"مُوَاطَنةُ التّعايش" في كلّ شيء ومع كلّ شيء؟

إدمون بو داغرالأحد 2023/01/15
GettyImages-1242301528.jpg
التأقلم مع الأزمات بات "دستور" عيش اللبنانيين (Getty)
حجم الخط
مشاركة عبر

تُعالجُ هذه المقالة نوعًا من النّقد الذاتيّ العلميّ لكيفيّة تفاعل المواطن اللبنانيّ مع أيّة أزمة سياسيّة واقتصاديّة، وتحديدًا الأزمة التي نمرّ بها منذ العام 2019 لغاية هذه السّاعة. الهدفُ الأساسيّ من هذه المقالة ليس إظهار معنى التّعايش الوطنيّ وما ينطوي عليه من تفرّعات وتصوّرات ومقاصد وأمثلة، بل إظهارُ النّوع الآخر من "التّعايش" والذي يحملُ في طيّاتِه معانٍ متنوّعة وبمعظمها سلبيّ، وهو "التّعايش" مع الفساد ومع الأزمات على اختلافها، لدرجة أنّها تُصبحُ جزءًا من المواطن وبيئته الاجتماعيّة، والخطأ يغدو شائعًا بين أفراد المجتمع اللبنانيّ.  

انفصامُ الإنتماء
غَلَبت على لبنان واللبنانيّين منذ زمنٍ طويل صفةُ التّعايش المُستَمَدّة من مبدأ "العيش المشترك" والتّآخي، غيرَ أنّ ما نصبو حقيقةً إلى تبيانه هو نقيضُ ذلك، وهو "التّعايش" مع كلّ أزمةٍ اقتصاديّة أو سياسيّة أو اجتماعيّة، لدرجة التّأقلُمِ معها وإيجادِ مخارج للإستمراريّة بالرّغم من اعوجاج المسار، على طريقة "مرّقلي تمرّقلك" غيرَ أنّ جزءًا من الحقيقة يكمنُ في ما قاله رجل القانون والخطيب الفرنسيّ من رجال الثورة الفرنسيّة جورج دانتون: "بعد لقمة العيش أوّلُ حاجة للشّعوب هي التّربية"، وهي في الحقيقة التّربية على المُواطَنَة، وإيلاء الوطن أولويّة مطلقة. وفي هذا السياق، لا بدّ أن نستذكرَ أهمّ الإشكاليّات التي اختلف حولها اللبنانيّون وتمكنّا من حلّها بالتّسوية على طراز التّرقيع الموقّت: إشكاليّة الغبن والحصص بين الطّوائف ضمن إطار المناصفة بين المسلمين والمسيحيّين وإشكاليّة تركيبة لبنان التي ارتكزت على المبدأ الذي كرّسه الدستور اللبنانيّ في مقدّمته وهو "أنّ لا شرعيّة لكلّ ما يُناقضُ العيش المشترك" (وقد أُضيفت هذه المقدّمة بحسب القانون الدستوريّ رقم 18 تاريخ 21/9/1990)، وسواها من الإشكاليّات التي استُتبعَت بحلول "ترقيعيّة"، ولكنّ الإشكاليّة، بل العلّة التي لم يتوصّل معظمُ اللبنانيّين إلى الخروج والتحرّر منها، وفي المُقدّمة قياديّو الفكر والرّأي العام هي انفصامُ الإنتماء المقرون بالانتهازيّة. فما هو هذا النّوع من الإنفصام؟ وهل لقاعدة التّعايش بين اللبنانيّين والتي دَرَجَت منذ عقودٍ وعقود من الزّمن حتّى غدت "دستورَ" عيشٍ له دور تأثيريّ في ترسيخ نهج التّأقلُم والتّعايش حتّى مع الفساد والأزمات؟

الإنسانُ السويّ كما يعرّف عنه علماءُ النّفس ينتمي إلى عدّة منظومات طبيعيّة والتي تبدأ من المنظومة الذاتيّة، ثمّ المنظومة الأسريّة، ثمّ منظومة السّلالة العائليّة والعشائريّة، ثمّ منظومة الوطن ولا ننسى طبعًا الدّين والمذهب والفكر والإيديولوجيا، وكلُّها عوامل صحيّة للإنتماء الإنساني والوطني، ويمكنُ استثمارُها لتطوير المجتمع التعدديّ كما فعلت كبار الدول المتقدّمة، ولكن عندما تتصادمُ هذه العناصر الإنتمائيّة عندها تتحوّل إلى مشكلة، وقد تتعمّق لتصبح معضلة اجتماعيّة ووطنيّة، وجرّاء ذلك قد يُصيبُ المجتمع مرض الإنفصام الذاتيّ، كما هي حالنُا اليوم في لبنان: إنفصام ذاتيّ وهوياتيّ (من هويّة). في حينٍ أنّه إذا ما عدْنا إلى الجذر اللغويّ لكلمة "مجتمع" وبحسب معجم اللّغة العربيّة هو "جماعة من النّاس تربطُها روابط ومصالح مشتركة وعادات وتقاليد وقوانين واحدة"، وإذا كان المجتمع تعدديًّا لا بدّ أن تسعى مكوّناته المتنوّعة إلى تأسيس علاقات تعاقديّة فيما بينها، وذلك بهدف الوصول إلى أهداف مشتركة.     

نجدُ أنفُسَنَا عندَ كلّ شدّةٍ وأزمةٍ اقتصاديّة أو سياسيّة أو أمنيّة أو سواها أمام انفصامٍ هُويّاتي (من هُويّة) وأمام انتماءٍ للذّات (الذاتيّة والأنانيّة) (l’individualisme)، وأمام صراع هويّات، وعلى حدّ قول المثل العاميّ: "الشّاطر بشطارتو". وبالتّالي، يواصلُ اللبنانيّون حياتَهم وقد اقتنع معظمُهم أنّ هذا هو مبدأ الحياة الإجتماعيّة والمدنيّة والإنسانيّة، مع تبنّي الخطأ و"الشّواذ" عن القواعد والمبادئ والأسس الإجتماعيّة التي ترتقي بالمجتمع، لدرجة "التّعايش" والتّماهي مع الفساد، كلّ ذلك فقط للإستمرار في العيش وتأمين يوميات الحياة وأساسيّاتها مع التطلّع من وقت لآخر نحو الكماليّات، على حساب المصير والمسار والمبادئ، وكأنّ شيئًا لم يكن! في هذا السياق، يعتبر البروفيسور Clément Bur المتخصص في  التّاريخ، أنّ "الكرامة الإنسانيّة يجب أن تكون في قلب التسلسل الهرمي المدني. ولكن عندما تنحدر رتبة المواطنين الذين أهملوا حقوقهم وكرامتهم، بل فقدوها، وبعد أن أصبحوا سيئي السمعة، التصقت بهم هُويّة متناقصة ومنفصمة". هذا التوصيف ينطبق علينا كلبنانيّين، نحن الذين نعلمُ جيّدًا مكامنَ الفساد والتّدهور الوطني، ونتغاضى عن كراماتنا وانتمائنا اللبنانيّ وحقوقنا المدنيّة بالعيش الكريم، أمام حُفنة من الدّولارات، وبالتّالي نهرب إلى الأمام ونطمر رؤوسنا في الرّمال. ومن هنا نخرج بنتيجة وهو أنّ " للفساد وجهان: الأوّل غير قانوني علناً ومُستَنكَر والآخر أُعطيَ طابعًا شرعيًا من خلال الممارسات الاجتماعية". وهذا ما أطلقنا عليه في البداية "التّعايش مع الفساد" الذي سيؤدّي حكمًا إلى "انفصام الإنتماء".  

والإنفصام من منظور علم النّفس، وتحديدًا بحسب العالِم رولاند فيربرين، هو "أسلوب في التّفكير أسود-أبيض أو أسلوب الكلّ أو اللاشيء، وهو خلل في أسلوب تفكير المرء، حيث يصعب جمع خصال وصفات حَسَنة وسيّئة في أحدٍ ما". فكيف إذا أصاب المُواطن هذا النّوع من الإنفصام، وأيُّ حالٍ سيكون عليه المجتمع بعد ذلك؟

في المحصّلة، كم من مرّة "احتفلت" بيروت ومناطق لبنان برثائها، وبالمقابل ما لبث اللّبنانيّون بمعظمهم أن تعايشوا مع واقعٍ عنوانه: "لا حول ولا قوّة" من دون بذلِ أدنى جهد للتّغيير بالمصير والمسار. وكم من مرّة ماتت بيروت وطرأت أحداث غيّرت وجه العاصمة، من حروب ومجازر واغتيالات وآخرُها انفجار المرفأ في الرّابع من آب عام 2020، وقد تعايش معها الشّعب اللبنانيّ، من دون الغوص في قضايا إصلاحيّة ووجوديّة، مع طيّ الصّفحات السّوداء عند كلّ مفترق طرقٍ، ومن دون إيجاد حلول ناجعة لها. وفي كلّ مرّة ننتقل إلى مرحلة من تاريخنا يكون عمادُها "التّسوية" و"تعليق القضايا الحياتيّة وعدم البتّ بها" إلى ما شاء الله. وهنا يكمنُ عمق الإنفصام اللبنانيّ.   

التعليقات

التعليقات المنشورة تعبر عن آراء أصحابها

Loading...

تابعنا عبر مواقع التواصل الإجتماعي

إشترك في النشرة الإخبارية ليصلك كل جديد

اشترك معنا في نشرة المدن الدورية لتبقى على اتصال دائم بالحدث