حكومة إطلاق الإصلاح والإنقاذ واستكمال مسار التغيير

مارك ضوالثلاثاء 2025/02/11
DSC09581.jpg
النجاح يتطلب تعاوناً وطنياً واسعاً، من كل الأطراف السياسية والمجتمع المدني (علي علوش)
حجم الخط
مشاركة عبر
لبنان وطن الفرص الضائعة، اليوم يشهد التقاط فرصة تاريخية بعد انتخاب رئيس الجمهورية جوزيف عون، وتشكيل الرئيس نواف سلام حكومة لا تشبه سابقاتها، لناحية إنهاء أي شكل من أشكال التعطيل أو الهيمنة الحزبية على الحكومة. لكن هذه الحكومة التي تجد أمامها فرصاً لا متناهية إقليمياً ودولياً، تواجه تحديات جمة داخلياً، بسبب الكوارث المتلاحقة التي حلت بلبنان من حرب الإسناد والاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، إلى الانهيار المالي والاقتصادي، وتفتت الإدارات والخدمات العامة، وانتشار السلاح خارج الدولة، وأزمة اللجوء السوري وغيرها.

لذا، يجب أن ندرك كمواطنين أن تشكيل هذه الحكومة ليس عصاً سحرية قادرة على حل كل المشاكل بين ليلة وضحاها. لذلك، عليها تحديد المهام الأساسية التي ستوليها أولوية لوضع لبنان على مسار الإصلاح والإنقاذ الصحيح، وبناء الأسس التي تمكن الحكومات المقبلة من استكمال مشروع التغيير الذي انطلق شعبيا منذ 17 تشرين 2019.

هذه الحكومة رغم عمرها المحدد بسنة وشهرين بسبب الانتخابات النيابية العامة 2026، قادرة أن ترسم الإطار العام لانطلاقة المئوية الثانية على تأسيس دولة لبنان الكبير. وفي سعيها ذلك عليها أن تحقق نتائج ملموسة في الأولويات الوطنية والمسائل المصيرية التي أمامها. ونطرح في هذا المقال ما نراه أولويات الحكومة، كمساهمة في النقاش لوضع البيان الحكومي الذي تأخذ الحكومة الثقة على أساسه:

التحديات الأمنية: خطوة نحو الاستقرار 
أولى المهام التي يجب أن تركز عليها الحكومة الانتقالية هي تحقيق الاستقرار الأمني. لا يمكن لأي إصلاح أن ينجح في ظل انعدام الأمن وانتشار السلاح خارج سيطرة الدولة. تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار والقرارات 1701، 1680، 1559، وإتمام انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي اللبنانية، وضبط الحدود اللبنانية السورية. وداخلياً سحب كل السلاح غير شرعي فلسطيني أو لبناني، هي خطوات لا بد منها. وذلك يتطلب دعماً مطلقاً وتمكيناً للجيش اللبناني وتعزيز دوره كحامٍ للسيادة الوطنية والأمن بقرار سياسي واضح وحازم.

تموضع لبنان في الخريطة الدولية
لبنان دفع أثماناً باهظة بسبب صراعات المحاور الإقليمية والدولية، واستباحة أرضه كساحة لتلك الصراعات. الحكومة "السلامية" مطالبة بإعادة تموضع لبنان ضمن الشرعية العربية والدولية، بعيداً عن محاور الصراع الإقليمي، والتمسك بسياسة الحياد عنها. هذا يتطلب كسب ثقة المجتمع الدولي وتأييده، لضمان الدعم السياسي والاقتصادي الذي تحتاجه البلاد في هذه المرحلة الحرجة. والأهم بالسياسة الخارجية هو وضع أسس سليمة وندية لعلاقة لبنان مع سوريا تحديداً، ووضع أسس لعودة اللاجئين السوريين إلى وطنهم بأسرع وقت ممكن، بما يخدم مصلحة البلدين. كما يجب رسم إطار جديد للعلاقات اللبنانية الإيرانية، تنهي التدخل الإيراني السافر في الشؤون اللبنانية ومحاولة الهيمنة السياسية عليه.

التغيير السياسي: الانتخابات والتعيينات
لا يمكن الحديث عن إصلاح من دون إجراء تغيير جذري في التمثيل السياسي. الحكومة الانتقالية مطالبة بتسهيل الانتقال السياسي عبر إجراء الانتخابات النيابية والبلدية في مواعيدها المحددة، ما يسمح بإطلاق كتل سياسية جديدة. كما أن التعيينات في المؤسسات العسكرية والقضائية والدبلوماسية، يجب أن تتم على أساس الكفاءة وليس المحاصصة الطائفية، ما يحرر الإدارات من التبعية السياسية للأقطاب المهيمنين على الإدارات والأجهزة.

إعادة الإعمار ورعاية النازحين 
لبنان يعاني من آثار الحروب والنزوح واللجوء التي أرهقت اقتصاده وبناه التحتية. الحكومة الانتقالية يجب أن تبدأ فوراً بوضع خطة شاملة لإعادة الإعمار، مع التركيز على المناطق الأكثر تضرراً في الجنوب والبقاع. ورعاية نازحي الحرب الأخيرة، ومعالجة الجرحى والمرضى وعائلات الشهداء هي مسؤولية أخلاقية وإنسانية لا يمكن تأجيلها. هذه الخطوات ليست فقط لتحسين الوضع المعيشي، بل أيضاً لتعزيز الثقة بين المواطنين والدولة. 

الأزمة المالية والاقتصادية: حلول عاجلة 
الأزمة المالية والاقتصادية هي التحدي الأكبر الذي يواجه لبنان اليوم. الحكومة الانتقالية مطالبة بوضع حلول عاجلة لإنقاذ القطاع المصرفي وحماية حقوق المودعين. وضع برنامج إنقاذي مع صندوق النقد الدولي، الذي هو المدخل الإلزامي لحل أزمة لبنان المالية والاقتصادية.
كما على الحكومة وضع تصور اقتصادي واضح ومتكامل يعطي أولية لخلق فرص العمل والتركيز على القطاعات المنتجة الحديثة، مثل التكنولوجيا والصناعة المتطورة. وهو أمر لا بد منه لاستعادة ثقة المواطنين والشركاء الدوليين.
الإصلاحات المالية يجب أن تكون شفافة وعادلة، مع التركيز على محاربة الفساد وإعادة هيكلة الديون، مع محاسبة فاعلة لمن أوصل إلى السطو على أموال المودعين، والمال العام.

استكمال تنفيذ اتفاق الطائف
اتفاق الطائف كان بمثابة خريطة طريق لإنهاء الحرب الأهلية وإعادة بناء لبنان. ومع ذلك، فإن العديد من بنوده لم تُنفذ بشكل كامل، مما أدى إلى استمرار العديد من المشاكل التي يعاني منها البلد اليوم. الحكومة الانتقالية مطالبة باستكمال تنفيذ هذا الاتفاق، بدءاً من تعزيز دور الدولة المركزية في فرض سيادتها على كامل الأراضي اللبنانية، ومروراً بإصلاح النظام السياسي لضمان تمثيل عادل لكل المكونات الاجتماعية. ولعل النقطة الفارقة تكون بإقرار قانون استقلالية القضاء، ليس فقط العدلي بل كل القضاء، لكي يتحرر القضاة من الهيمنة السياسية والتدخلات.

صلاحيات تشريعية استثنائية 
الحكومة لديها سنة وشهرين فقط، والمجلس النيابي يتجه نحو التحضير لانتخابات في ربيع 2026، ولذلك سيكون النواب منهمكين في شعبوية المزايدات لإقناع الناخبين، وستعمد الكتل الكبرى المهيمنة على الإدارات إلى حماية مصالحها داخل المؤسسات العامة.. ولهذا السبب، لن يقوموا بإقرار قوانين سريعاً تسبب بإضعاف هيمنتهم على الدولة. لذا، يجب أن تطلب الوزارة في بيانها الحكومي صلاحية تشريعية في ثلاثة مواضيع محددة، ولفترة زمنية محدودة، وهي: إقرار مراسيم تشريعية لاستقلالية القضاء، إقرار مراسيم تشريعية للامركزية الإدارية الموسعة، إقرار مراسيم تشريعية لخطة الإنقاذ المالي والنقدي والاقتصادي مع صندوق النقد الدولي، والتي تتضمن الإصلاح المصرفي، واسترداد الودائع، والإصلاحات في مصرف لبنان ووزارة المالية وهيئة الرقابة على المصارف.

الحكومة الانتقالية ليست وحدها في مواجهة هذه التحديات. النجاح يتطلب تعاوناً وطنياً واسعاً، من كل الأطراف السياسية والمجتمع المدني والمواطنين والمواطنات. لبنان يستحق أن يعود إلى سابق عهده، وطناً للحرية والثقافة والازدهار. الحكومة الانتقالية هي بداية الطريق، ولكن النجاح يتوقف على إرادة الجميع في المضي قدماً نحو التغيير الذي انطلق عام 2019.

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث