في الشلل: استعادة المبادرة والهيمنة المضادة

مروان عيسىالأحد 2023/04/30
101.jpg
دارت المعركة الأخيرة في قطاعي الحقوق والصحافة (مصطفى جمال الدين)
حجم الخط
مشاركة عبر

لا يمكن وصف النظام اللبناني اليوم بالمشلول، فهو مستمر بالمسار نفسه التي اتبعه خلال العقود الأخيرة، ولو بقدرات متفاوتة ما بين سياسات اقتصادية واجتماعية وإدارية ونهج احتكاري عام.

عندما تدهورت قيمة زبائنيته، حاول خطف المساعدات الآتية من الخارج، كبرنامج دعم الأخير المموّل من البنك الدولي. وعندما تنبّه لحالات اعتراضية داخل "بيئاته" اعتمد القمع والتهديد. ومهما بلغت مراحل التدهور من تأزّم، اعتمد نهج تفقير الدولة ومؤسساتها وأسسها، لمصلحة أزلام السلطة من مصرفيّين وسياسيّين وشبكات زبائنية. ولكن جهده الأكبر هو في محاولة شلّ الحراك الاعتراضي، خصوصّا الشق التقدّمي والسيادي منه، وشلّ أي محاولة لاستعادة المبادرة.

الانتخابات البلدية: الفريقان غير جاهزان
تذرّعت السلطة بعوائق مادية وإدارية تحول دون إجراء الانتخابات البلدية. إضافة إلى تعدّي القرار على أصول الاستحقاقات الدستورية السياسية وديمقراطيتها، عارضت مجموعات المعارضة قرار السلطة نظرًا لعدم جهوزية الأخيرة لخوضها، وضعف سمعة الأحزاب التقليدية في المجتمعات المحلية. ولكن العكس صحيح أيضًا، فإن مجموعات المعارضة أيضًا لم تكن في أفضل الحالات، نظرًا للتشتّت الداخلي واختلاف الأولويات والحالة النفسية لمنظّميها والثقة العامة في الحراك التغييري.

ولكن يأتي أهم إنجاز من وجهة نظر السلطة هو تعطيل فرصة أخرى واستحقاق أساسي، كانت المعارضة لتستفيد منه لإعادة إحياء الحالة الاعتراضية واستعادة المبادرة. بغض النظر إذا كان هذا سبب من أسباب تأجيل الانتخابات، فإن مختلف الاستحقاقات، مهما كان نوعها وحجمها، تتواجد فيها مجموعة أو لائحة "تغييرية"، وهي بمثابة نبض جديد في الحوافز التنظيمية التغييرية. كل استحقاق هو فرصة للمعارضة لتنسيق الجهود، وإعادة تحديد الأولويات داخل المجموعات وخارجها، وإعادة التنظيم على الأقل على الصعيد المصغر للاستحقاق.

محاولة سلب الحراك التغييري من سندَيه القانوني والإعلامي
الخطوات الأخيرة ما بين التدابير القمعية لنقابة المحامين تجاه محاميها، والسيطرة على ظهورهم الإعلامي، كقضية المحامي نزار صاغية وغيره، من جهة، وملاحقة جهاز أمن الدولة لصحافيين، كالصحافي جان قصير من جهة أخرى، هي أبعد من مجرّد محاولة لقمع الحريات العامة لإبطال مفعولها الإعلامي/القانوني المباشر.

هي معركة لقمع جزء أساسي من المبادرة السياسية للصوت الاعتراضي، والتضييق على قطاعَين أساسيَّين، الحقوق والصحافة، قادا ودعما حملات المعارضة في مختلف الاستحقاقات، وشكّلا سنداً أساسياً للحراكات المعنية، على صعيد الخطاب العام في البلاد، وعلى صعيد تسليط الضوء على أهمية هذه الاستحقاقات للمعارضة، وتعدّيات السلطة عليها. فمن دون سند قانوني وإعلامي، يتقلّص هامش المبادرة للمعارضة ويخفّ العبء على أذرع أخرى للسلطة لتكبيلها.

تكامل الاستحقاقات
إن انبثاق حملات وجهود للحراك التغييري في مختلف الاستحقاقات، هو دليل لإدراك مجموعات المعارضة لقيمة وتكامل الاستحقاقات المختلفة، كجزء من إنتاج هيمنة مضادة على جميع الأصعدة التمثيلية، النقابية والبلدية والقطاعية والمناطقية والطلابية منها وغيرها.

ومن هنا، فإن وظيفة وقيمة هذه الحملات الاعتراضية لا تقتصر على مسؤوليات المنتخبين أو المجالس المعنية في الاستحقاق المعنيّ، بل تتضمن تأثيرها على الخطاب العام في البلاد، ومواجهة منطق العمل السياسي التقليدي التي اتبعه النظام وأزلامه.

من هنا، دور النوّاب التغييرين على سبيل المثال، لحدّ اليوم، لم يكن في مساهماتهم التشريعية، بقدر ما كان في مساهمتهم بإلقاء ضوء على ملّفات أساسية كمواجهة محاولات السلطة لتبرئة وتخليص أصحاب المصارف من مسؤولياتهم، وطرح خطاب سيادي لا يطغى عليه طابع طائفي، وطرح منطق بديل في العمل السياسي يتّبع نهج مشروعي، ويتناول نقاشاً لتوزيع الموارد وكيفية إدارة خطّة التعافي الاقتصادي، بدلًا من تقاذف التهم والكوتا الطائفية والعودة إلى شعبويّات تقسيمية.

نحو التمأسُس
وبالفعل، لولا الجهود المختلفة والضغوط والهيمنة المضادة التي انتجها معارضو النظام من مجموعات ونقابات (ونقابات بديلة) واقتصاديين وخبراء قانون وصحافيين، لمرّت عدّة الملفات مرور الكرام. الصندوق السيادي مثال أساسي لمشروع كان ليمر مرور الكرام ويعفي أصحاب المصارف عن مسؤولياتهم لولا الهيمنة المضادة، وكذلك الفرق بين قوانين الكابيتال كونترول التي اقترحت وتلك التي نُفِّذَت، والاعتداءات على الصحافيين والمحامين وغيرها. وهذه إجابة جزئية لسؤال "شو عملت الثورة؟".

إن الخطاب موجود اليوم، ولكن مشكلته تنظيمية. هو خطاب يواجه شقَّي النظام، المالي والميليشياوي، وأزمته ليست في غيابه عن الساحة العامة، بل في غيابه التنظيمي. لعلّ الجهود والخروقات المختلفة تأتي بتنظيم تقدّمي وديمقراطي، يتمكّن من قلب موازين القوى ولا يسمح بذوبانها في ثنائيات واصطفافات السلطة، ويتمكّن من توطيد الانتصارات الماضية والمستقبلية ضمن تنظيم واحد بدلاً من أن تذوب الخروقات في الفراغ التنظيمي. لعلّ تجارب السنة الأخيرة تظهر الحاجة لتنظيم يمزج ما بين براغماتية وسرعة في اتخاذ القرار من جهة وتشاركية في اتخاذ القرار من جهة أخرى، ويمزج سياسيًّا ما بين خطاب غير مساوم في مواجهته لشقّي النظام من جهة، واستراتيجية مدروسة في إنشاء التحالفات والخيارات السياسية، والبقاء بعيدًا عن التهميش وفي صلب معارك القوة من جهة أخرى.

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

جاري التحميل...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث