image
السبت 2023/01/21

آخر تحديث: 09:20 (بيروت)

تفكّك التسوية اللبنانية

السبت 2023/01/21 أحمد جابر
تفكّك التسوية  اللبنانية
من مدخل رئاسة الجمهورية يتابع واقع الانفكاك اللبناني مسيرته، من دون تمويه (علي علوش)
increase حجم الخط decrease


 

 

بات متعذِّراً القول، إن التسوية اللبنانية ما زالت ثابتة، وصار واقعيّاً القول، إن مَسَار تفكّك التسوية الداخلية قد بلغ مرحلة من التآكل الخطير، الذي يبدو معه الاستدراك السياسي، الرسمي والأهلي، صعب المنال.

للتذكير دائماً، أن الصيغة البنيانية اللبنانية كانت هشّة في أصلها، وظلّت كذلك، حتى في حقبات الازدهار الداخلي، الذي ظنّه كثيرون أنّه ممرّ إلى بناء لبنان، أرسخ صيغة وأقوى اجتماعاً، لكن الظنّ هذا، سرعان ما بدَّدته النزاعات الأهلية المتوالية، التي بعثرت الإنجازات المتحقّقة، وأنجبت مواد خصومة جديدة، وبذرت عوامل الشقاق في مفاصل البنية اللبنانية، فأوصلت لبنان "الحلم"، إلى لبنان المشهد الحالي، الذي قد يكون التمهيد الأخير لبقاء شبه لبنان لا يعرفه الذين يحملون اسم اللبنانيين.

مشهد الإقصاء
سلك الاستعصاء المؤسساتي الداخلي طريق الإفراغ المتوالي، وطريق الشلل المتمادي، وطريق السطو على الآليات الناظمة لاستقامة الكيان الدولتي كمرجعية جامعة، تبقى لها الكلمة الفصل في تدبير شؤون الجمهور.

أبطال الإفراغ والشلل والسطو، هم زعماء الحرب الأهلية الذين صاروا زعماء الحياة الرسمية، وهم، ومن موقع استباحتهم للشارع العام، نقلوا ممارساتهم إلى السياق الرسمي العام، وأوكلوا إلى جمهورهم ذاته، مهمّات "مَلْيَشَة" الحكم، بعد أن أفلحوا في مَلْيَشَة الفضاء الأهلي العمومي.

لقد وضع اتفاق الطائف، نصوصاً تخيّل أصحابها أنها ستعيد تنظيم ما هدّمته النزاعات الأهلية، لكن النّص افتقد إلى قواه الوطنية ذات المصالح الجامعة والمشتركة، وافتقد إلى الحماية الخارجية، بعد أن خسر مناعته الداخلية، لكن ما حصل هو إيكال الدعم إلى هيمنة الوصاية سورية، التي أضافت إلى خسارة المناعة البيّنية بين اللبنانيين، خسائر وفظائع الاستتباع والإلحاق وسياسة وضع اليد، على كل ما من شأنه أن يعين لبنان على الدخول في مرحلة الشفاء من أمراض حروبه الأهلية.

اشتراك الخارج والداخل، ساهم في تكوين تشكيلة سياسية هجينة، من سماتها الإذعان لوليّ النعمة، أي الوصيّ الجديد، ومن أفعالها، الدخول مع هذا الوصيّ في شراكة نهب وإفقار للبنانيين، وفي شراكة قهر ومنع للأصوات التي رفضت هذه الشراكة، ومن سياساتها، تحويل المراكز، وإمكانية الوصول إليها، هِبَاتٍ يقدمها الوصيُّ إلى من يجد فيه طاعة موثوقة، وإلى من يتوسَّم فيه مرافعة دفاعية عن موجبات هذه الطاعة، وقدرة على التمويه والتضليل الكفيلين بمنع المساءلة عن سلطة الوصاية المحتجبة خلف ستار الأخوّة والتضامن ووحدة المسار والمصير.

النضالية المتمادية
لم تغب الشعارات الكبرى عن صفوف اللبنانيين، وفي سياق التراجع الصيغوي والميثاقي، كانت المبادئ الشعارية عاملاً سلبيّاً مضافاً إلى العوامل السلبية الأصلية. لقد ارتبطت كل نضالية بمسألة ما فوق وطنيّة، ووجدت كل نضالية حاضنة داخلية لها، بسبب من الخلل الذي حمله النظام الطائفي اللبناني، وبسبب من الانقسامات التي ترتبت على هذا الخلل، فبات معها الحرمان مثلاً شأناً إسلامياً، والامتيازات شأناً مسيحيّاً، وعليه، وعند انفجار الأزمات، وفي سياق سياسات الاستقواء المعمول بها لبنانياً، صارت العروبة والقومية مبدأً إسلامياً، واستمرّت اللبنانية وتوابعها من لزوميات الثوابت المسيحية.

في امتداد ذلك، وبعد نتائج الأزمات المتوالية، عرفت "المسيحية" تراجعاً في مواقعها، تظهر آثارها جليّة اليوم، وعرفت النضالية تقدماً، مظاهره بادية للعيان. لكن حصيلة الأمرين، أي التراجع والتقدّم، تفصح عنها حقيقة ماثلة واحدة: اهتزاز الكيان وتفكك أواصره.

وممّا هو لافت في الوقت الحالي، هو تبادل ردود الفعل بين النضالية التي صار رمزها أهل "المقاومة والتحرير"، والنضالية الاستدراكية التي يعمل على استعادة زخمها التعبوي أهل "المقاومة اللبنانية". تتباين المواقع، وتفترق الأدوات بين "المقاومتين"، لكنّ يفترق الموقعان، فآلة المقاومة والتحرير، الإسلامية، تثابر على سياسة الثبات في مواقع مكتسباتها الجديدة، وتسعى إلى تطوير رسوخها فيها، أمّا آليات المقاومة اللبنانية، فتجهد من أجل وقف التراجع العام عند حدود معينة، حتى يكون ممكناً استئناف الصعود الصعب صوب المراكز العليا التي جرى إخلاؤها وإفراغها.

انتخاب رئيس الجمهورية
ليس سرّاً أن موقع الرئاسة قد أُضعفَ واستنزف منذ ما بعد اتفاق الطائف، وليس سرّاً أيضاً، أنه كانت للمسيحية السياسية اليد الطولى في هذا الإضعاف. هذا العامل الداخلي الإضعافي، وجَدَ دعماً له من قبل الوصاية السورية سابقاً، ووجد سنداً له من جانب الوصاية الإيرانية الحالية، من خلال أنصارها في الداخل، وفي مقدمتهم حزب الله، الذي هو، وباعتراف الجميع، العامل الأقوى في مجمل المعادلة اللبنانية.

يتوزّع المشهد الانتخابي الحالي على رفضين، رفض تقوده القوات اللبنانية، وحزب الكتائب، وصفّ من المستقلّين، ورفض يقوده "الثنائي الشيعي" ومعه التيار العوني، وصفّ من المحبّذين. الرفضان لا يجتمعان على اسم رئيس، هذا إذا أسقطنا الأخذ بمقولة مواصفات الرئيس، والرفضان يظهران تشدُّداً يبدو مقفلاً، آنيّاً على أي تفاهمٍ قريب.

في هذه المعادلة المقبلة، ومن خلال نظرة سريعة إلى المستقبل القريب، يبدو الرفض "المسيحي" ومن معه، مفتوحاً على خسارةٍ إضافية، مصدرها إطالة أمد الشغور في المركز المسيحي الأول في الدولة، وفي المقابل، تظهر الانتظارية المتطاولة، كسباً إضافياً لرفض "الثنائي الشيعي" ومن معه، مصدره الاستفادة من الإضعاف، لتمكين قبضته على مجمل الشؤون اللبنانية. في إزاء ذلك يتبادر إلى الذهن أسئلة من قبيل، كيف يرى أصحاب الرفض المسيحي الوضع السياسي اللاحق للبنان، عندما يظهرون إقفالاً شعاريّاً، وانضماماً إلى انتظارية يستفيد منها خصومهم السياسيون؟ ما المصلحة الوطنية العامة من ذلك، ما دام الرفض المذكور يقدّم مشروعه في صيغة إنقاذية لمجمل الكيان اللبناني؟ وهل يقع التصعيد الشعاري، موقع مراهنة لا تبني على ما يقدمه الداخل من معطيات، بل بمقدار ما قد يأتي من الخارج من قرارات؟

الأسئلة إيّاها تطرح على رفض "المقاومة"، وعلى من وراءها. انتظار الأجوبة لن يأتي من هذه الجهة، عندما يكون المطلوب جواباً طويل المدى، أما الردود اليومية، أي مادة الاستهلاك الملقى في سوق التداول فكثيرة، لكنها غير مقنعة عموماً إلا لدى جمهورها، الذي يرى هو الآخر، أنه يطرح ما يراه مفيداً للبنان، وما هو من مصلحة سائر الطامحين إلى وطن عماده القوة وحصانة البنيان.

واقع الانفكاك
من مدخل رئاسة الجمهورية، كما من سائر المداخل الأخرى، يتابع واقع الانفكاك اللبناني مسيرته، من دون تمويه، ومن دون التباس.

هذا الواقع لا ينفيه الكلام المتنقل عن العيش المشترك، وعن الصيغة وعن الوفاق... فالكلام يسفّهُه الملموس اليومي، السياسي والمعيشي والأهلي. استعراض عيّنات وأمثلة، تساعد في معرض الدلالة على الانفكاك. من ذلك، توزيع اللبنانيين على ثقافة موت وثقافة حياة. تعريف السيادة بالمقاومة، وتعريف السيادة بحصرية امتلاك السلاح. اجتزاء حرّية اللبنانيين وتحويلها إلى حرية اختيار المأكل والمشرب، ورفع مسألة الحرية إلى مبرّر لبقاء لبنان. استسهال فراغ المؤسسات، والتحذير من ذلك الفراغ. التشاتم التخويني المتبادل، مما يجعل من كل فريق عميلاً في نظر الفريق الآخر... هذا بعض من الذي يسري ويجري بين اللبنانيين، وهذا يعني الكثير عندما يدور الحديث عن "شعب"، وهو ذو دلالة لأن الشعب المفترض انفكَّ اجتماعه "المصنّع" من دون إتقان، فباشر رحلة العودة إلى منبته الأصلي، والأصيل.

 

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها