذي يغوص في حالة إنكار، ويحاول جرّ البلد إلى مواجهة يرفضها اللبنانيّون"، ومثنيًا على "تحرّك القوى الأمنيّة في تطويق التحرّكات الميدانيّة الخارجة عن القانون والتي تستخدم للضغط أو للتلويح بالقوّة في وجه القرار السياديّ."
ورأى أنّ "جريمة المرفأ ما كانت لتحصل لو وجدت دولةٌ فعليّةٌ مكتملة الأوصاف تفرض سلطتها على كامل الأراضي اللبنانيّة، وتمنع تحوّل المرافئ إلى مستودعات صواريخ ومتفجّرات، مجدّداً تمسّكه "بضرورة الوصول إلى الخواتيم القضائيّة في ملفّ انفجار المرفأ، عبر صدور القرار الاتّهاميّ الذي يسمّي الأمور بأسمائها ويؤسّس لمسار محاسبة حقيقيّ، بوصفه شرطًا أساسيًّا لقيام العدالة."
ونوّه "بالعمل الجادّ والدؤوب الذي قام به وزير العدل القاضي عادل نصّار لإزالة العوائق من أمام التحقيق، وبحرصه على تحصين الملفّ وتمكينه من الوصول إلى العدالة المنشودة"، مقدّرًا "مبادرة وزير الثقافة غسان سلامة بإدراج الإهراءات على لائحة الجرد العام للأماكن التراثيّة، وتحويلها إلى مقامٍ تذكاريّ يخلّد المأساة ويبقيها حيّة في وجدان اللبنانيّين، لتكون دليلاً على ما تؤول إليه الأمور عندما تتخلّى الدولة عن دورها. ودعا إلى "الإسراع في ترميم مرفأ بيروت وتطويره وتشغيله بكامل طاقته، ليعود ركيزةً اقتصاديّةً أساسيّةً في مسار إعادة نهوض لبنان."
"التيار": لتعزيز قوّة لبنان الدفاعيّة
رأى المجلس السّياسيّ لـ"التيار الوطنيّ الحرّ" أنّ مصير سلاح المقاومة استحقاقٌ ضاغطٌ بسبب الالتزامات التي تعهّد بها لبنان في اتفاق وقف إطلاق النار، وبموجب ما ورد في خطاب القسم والبيان الوزاري للحكومة.
وأشار المجلس السياسي، في بيانٍ بعد اجتماعه الدوري برئاسة النائب جبران باسيل، إلى أنّ "التيار" يؤكّد ثوابته بحصر السلاح في الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية، وحصر إمرة استعماله بالدولة، على أن يتسلّم الجيش أسلحة المقاومة لتعزيز قوّة لبنان الدفاعية. وبالتالي لا ينبغي تدمير هذا السلاح وحرمان لبنان منه، بل يجب الاستفادة منه لتعزيز قوّة الجيش وقدرة لبنان على الدفاع عن السيادة والأرض.
واعتبر أنّ استمرار الغطرسة الإسرائيلية ورفض الالتزام بوقف النار ومواصلة استباحة السيادة اللبنانية هو سلوكٌ مقصودٌ لعرقلة الحلول، وهو ما يعطي أسبابًا أو ذرائع لعدم تسليم السلاح قبل الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات وإعادة الأسرى.
وذكّر "التيار" أنّ موضوع العودة الفورية للاجئين السوريين يجب أن يكون ضمن الحل الذي يشمل تثبيت حدود لبنان البرّية مع إسرائيل وسوريا، والاستفادة من ثروات لبنان الطبيعية، ماءً ونفطًا وغازًا. واعتبر أنّ من واجب المقاومة تحقيق هدف حصرية السلاح بيد الجيش اللبناني، الذي تنخرط فيه كلّ مكوّنات لبنان. كذلك يجب أن تكون حصرية قرار الدفاع عن لبنان بيد الدولة، و"حزب الله" أيضًا جزءٌ منها.
