تفجير بيروت ومرفأ "الاستثمارات"

أنطونيوس أبو كسمالثلاثاء 2025/08/05
مرفأ بيروت- Getty
أي غدٍ لبيروت بعد هذه الكارثة الانسانية (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

شكّل انفجار مرفأ بيروت الإجرامي في الرابع من آب، مناسبة فريدة لكافة أنواع الاستثمارات السلبية. على رأسها، الاستثمار السياسي، والاستثمار المالي، والاستثمار الاقتصادي والاستثمار الاجتماعي والاستثمار الأمني أيضاً.

وقع الانفجار في وقت كانت الدولة تتهاوى ومؤسساتها، وقسم من الشعب يثور ضدّ جزءٍ من الطبقة السياسية وضدّ نفسه. الأخطر أنّ هذه الاستثمارات السلبيّة أدّت إلى استغلال المتضررين وذوي الضحايا وتحويلهم إلى ضحايا مرّة ثانية، ضحايا اللاعدالة وضحايا اللاإنسانيّة. 

لن أكرّر وأعيد ما كنت قد كتبته مراراً ومنذ سنوات بخصوص عدالة مرفأ بيروت، لكنّه بإمكاني أن أجزم، أنّه لم تشهد العدالة فصولاً من الإخفاقات والذلّ كالتي شهدها ملف انفجار المرفأ. العدالة نفسها ارتُكِبَت فيها الجرائم، في سبيل قتلها. مشتبه فيهم ومتهمون أمام القضاء يقاضون القضاة، القضاة يقاضون بعضهم البعض، قضاة يطلقون سراح كلّ الموقوفين تحقيقاً لرغبة سلطات أجنبيّة. فكانت للأسف عدالة سدوم وعمورة...

أُضيف للضحايا، ضحية جديدة، هي العدالة، التي استشهدت على أيدي أبنائها. إلّا أن سفاح القربى يلاقي ما يجد له أسباباً تخفيفيّة، إلّا أنّ جراح أهالي الشهداء لم تجد لها بلسماً ولا دواء. على حجّتهم وتطبيقاً للقول المأثور مصائبُ قومٍ عند قومٍ فوائدُ، شكّلت مصيبة أهل بيروت فائدة للمجتمعات السياسية والدينيّة والاجتماعيّة الفاسدة. فباسم الانفجار، جرى استغلال مساعدات إعمار المساكن المتضرّرة، تُوجِر بالمساعدات الغذائية للمشردين، جُدّدت أبنية مؤسسات استشفائية وتربويّة وإنمائية وجُهّزت تحت ستار الترميم. بقدر ما كانت تقديمات المانحين كثيرة، كان الاستغلال على روح الضحايا وأنفسهم أكبر.

إنّ أهالي شهداء مرفأ بيروت، ليسوا فقط ضحايا جريمة القتل الممنهج عبر الانفجار بغية تهجيرهم لأسباب ديموغرافية واقتصادية سياسيّة؛ بل هم ضحايا الفساد الذي طال كرامتهم يوم شرّدوا وتشرّدوا ويوم جرى إذلالهم بلقمة العيش والدواء ونوافذ الزجاج. لا نعرف ما الذي ستكون عليه نتيجة العدالة التي يتوسّلها أهالي الشهداء، إلا أنّ العدالة في هذا الملف يجب أن تشمل ملفات الفساد المرافقة لهذه الجريمة، قبل ارتكابها وبعد ارتكابها. لا أحد بإمكانه أن يصدّق أنّ الجرائم المرتبطة بانفجار 4 آب ليست ممنهجة.

بعد ما شهد أهل بيروت من حرب ودمار منذ نصف قرنٍ، ليس بإمكانهم تصديق نظريات تبسيطيّة بحجّة استتباب السّلم الأهلي والسير وراء مقولة رحم الله الشهداء. إنّ الموقع الجيوسياسي والجيو-اقتصادي لمرفأ بيروت وموقعه على المتوسط بين طرطوس وحيفا، يكتسب أهميّة استراتيجيّة. فضرب هذا المرفأ هو شطب لبنان عن خارطة خطوط التجارة العالميّة. كما أنّ هذا الموقع يكتسب أهميّة استراتيجية عسكريّة، كما وللأسف يقع على خطّ مسارات التهريب الدوليّ المرتبط بدول وبتنظيمات عابرة للقرّات. أين الدولة من الاستثمار الاقتصادي والتجاري لمرفأ بيروت؟ وأين أجهزة الرقابة من النيترات المخزّن في نفوس الفاسدين والمجرمين؟

أيّ غدٍ لبيروت بعد هذه الكارثة الإنسانية؟ لكي تعود بيروت أمّ للشرائع، يفترض بها أن تكون بيروت مدينة خالية من الفساد، وعاصمة منزوعة السلاح وتحديداً السلاح الخفيف والمتوسّط. فبيروت زينتها برجال الدولة وليس بسلاح الميليشيات والميني-ميليشيات والمافيات. إنّ بيروت يجب أن تعلن الحداد على موت الضمائر وليس على شهداء المرفأ، فهم أحياء في سماوات لبنان الخالد.

 

 

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث