منذ أيلول 2004، لم يفتأ محور الممانعة آنذاك سوريا الأسد وإيران وحلفاءهم في لبنان تعطيل تنفيذ القرار 1559، بعد نجاحهم في تعطيل تنفيذ المقرّرات السيادية لاتفاق الطائف وتحوير مضمونها. إنّ جوهر القرار 1559 يستند إلى ركيزتين: انسحاب كافة الجيوش الأجنبية عن الأراضي اللبنانية، ونزع سلاح جميع الميليشيات الأجنبية واللبنانيّة. بعد خمس عشرة سنة من الطائف تظهّر جلياً أنّ عدداً قليلاً من الأحزاب قد سلّم سلاحه فعلياً للشرعية، في حين طَوّر الآخرون ترسانات تفوق سلاح الدولة تحت ذريعة مقاومة العدوّ الإسرائيلي.
1- ظروف اعتماد القرار 1559
اعتمد مجلس الأمن القرار 1559 في 2 أيلول 2004، بأغلبيّة تسع أصوات بغياب أيّ صوت مضاد. تجدر الإشارة، إلى أنّ الاتحاد الروسي والصين امتنعا عن التصويت ولم يستعمل أحدهما حقّ النقض. صدر هذا القرار بناءً لمشروع تقدمت به ألمانيا، فرنسا، المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركيّة. أمّا النواة الفعليّة لهذا القرار، قد أزهرت خلال لقاء الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش مع الرئيس الفرنسي الراحل جاك شراك في حزيران ٢٠٠٤ خلال الاحتفال بالذكرى الستين لإنزال النورماندي وعملية "Overlord". أمّا وراء الموقفين الأميركي والفرنسي، كان هناك دور بارز لشخصيتين لبنانيتين، إحداها لا تزال على قيد الحياة، عملت مع مجموعة ضغط لدى الإدارة الأميركية لاستصدار قرار ضدّ الوجود السوري في لبنان، أما الشخصيّة الثانية فعملت على الخطّ الفرنسي-الأوروبي لاستصدار قرار بنزع سلاح الميليشيات الموالية للنظام السوري بحجة انسحاب العدوّ سنة ٢٠٠٠ وإنهاء الوصاية السورية على المؤسسات الدستورية اللبنانيّة.
إنّ النكث بالوعود بشأن التطبيق الفعلي لاتفاق الطائف والالتفاف على مضمونه بسبب الخنوع اللبناني، إضافةً، إلى استمرار النشاط العسكري للمقاومة الإسلامية بعد انسحاب جيش العدوّ الإسرائيلي من أغلبية الأراضي المحتلّة في أيار 2000، ناهيك عن سيطرة النظام السوري على الحياة السياسيّة اللبنانية بشكلٍ شبه كامل، محفّزات أدّت إلى الشروع بمشروع الـ 1559 وسط ترحيب إسرائيليّ - بالطبع. شكل النزاع بشأن هوية مزارع شبعا، والموقف السوري الملتبس بشأنها، ورقة قوية للمقاومة التي اعتبرت أنّ من حقّها تحرير هذه الأراضي اللبنانيّة. وفقط بعد صدور القرار ١٥٥٩، ذكر النظام السوري أنّ مزارع شبعا لبنانية، وذلك من ضمن الرسالة التي وجهها وزير الخارجية السوري آنذاك فاروق الشرع لأمين عام الأمم المتحدة، والمؤرخة في ٢٦ نيسان ٢٠٠٥ والذي يبلغه بموجبها بالانسحاب الكامل للجيش السوري من لبنان تطبيقاً للقرار ١٥٥٩.
2- من تداعيات تطبيق القرار 1559
من أضخم تداعيات صدور القرار 1559: اغتيال الرئيس رفيق الحريري وانسحاب الجيش السوري من لبنان، وعدوان تموز 2006، كما شهدت هذه الفترة اغتيالات سياسية. وجرّاء هذه الأحداث الجلل، اتّخذ المجتمع الدولي خطوات ضامنة لتنفيذ القرار 1559.
نتيجة اغتيال الرئيس الشهيد الحريري وباقي الاغتيالات ومحاولات الاغتيال، اتخذ مجلس الأمن سلسلة قرارات أبرزها القرار 1595 والذي أنشأ بموجبه لجنة تحقيق دولية خاصة، تلته مجموعة قرارات (1644، 1664، 1757) بشأن إنشاء محكمة (دولية) خاصّة بلبنان لمحاكمة الجناة في قضية اغتيال الحريري والقضايا المتلازمة.
نتيجة الانسحاب العسكري السوري، وبعد قرار لجنة التحقيق الدولية في قضية الحريري، أصدر مجلس الأمن القرار 1636 الذي أراد أن يضمن بموجبه توقيف المسؤولين الرئيسين من النظام الأمني السوري-اللبناني وتجميد أموالهم.
نتيجة عدوان 12 تموز 2006 الإسرائيلي، والذي كان الهدف الأساسي منه ضرب المقاومة الإسلامية، استصدر مجلس الأمن القرار 1701 تحت الفصل السابع، فرض بموجبه منطقة جنوب نهر الليطاني منزوعة السلاح.
3- القرار 1701 ضمانة القرار 1559
توقّف قطار الـ 1559 عدّة مرّات، بسبب محاولات داخلية-إقليميّة. أبرز محطّات توقيف القطار أو تعطيله، تمثّلت بضرب المحكمة الدوليّة عبر زيارة الشيخ سعد الحريري للرئيس المخلوع بشّار الأسد ووساطة سموّ خادم الحرمين الشريفين المغفور له الملك عبد الله، ناهيك عن عدم تسليم المحكمة الدوليّة للمشتبه بهم وللمتهمين، ممّا أدّى أخيراً إلى توقيف تمويلها بعد سلسلة أحكام غيابية بحقّ أفراد من حزب الله في قضية الحريري، وعدم المضيّ للنظر في القضايا الأخرى.
كما تمّت محاولة توقيف سرعة قطار الـ1559 على وقع طاولات الحوار اللبنانية بشأن السلاح خارج إطار الدولة، حيث لم يتوصّل الأفرقاء السياسيين للتفاهم حتّى على استراتيجية دفاع وطني، وخسر الحزب هذه الفرصة الذهبية واستبدلها بمعادلة الأمر الواقع وأطلق عليها لقب "الذهبية". وفعلياً، كان الهدف من وراء طاولات الحوار إبداء حسن نيّة أمام المجتمع الدولي بشأن تطبيق قرارات مجلس الأمن، وتحديداً الـ1559 من دون لفٍ أو دوران.
الأهمّ هو سياسات التسويف التي رافقت تطبيق القرار 1701 الصادر في آب 2006، حيث لم تلتزم أطراف النزاع بمندرجاته، بل قامت هذه الأخيرة باعتماد قواعد اشتباك تحت أعين اليونيفيل استمرّت حتى حرب الإسناد في خريف 2024، ترافقت مع شرعنة سلاح المقاومة في البيانات الوزارية للالتفاف على القرار ١٥٥٩.
إنّ القرار 1701، هو الاطار القانوني للقرار 1559. فالقرار 1701، والذي يدعو إلى تطبيق القرار 1559، فهو قد وضع مبادئ بسط سيادة الدولة على كافة أراضيها عبر خطة لانتشار الجيش اللبناني، والمنطقة المنزوعة السلاح، ووضع ضوابط لتهريب السلاح تنطبق أيضاً على الدول الداعمة.
حالياً، إنّ القرار 1701 هو الشبه الوحيد الذي يشكّل الضمانة لتطبيق القرار 1559، حتّى إنّ "إعلان وقف الأعمال العدائية والالتزامات ذات الصلة بشأن تعزيز الترتيبات الأمنية..." المبرم في 27/11/2024 هو ليس إلّا آلية تنفيذية لقرار مجلس الأمن 1701. حتّى أنّ مقدّمة هذا الإعلان وكذلك مضمونه (الفقرتين ٥ و٦ منه) ينصّان على تطبيق القرار 1559!
الدولة اللبنانيّة ومخاض الـ1559
تشتدّ الضغوطات على لبنان، وتحديداً من قبل إدارة ترامب وبعض دول الخليج من أجل حصر السلاح بيد الدولة اللبنانيّة، عبر تسليم حزب الله سلاحه للدولة وكذلك المنظمات الفلسطينيّة. فبشأن الارتباك والاجتماعات المكثفة من أجل إعداد "لائحة جوابية" على ورقة الموفد الأميركي توم برّاك: إنّ ما تضمّنته مطالباته ليست بشيء جديد، بل إعادة وتكرار لمندرجات اتفاق الطائف، والـ1559 والـ 1680 والـ1701 بدءاً من موضوع السلاح وصولاً إلى ترسيم الحدود. هذه الأمور هي موجبات تقع أصلًا على عاتق الدولة اللبنانية من باب وجوب تنفيذ قرارات الشرعية الدولية وحماية شرعيتها. وعلى هذا المستوى، إنّ تطبيق قرارات مجلس الأمن ليس كالعقود المتبادلة، ولا يخضع تطبيقها لذرائع عدم التزام الطرف الآخر. إنّ تنفيذ القرارات الدولية ولو من قبل طرف نزاع دون آخر قد يؤدي إلى إنعاش جديد لهذا القرار ويحفّز الضغط على الطرف الآخر من أجل تنفيذه.
لا أحد يشكّك بأنّ "إسرائيل" تتصدّر لائحة منتهكي القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لكن هذا الأمر ليس حجّة لعدم بسط الدولة سلطتها على كافة أراضيها، والخروج من عقدة عدم القدرة والمقدرة على مجابهة العدوّ بسب عدم التكافؤ في السلاح. إنّ انحلال هيبة الدولة لهذا الدرك، تدفع أحزاباً مسلّحة لمشاركة السلطة وتشريع دورها بسبب غياب الدولة وتقصيرها. علماً، أن أركان الدولة منذ الطائف هم أمراء الأحزاب المسلحة "الغالبون" إضافة إلى شخصيات لا تتمتع بحيثية تمثيلية، بل مستعدة لتولي المناصب مكان الأصيل المهزوم وأو الذي هزم نفسه إثر الوقوع بفخّ الحسابات الخاطئة.
وبالعودة إلى ما نحن عليه اليوم، إنّ حزب الله والسلطة الدستورية المكلفة التفاوض عنه، هم من أبرموا إعلان وقف الأعمال العدائية العام المنصرم، فيما قامت حكومة تصريف الأعمال آنذاك بالمصادقة من دون أن يكون لرئيسها أو لوزير خارجيتها أي دور في التفاوض وفقاً لأحكام الدستور. لا يمكن تحميل تبعات تسويات أمنيّة لتنظيم مسلّح لدولة بأكملها شعب وجيش ومؤسسات، مع العلم اليقين أنّ التجربة مع الـ1559 كانت دمويّة ومكلفة.
وأيضاً وحسب الدستور، إنّ حملة ممارسة الضغط على رئيس الجمهورية في هذا الملفّ، هو أمر مناقض للدستور. تجدر الإشارة هنا إلى أنّ "خطاب القسم" (الرئاسي) ليس له قيمة دستورية بخلاف البيان الوزاري، الذي تنال الحكومة الثقة على أساسه. كما وأنّ دور الرئيس الفعليّ بعد الطائف هو دور الحكم الناظم والمسهّل، علماً أنّ شخص الرئيس الحالي، يمارس دوراً واسعاً ومتقدماً بهدف إنقاذ الموقف وتوحيد الرؤية وتجنيب الشعب اللبناني ويلات الحرب. إنّ موضوع حصر السلاح بالقوى الشرعية هو من صلب مهام مجلس الوزراء مجتمعاً، الذي عليه اتخاذ القرارات الصعبة والمصيرية لإنقاذ البلاد والعباد، ولإنقاذ حزب الله أيضاً، خصوصاً وأنّ عدم مقدرته أو عدم ردّه بالشكل اللازم على أيّة اعتداءات من قبل العدوّ الإسرائيلي أو غيره ستُسجّل هزيمة إضافية في سجلّه.
إنّ المراهنة على الوقت لم تعد بالوصفة الناجحة خصوصاً وأن لبنان ليس في موقع قوّة لا اقتصادياً ولا عسكرياً ولا دبلوماسياً، فالدولة اللبنانية على شفير الانهيار وعلى اللائحة السوداء، خصوصاً وأنّ الاتفاق النووي الأميركي-الإيراني الذي اعتادت أن تراهن عليه المنطقة لم يعد موجوداً. المغامرات والمقاومات العسكرية بوجه "إسرائيل" أظهرت فشلها على مرّ السنين؛ فالانجرار للردّ على الاستفزازات الإسرائيلية المقصودة قد يورّط لبنان. أمام التحولات التي تحصل في المنطقة، والموقع الجيوسياسي على خاصرة سوريا الجديدة غير العلمانية، حان الوقت لتغيير استراتيجية المواجهة وابتداع مقاربات عبر تموضع جديد يستند إلى الشرعية الدولية وإلى الوحدة المطلقة حول الدستور والإيمان بالجيش اللبناني للحفاظ على ما تبقى من سيادة، خصوصاً وأنّ "بايجر" الهجرة السورية في لبنان قد يصيب السّواد الأعظم. على أمل أن لا تكون ذكرى منح سماحة المفتي للرئيس السوري الشّرع وسام دار الفتوى المذهّب، كذكرى تسليم مفتاح بيروت لرئيس الاستخبارات السورية آنذاك رستم غزالي قبيل صدور القرار 1559.
