أعلن المبعوث الأميركيّ إلى سوريا ولبنان، والسّفير إلى تركيا، توم باراك في مقابلةٍ متلفزّة أنّه يعتقد أنّ "أحدًا لا يريد مواجهةً إسرائيليّةً جديدة"، مؤكّدًا أنّ مهمّته تتمحور حول "استخدام نفوذ واشنطن لتهدئة المياه وجمع الأطراف على تفاهم يضع لبنان على المسار التالي".
وتابع موضحًا أنّ نتائج اللقاءات لم تكن "جنونًا إسرائيليًّا"، بل محاولةً لدفع كلّ الأطراف، بما فيها إسرائيل وبقية المناطق المرتبطة بها، نحو "ملاحظات بنّاءة"، سائلاً: "كيف يمكن للأميركيين أن يساعدوا الجميع؟". وبيّن أنّ طرح الرئيس نبيه برّي تخطّى مهلة "الخمسة عشر يومًا"، لافتًا إلى أنّ مفاوضات ملفّ الأسرى قائمة منذ زمن وتعرّضت للتأجيل مرارًا، وأنّ ما يجري الآن هو "تحديثها: ماذا كان مخطَّطًا؟ لماذا غضب الناس؟ لماذا لا يوجد وقفٌ كامل لإطلاق النار؟ وكيف نُصلح ذلك؟" مؤكّدًا أنّ "الجميع مهتمّ اليوم بالوصول إلى حل، لأنّ في المنطقة معاناة لا تُساعد لبنان أيضًا".
التعاون الحكوميّ
وأشار باراك إلى أنّ في لبنان حكومةً تقول إنّ "هناك جيشًا واحدًا"، وهذه الحكومة "منفتحة عليكم وعلى اللبنانيين"، وعليها أنّ تقرّر كيفية التعامل مع مسألة السلاح المنظّم وغير المنظّم، "وهذا شأنٌ يقرّره اللبنانيون، لا الولايات المتحدة". وأوضح أنّ ما يعني واشنطن هو "المحاولات المحدّدة الجارية، وبوجه خاص مع إسرائيل: كيف نستخدم نفوذنا لطمأنة إسرائيل طمأنةً آمنة ومسؤولة، بالتوازي مع خطة وُضعت منذ تشرين الثاني". وأضاف: "ما نفعله هنا هو تهدئة المياه، واستخدام تأثيرنا على إسرائيل ولبنان معًا، والقول: هذه هي المشاكل، فلنجمعها ونحلّها ونُخرج الناس من دائرتها".
وأكّد: "أظنّ أنّ لا أحد يريد مواجهة إسرائيليّة جديدة". واستدرك قائلاً إنّه لا يوجّه الكلام إلى إسرائيل بل إلى الحكومة اللبنانيّة، "إلى ثلاثة جيوش – مجازًا – وإلى المدينة التي هي مدينة الدولة". وأوضح: "نحن لا نتعامل مباشرةً مع حزب الله؛ حزب الله جزء من الحكومة اللبنانية، لذا نتحدّث مع الحكومة. في كلّ مدينة لبنانية هناك 'جيوش' عديدة، وعليها أن تتفاوض في ما بينها. حزب الله واحدٌ منها". ولفت إلى أنّ الولايات المتحدة "كانت أكبر داعم للبنان في السنوات الماضية، وستبقى. نحن حريصون على كلّ ملف، ونحب لبنان... سنواصل دعمنا إذا كان الجميع متّفقين، أمّا إذا لم يكن هناك اتفاق فسيقتصر الأمر على إدارة الأزمة".
وعن لقاءاته مع الرئيس جوزاف عون والرئيس نواف سلام والرئيس نبيه برّي، أوضح أنّ "الخطوة الأولى هي توضيح التفاهم الذي وُضع منذ تشرين الثاني". وبيّن أنّ "تفاهم هالوتس (أو التفاهم الحدودي) شهد تعديلات والتباسًا، وبوجه خاص بين الإسرائيليين والحكومة اللبنانية... نعم، من الجانبين". ورأى "تقدّمًا زمنيًّا يسمح بإعادة صياغة الحلّ وتحسين الوضع الراهن بين حزب الله وإسرائيل وسائر مكوّنات الحكومة"، معتبرًا أنّ نجاح ذلك سيكون "خطوة مهمّة لكلّ الاستحقاقات الاجتماعية"، لكن "إن لم يكن هناك أمن وثقة من الناس أنفسهم فلن ينجح شيء".
وأشار قائلًا: "نحن نتحدّث عن تواريخ محدّدة. جئتُ لأعرف: كم يلزمنا من الوقت لبحث كلّ جزء من التفاوض القائم، وما يجب إصلاحه؟ ما نتفاوض عليه هو الآن، وعلينا جميعًا أن نحدّد بسرعة. قلتَ آب، وها نحن في آب. أتمنى أن نحصل في بداية الشهر على تفاهم ومعرفة واضحة بموقعنا. نحن نُهدر الوقت. علينا أن نصنع مستقبلًا، وأن يكون لبنان أول قطعة في هذا المستقبل".
التعاطي مع الحزب
وعن الحديث حول "الرّد اللبنانيّ على المقترح الأميركيّ"، أكّد: "لدينا ما نحتاجه. كانوا مسؤولين وقدّموا فهمًا جيدًا لموقعهم. الآن نريد أن نجمع المجتمعات المختلفة لتحمّل جزء من تلك المشاكل. فعلوا ما طُلب منهم، وكانوا مجتمعين في الوقت الذي قلنا إننا نستطيع مساعدتهم. سنؤمّن كلّ اللقاءات التي نحتاج إليها لتحقيق تفاهم، وسنحاول إنجاز ذلك في وقت حقيقي".
وكشف أنّ "حديثًا كثيرًا" جرى مع إيران حول "كلّ الحقائق، لا عن حزب الله وحده، بل عن حماس والحوثيين وغيرهم"، مؤكّدًا أنّ "كلّ هذه القوى ما زالت حاضرة في المشهد" وتؤثّر بالطبع على لبنان، لأنّ "حزب الله جزء من البنية اللبنانية". وأضاف: "أنا دائمًا رسمي. الدولة هي الباب الأخير قبل أيّ خطوة على الأرض. هذا رئيسي ورأس عملي؛ أؤمن بأنه رئيس سلام ونجاح، وأنه سيقوم بكلّ فعل قبل أن تُفرض الوقائع بالقوة. هذا ما يحدث، بطبيعة الحال، مع إيران".
الأحداث في سوريا
وأوضح أنّ ما حدث في السويداء بسوريا "كان مؤثرًا على ما يمكن أن يحدث في أي مكان"، مشددًا على أنّ "الفكرة واضحة: تفاهم بين طرفين في إطارٍ إقليمي"، وأنّ الحدث احتاج "إدارةً دقيقة عبَرَت مؤسسات عدّة". وبيّن أنّه "عندما تقع أخطاء، يصبح 'التعاون الاجتماعي' مسألة أخرى"، مشيرًا إلى أنّ "حزب الله مؤسسة مقاومة وفق التصنيف الأميركي، لكن 'التعاون الاجتماعي' قضية أخرى"، ومؤكدًا أنّه "لا فرق جوهريًّا بين ما يحدث في سوريا ولبنان؛ كلاهما مترابط".
وفي ما يخصّ التحدّيات الاجتماعية، أشار إلى أنّ اللبنانيين "بدأوا إصلاحات اجتماعية أساسية" تُعدّ "شروطًا جوهرية لبناء منظومة اجتماعية سليمة": بدءًا من "معالجة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية ـ وقد قُدّمت اليوم خطوة كبيرة في هذا الاتجاه ـ ثم تأتي المفاوضة حول كيفية توزيع الخسائر التي تراكمت في السنوات الماضية، وتقاسمها بين المودعين والمصارف والدولة".
وعن العلاقة اللبنانية- السورية والمحاولات الأميركية المتصلة بهذا الموضوع، أوضح: "أرى أنّ سوريا ولبنان مرتبطان ارتباطًا وثيقًا. استقرار سوريا يعين على استقرار لبنان، وسوريا تحتاج إلى موارد بشرية واقتصادية من لبنان للمساعدة في إعادة إعمارها. التطور الإقليمي في سوريا ـ بحسب معرفتي وبحسب ما أراه من الحكومة السورية الجديدة ـ مشروعٌ صالح ومستقل، ونحتاج جميعًا إلى دعمه للانتقال إلى المرحلة المقبلة. أعتقد أنّ لبنان سيكون مصدرًا مهمًّا وداعمًا لهذا التطور في سوريا. العلاقة بنيوية، لا انفصالية، وليس لدى الطرفين رغبة في الهجرة عن بعضهما بعضًا. سيكون ذلك مفيدًا جدًّا للبنان أن يساهم ـ بشكل منظّم ـ في تطوير سوريا المستقرّة. الخلل في المرحلة المقبلة يمكن ضبطه بسهولة إذا تزامن ذلك مع حلّ للمسألة الإسرائيلية، ومع أملٍ بتوفّر موارد جديدة أو مُعاد توزيعها. عندها سيكون من السهل فهم المعادلة: يجب أن تجد لبنان وسوريا وإسرائيل ومجتمعاتها مكانًا آمنًا للتعاون، ليصبحوا قوّةً محليّة في المنطقة".
