مأزِقيَّةُ مُقارَبَة التَّكامُل الهائل، الذي حَكَم ولم يَزَل شخصيَّة زياد الرَّحباني.. بين الفلسفيّ التأريخيّ، والموسيقيّ المُمَسْرَح، والجازِ الشرقيّ، والسخريَّة النَّقديَّة، مع إضاءَاتٍ وطنيَّةٍ لاذِعة على اليَسَار قبل اليمين، مأزقيّة حارِقَة. خَرَق زياد كُلّ النّمطيّات التَّقليديَّة في الفِكْرِ السِّياسيّ من ناحِيَة، ومحاولة الفِعْل السِّياسيّ من ناحِيَةٍ أُخرى. المأزقيَّةُ التي أَسْلَفْنا ذِكْرَها قائِمةٌ في شخصيَّة زياد النّادرة، العصِيَّة على التوقُّع الاستِباقيّ لمواقِفه وإبداعاتِه على حدٍّ سواء. الشَّفافيَّة المُطْلَقة التي تمتَّع بها أبْعَدُ من تصنيفها في خانَة الحريَّة. انتماؤها إلى مُربَّعِ الوعي التَّغييريّ تستنِدُ إلى جَذْبِ السِّجال الحادّ. السِّجال الحادّ مع الحُلَفَاء قبل الخُصُوم. لا يعني أبدًا، في ما سَبَق، أنْ ليس في بعضِ مواقف زياد ما يزجُّ بِنا في استِغرابٍ إلى حدِّ الاستِهجان. مُناقَضَة الديكتاتوريَّة ودَعْم بعضِها مؤرِق. مُناهَضَة التوتاليتاريَّة ومساندةُ بعضِها مُربِك. الالتِفافُ على حُلُم الرّحابِنَة بلُبنان حضاريّ مؤلِم. لكنْ، في كُلِّ هذه المعادلات الرَّجراجة، كان بُعْدٌ غير مسبوقٍ في المُحاجَجَة إلى حدِّ الاستِهزاء.
ما كان زياد الرّحباني سِوى على سجيَّةٍ عفويَّة. صِدْقُه أخَّاذٌ لا يحتمِلُ التأويل. وضُوحُه ينِمُّ عن قناعةٍ بما يؤمِن، ويقول، ويعيش إلى حدّ تصنيف ذاتِه بأنَّه "انتِحاريٌّ" كُلَّ يَوْم. بهذا القَدْرِ انتَفَض على موضعتِه في حيِّز الإلحاد. أصرَّ على إيمانِه باللّه الموجود في كُلّ تفصيلٍ. حتَّى في الجَمَاد. هكذا حوَّل الموسيقى التي عَشِق إلى آياتٍ فريدة، تختالُ زهْوًا على جماليَّةٍ أزليَّة، لا تعرِفُ حدود المكان أو الزَّمان. أراد للموسيقى أن تنطِق شعرًا بسيمفونيَّاتِها الكاريزميَّة. أحالَ لُبْنان إلى فَرَحٍ في الوَجَع. إلى بَسْمةٍ في الدَّمْعة. إلى استشرافٍ في المؤقّت.
لم يَذْهَب زياد الرّحبانيّ، كما يحلُو للكثيرات والكثيرين تصويرَهُ، لم يذهَب إلى عبثيَّةٍ في الكيان اللُّبنانيّ. أراد للكيان اللّبناني أن يَستردَّ إنسانيّتَهُ في خيارِ علمانيَّةٍ أساسُها المواطنة. حبُّه للُبنان وإنسانِه الموجوع بدا أعْمَق من الانحِياز لسرديَّاتٍ وجدانيَّة. بين فيروز الأيقونة وزياد الواقعيَّة كان عاصي ومنصور على موعِدٍ مع المأزقيَّة. أرادَ زياد لهُما بعضًا من فَرْمَلةٍ لِجَعْل لُبْنان رؤية واعدة شعريّاً حصرًا. الإبداعُ عنده، بعبقريَّةٍ نادِرة، كان أن يقول الحقيقة بكُلّ شَغَف. يُمكن أن نختَلِف أو أن نتمايز مع هذه الحقيقة، لكنَّها تبقى محفورةً في خيارِ البَحْثِ عن وطنٍ أبْعَد من شِعار. عن دَوْلة أبْعَد من عَلَم. عن دستورٍ أبْعَد من كِتاب. عن جمالٍ أبْعَد من تأمُّل.
زياد الرّحباني عظيمٌ أنْتَ. العُظَماء لا يَرْحَلون. سنَشْتاقُ للحريَّة الحقيقيَّة التي إليها انْتَمَيت. التي إليها ارْتَحَلت. "خلّي عينك ع لبنان".
