image
الجمعة 2023/01/20

آخر تحديث: 14:38 (بيروت)

الدوران في متاهة جهنم

الجمعة 2023/01/20 عارف العبد
الدوران في متاهة جهنم
الأزمة الحالية في لبنان لم تعد سوى أزمة نازحين ومتسولين وجائعين (علي علوش)
increase حجم الخط decrease

لم يبالغ أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله في قوله في أحد خطاباته مؤخراً، إن من ينتظر الحركة السياسية الخارجية للتأثير على موضوع الانتخابات الرئاسية فهو قد ينتظر كثيراً وطويلاً. فكما هو واضح، فإن جوهر الاهتمامات الخارجية يتصل على المستوى الدولي والإقليمي في متابعة الملف الرئيسي الذي يشغل العالم، وهو نتائج وتطورات وتداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، والإحاطة بانعكاساتها على مختلف المستويات الأمنية والاقتصادية والسياسية، وعلى وجه الخصوص الاهتمام بالتحركات التي تؤثر على هذه الحرب أو تصب في مجراها.

الدول العربية، وتحديداً دول الخليج العربي، بات واضحاً ولأكثر من سبب، أنها لا تضع ملف الشغور الرئاسي في لبنان في أولوياتها واهتماماتها. وهي قد نسيت لبنان أو شطبته من حساباتها. والدليل أن أغلب التحركات العربية، بما فيها الاجتماعات التي حدثت مؤخراً، لم تضع الأوضاع في لبنان من ضمن أولوياتها، خصوصاً وأن مشكلة انتخاب رئيس للجمهورية وفراغ سدة الرئاسة الأولى تعتبر مشكلة داخلية محضة، تتصل باتفاق اللبنانيين أو اختلافهم وعنادهم ونزاعهم غير المبرر وغير المفهوم، بل إن أغلب الدول العربية باتت -بسبب انعكاسات الحرب في أوكرانيا وقبلها جائحة كورونا- تبدي اهتمامها الأساسي في أوضاعها الاقتصادية، وتعمل للتخفيف من انعكاسات وتأثيرات الحرب في أوكرانيا على اقتصاداتها ورؤيتها أو توجهاتها للعيش في المستقبل.

إن أغلب الدول العربية باتت تنظر إلى مصالحها الإقليمية والوطنية. وهذا أمر طبيعي. وتنسج التحالفات والتحركات لمعالجة مشكلاتها هي، وليس مشكلات لبنان المتكررة المملة، أو بما تثيره القضايا اللبنانية، التي لم تعد مسألة تهم أحداً من العرب.

لبنان عملياً ظهر على شاشات الرادارات والاهتمامات الدولية والإقليمية قبل أشهر من أجل قضية جوهرية، وذلك لإنجاز عملية ترسيم الحدود البحرية، بهدف معالجة مشكلة تأمين وإمداد النفط والغاز إلى أوروبا، المرتبكة والمتأثرة بفقدان الإمدادات من الغاز الروسي جراء الحرب في أوكرانيا. باستثناء هذا الفاصل النفطي والغازي، فإن الاهتمام بلبنان تراجع بشكل كبير، بعد أن حُلت مشكلة الترسيم الحدودي مع إسرائيل. وقد زاد هذا البرود أكثر بعد شغور سدة الرئاسة، وانتقال العماد ميشال عون من بعبدا إلى الرابية، لتتحول قضية لبنان إلى قضية منسية وعادية كباقي القضايا الهامشية في العالم.

إن رصد ومتابعة لبنان سابقاً، كان قد تصاعد وولد تحركاً دولياً وعربياً إبان اتفاق الطائف، حين حرك العماد عون مدافعه في كل الاتجاهات ونجح في إلهاب الشاشات وعناوين الأخبار بأعداد القتلى والجرحى عبر قصفه لأغلب المناطق اللبنانية، فتحرك القرار العربي الدولي باتجاهه.

بعد اتفاق الطائف لم يعاد تشغيل المحركات العربية والدولية إلا بعد أحداث مهمة جداً، أبرزها اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما تلاه من تداعيات وأحداث، وبعد ذلك عدوان إسرائيل في تموز 20076 وما نتج عنه من دمار وخراب.

الاهتمام العربي والدولي جمد، وما عادت الحركة الدبلوماسية العربية إلى الدوران إلا نتيجة ما شهده لبنان في السابع من أيار 2008  إثر الغزوة المسلحة المشهورة، وأدى إلى تحرك مبادرة الجامعة العربية وتكليف قطر بمتابعة ما استجد من مشكلة دموية في لبنان، وصولاً إلى عقد صلح الدوحة الميمون، وذلك لم يحدث إلا بعد انتشار جحافل المقاتلين على مداخل الأبنية والفنادق والسفارات في العاصمة والمناطق.

من هنا، فإن الأزمة الحالية في لبنان لم تعد سوى أزمة نازحين ومتسولين وجائعين في بلدهم بسبب قادتهم ومسؤوليهم.

في الأثناء، فإن ما تبقى للبنانيين ببساطة هو التنقل في متاهة جهنم التي دخل لبنان وشعبه فيها. وكما هو معروف ومتعارف عليه، فإن مشكلة المتاهة تبدأ بعد الدخول إليها. ففي الأغلب أن المدخل قد يبدو واضح المعالم، والإشارات عليه نافرة وظاهرة، لكن بمجرد الدخول إلى المتاهة والتجول فيها بغية مغادرتها، يحتاج إلى جهد وحظ كبيرين، وحد أدنى من التفكير السليم. 

قبل انتخاب العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية، كان رئيس تيار المردة سليمان فرنجية أحد الأسماء الرئاسية المطروحة بقوة. وقد كانت حظوظه متقدمة في تلك الأثناء، خصوصاً بعد أن اقترب منه سعد الحريري برضى الرئيس نبيه برّي وعدم ممانعة وليد جنبلاط. لكن وعد السيد نصرالله للعماد الواعد ميشال عون آنذاك، أعاد سليمان فرنجية إلى بنشعي للانتظار جانباً من دون تردد.

أما اليوم، وبعد أن أدى عون قسطه للعلى اللبناني وأفاض وأبدع، فإن أصحاب الوعد الصادق كما تعودوا في لبنان، لن يتراجعوا عن وعودهم بسهولة، ولن يخذلوا حليفهم في زغرتا بسبب التزام الأخير معهم من دون أية مغالطات أو مساومات.

يدرك جبران باسيل أن هناك مرشحين اثنين جديين لرئاسة الجمهورية راهناً. الأول هو سليمان فرنجية، والثاني من وصفه بصاحب الانقلاب الأول عليه، وهو قائد الجيش العماد جوزف عون. وكما هو ظاهر فإن دأبه الراهن هو إبعاد أي واحد منهما وبأية طريقة عن الرئاسة الأولى.

إذا وصل جوزف عون إلى الرئاسة الاولى، فإن وصوله يولد انعكاسات كبيرة ومشكلات كثيرة له ولتياره. فهو أولاً صاحب بدلة عسكرية تحاكي رمزية القائد المؤسس والمرشد الأعلى ميشال عون. أضف أنه من آل عون. وهو قادر بمناقبيته أن يعيد تجميع أغلب العصبية العونية المتراخية والمرتبكة والمتنازعة من حوله ومعه. أما وصول سليمان فرنجية، فمن شأنه أن يعيد الاستقطاب في منطقة الشمال والبترون من حوله. وهي المنطقة التي عمل على استعادتها باسيل واستمالتها إليه بعد أن سبق واسقطته في الانتخابات سابقاً.

لهذه الأسباب تفتقت عند باسيل حيلة وفكرة المرشح الثالث، والحركة المكوكية باتجاه كل الأطراف السياسية وكل الأسماء التي استُنبطت من هذا الاتجاه.

هم باسيل الأساسي هو الحؤول دون وصول أي من المرشحين الاثنين، فرنجية أو قائد الجيش، لأنهما يحملان مشروع إقصاء ومحاصرة الحالة العونية، بعد الفشل في تحقيق أي انجاز بعد ست سنوات حكم.

عملياً، المشكلة راهناً في قلب محور الثامن من آذار، الذي يقوده حزب الله، الذي بدأ يدفع أثمان سياسته العونية الباسيلية.

باسيل يواجه ويشاكس حزب الله وحركة أمل في باقي المواقع، بسبب الخلاف على الرئيس المقبل وليس على الالتزام بالدستور. وبالتالي، فإن قسماً كبيراً من المواجهات والمشاحنات الحكومية الجارية تحت حجج وعناوين الميثاقية والشراكة، وتطبيق الدستور والدور المسيحي، سببه الأساسي حرد باسيل وانتكاسته السياسية من توجهات حزب الله والسيد نصرالله، لحجبه الرئاسة عنه وتفكيره بغيره.

كم ستطول هذه المعاناة ومتى سيخرج لبنان من متاهة جهنم؟

في ظل الزهق والملل والتعب العربي والدولي من لبنان وروائحه الكريهة المنبعثة من مطامر مكبات الساسة فيه، فإن الانتظار قد يطول إلى أمد كبير. 

increase حجم الخط decrease

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها